حاكم مردان يفكّك أعطاب الغرب بنسخته النروجية

سلمان زين الدينالثلاثاء 2026/04/28
Image-1777360204
حاكم مردان
حجم الخط
مشاركة عبر

هل "ثلاثيّة أوسلو" الصادرة مؤخّرًا عن دار نلسن في بيروت للشاعر العراقي المقيم في النروج حاكم مردان رواية واحدة أم ثلاث روايات في كتاب واحد؟ هذا السؤال يطرحه العنوان، منذ النظرة الأولى. وتتوقّف الإجابة عنه، على قراءة المتن الطويل الذي يربو على 356 صفحة، من القطع العادي، مطبوعة بحرف صغير. وتختلف باختلاف المعيار الذي ننطلق منه للإجابة عن هذا السؤال؛ فإذا انطلقنا من المناخ العام الذي ينتظم الأحداث، بما هو طريقة تعاطي المجتمعات الأوروبية، بشكل عام، والنروجي منها، بشكل خاص، مع مسألة المهاجرين، وما يعتورها من أعطاب التمييز العنصري والتفوّق العرقي والكره الجماعي والاندماج القسري، ممّا نقع عليه في أجزاء الكتاب الثلاثة، على ما بين هذه الأعطاب من تفاوت في الحضور النصّي، بين جزء وآخر، نكون إزاء رواية واحدة. أمّا إذا ما انطلقنا من الاستقلالية النسبية لكلّ جزء، وتغيّر الشخوص واختلاف الأحداث وتفاوت الغرائبية في الأجزاء المختلفة، فنكون إزاء ثلاث روايات في كتاب واحد، وهذا ما أميل إليه، وأنطلق منه في هذه القراءة. ذلك أنّ موضوعة المهاجرين تطغى على الجزء الأوّل، وموضوعة الإبادة الجماعية تشغل الجزء الثاني، وموضوعة التقدّم العلمي المتحلّل من الضوابط الأخلاقية والمخاطر المترتّبة عليه تستأثر بالجزء الثالث من الثلاثية.

 

 حدث في شمال الأرض

 في الجزء الأوّل المعنون بـ"حدث في شمال الأرض"، يطرح مردان سؤال الهجرة إلى الغرب الأوروبي لأسباب قاهرة غالبًا، وما يعانيه المهاجر من اقتلاع جسدي ونبذ اجتماعي وتمييز عنصري وغربة دائمة ووحدة قاتلة وتفكّك أسري وغيرها. وهو يفعل ذلك، من خلال رصده استقصاء معلومات، تقوم به مؤسّسة بحوث شخصية عن مسار مهاجر، متوفّى منذ سبعين عامًا، ومصيره، بطلب من ابنته الثمانينية. وتنخرط فيه مجموعة شخوص، من جنسيات مختلفة، يجمع بينها نشوؤها في أسر مفكّكة، ووجودها في ظلّ نظام عميق تتواطأ فيه الأجهزة الأمنية والقضائية والصحية على الإيقاع بالمهاجرين، وانتزاع أطفالهم منهم بذرائع مصطنعة، وإخضاعهم لتربية خاصّة، في إطار تفكيك منظّم للأسر المهاجرة، وهو ما يتعرّض له المهاجر موضوع الاستقصاء وآخرون غيره

 

شخوص معطوبة

تجري أحداث هذا الجزء في منطقة توين وحي أوسلو القديمة، وتنطلق من قيام سيّدة ثمانينية بزيارة مؤسّسة بحوث شخصية، وتكليفها التحقيق في سبب وفاة والدها المهاجر، وفي صحّة اتهامه بارتكاب جريمة قتل، منذ سبعين عامًا. وينخرط في هذه الأحداث، إضافة إلى السيّدة، صاحب المؤسّسة بيروغن، مساعدته إنغريد، المتمرّد روغر، الطبيب هوغلاند، وغيرهم. على أنّ ما يجمع بين هؤلاء الشخوص نشأتهم في أسر مفكّكة، ومعاناتهم أعطابًا نفسية، وممارستهم سلوكيات منحرفة؛ فالسيدة العجوز تنطوي على ذكريات طفولة قاسية، وتتحدّر من أسرة مهاجرة، يُعتقل فيها الأب بلا سبب، ويُحال بينه وبين أولاده، وتُلفّق له جريمة قتل، وتُعقَد له محاكمة صورية، وتنشأ مع شقيقها الصغير المتوحّد في مؤسّسة حماية أطفال، ويتمّ التفريق بينهما حين تتبنّاها إحدى الأسر، ويُترَك الشقيق لمصيره القاتم. وذلك، في عملية تفكيك ممنهج للأسرة باسم حماية أطفالها. والسيّد بيرغن صاحب المؤسّسة لا يعرف أباه الحقيقي، ويشهد علاقات أمّه المتعدّدة، وينحرف إلى مضاجعتها ذات ليلة، ويعاني فوبيا الرعد، ويهرب منها إلى فخذي مساعدته إنغريد. وهذه الأخيرة لا تعرف أباها، بدورها، وتعرف عشّاق أمّها الكثر، وتتعرّض للتحرّش والاغتصاب على يد أحدهم، وتقوم بالتحرّش بأمّها، وتنغمس في حفلات المجون. وروغر المتمرّد الذي يقوم بتحطيم صندوق بريد البناية 15 في شارع شوبر غاته، لأنّه لا يحمل سوى الأخبار السيّئة، لا يعرف أباه، وتضطرب علاقته بأمّه، ويعاني مرض "القرف" منذ ولادته، ويتّخذ من السباب لغة يومية. والطبيب هوغلاند مهووس سلطة، يستغلّ المشرّدين والمدمنين، ويدفعهم إلى السكن في الأنفاق، يُضخّم خطر المهاجرين الجدد بهدف استيعابهم في حركته، يُحرّض على الجاليات الأجنبية متّهمًا إيّاها بنشر الغيبيات والخرافات، يسوس الشعب في العلن ويحرّض الحكومة عليه في السرّ، ولا يتورّع عن قتل حليفه السابق روغر حين يتصدّى له، خلال اقتحامه مع رجاله صومعة المهاجر الهندي غوبتا

 

وعلى الرغم من الأعطاب التي يعاني منها هؤلاء، فإنّ انخراطهم في الأحداث، من مواقع مختلفة، يجلو حقيقة ما حصل للأب المهاجر، ويثبت براءته من الجريمة المنسوبة إليه، يبطل فرضية انتحاره، ويبيّن أنّه كان ضحيّة النظام العميق الرافض للمهاجرين. والمفارق أنّ وسائل الإثبات والإبطال والتبيين تجمع بين الوثائق والمستندات التي بحوزة الدكتور هوغلاند، من جهة، وبين جلسة تحضير الأرواح التي شهدتها ابنته الثمانينية، من جهة ثانية. وهو ما يتناسب مع الفضاء الروائي الذي يجاور بين البوليسية والواقعية السحرية والواقعية، في خلطة روائية واحدة.

 

جسر الحكايات

في الجزء الثاني المعنون بـ"جسر الحكايات"، يطرح مردان سؤال الإبادة الجماعية التي تطاول شريحة الغجر النروجيين. وهو سؤال داخلي وليس خارجيّأ، كما هي الحال في الجزء الأول. وعلى غرار ما حصل في هذا الأخير، تشكّل عودة الغجري بوريش بورتو إلى مؤسّسة الترجمة التي تهتمّ بالمهاجرين والمهمّشين، حيث تعمل ابنة أخيه ماري، للسؤال عن مآل التحقيق في اختفاء أولاده الثلاثة، نقطة الانطلاق في مجرى الأحداث، وتعيد وضع القضية على بساط البحث، وتنخرط فيها مجموعة شخوص، من مواقع مختلفة، بدءًا من آدم صاحب المؤسّسة ومساعدته ماري، مرورًا بمجدي قارئ المستقبل وتوم رسّام الوشم والبروفيسور روني دير سكوغ أستاذ الأنتروبولوجيا، وانتهاءً بسيغفريد رسّامة شواهد القبور وأصلان المهاجر البوسني وصديقته لينا. على أنّ ما يجمع بين هؤلاء هو تحدّرهم من عائلات مهاجرة، وتعاطفهم مع قضية شعب التاتر الغجري الذي يتعرّض للإبادة المنظّمة، بواسطة إعقام النساء واقتلاع ذاكرة الرجال ومصادرة الأطفال للتبنّي من قبل عائلات غنية. وهو ما يقوم به النظام العميق الذي تتواطأ فيه الأجهزة الأمنية والقضائية والطبّية في عملية الإبادة.

 

شخوص سويّة

ولعلّ ما يميّز شخوص هذا الجزء عن نظائرهم في الجزء الأوّل هو أنّهم أسوياء، بمعظمهم، ومنحازون للقضايا العادلة، ويدفعون ثمن هذا الانحياز؛ فآدم ابن مهاجر لبناني أودى به انحيازه إلى المهمّشين ودفاعه عنهم، يسير في خطى أبيه، ويضع قضية الغجري الباحث عن أسرته على بساط البحث من جديد، ويتقصّى مع الآخرين مصير الأسرة المختفية. وماري ابنة أخ المختفية أسرته تحمل قضية قومها، وتشارك بدورها في عملية التقصّي، وتعود في نهاية الرواية إلى حياة الترحّل. ومجدي مهاجر مصري قبطي يقرأ المستقبل ويستطلع الغيب، وينحاز للغجر والمهاجرين، ويسقط ضحية مكيدة دبّرت له، باعتباره مهاجرًا، فيُعتقَل ويموت في السجن. والبروفيسور روني دير سكوغ يتحدّر من جدٍّ يهودي نجا من المحرقة بأعجوبة، يتطوّع للبحث عن حقيقة الإبادة الغجرية، ويحبط ترحيل أسرة فلسطينية مهاجرة، بعد خمس سنوات من إقامتها في مخيّم لجوء، ويرفض دعاوى الصهيونية الباطلة في فلسطين، ويتصل بموردخاي فعنونو الذي سرّب معلومات عن مفاعل ديمونا النووي واعتقل بنتيجة ذلك، ويدفع ثمن مواقفه المناهضة للنظام العميق. وسيغفريد، رسّامة شواهد القبور، تحتفظ بفيلم يوثّق الارتكابات بحقّ المهاجرين، وتشاهده في شقتها مع آدم. وأصلان المهاجر البوسني الذي قُتِلت أسرته في مجزرة سيربينتشيا يتصل بعلاقة صداقة مع البروفيسور وينحاز للقضية. وصديقته لينا تشهد في طفولتها على مأساة عائلة يهودية قُتِل ربّاها بعد مصادرة أولادهما. وحده توم رسّام الأوشام يحمل ذكريات قاسية، فهو لا يعرف والديه، يهرب من دار رعاية، يتشرّد، يتعالق مع اللصوص والعاهرات وشذّاذ الآفاق، وتنقذه وسامته حين يقترن بزبونة غنية ويرث ثروتها. وعلى الرّغم من سويّة هؤلاء الشخوص، فإنّ جهودهم في جلاء حقيقة ما حصل للأسرة الغجرية وتقصّي مصير أفرادها تبوء بالفشل.

 

اللعنة

في الجزء الثالث من الكتاب المعنون بـ"اللعنة"، يطرح مردان سؤال العلم التجريبي وتطبيقاته المرعبة، ويرصد التحوّلات الناجمة عن الذكاء الاصطناعي والاستساخ البشري، ويرسم صورة كابوسية للتقدّم العلمي حين يتحلّل من الضوابط الإنسانية والأخلاقية، فيتحوّل إلى وحش يلتهم الضحايا، وفي مقدّمتهم العلماء. من هنا، تتراوح الأمكنة الروائية في هذا الجزء بين المصحّة التي تتولّى إعقام النساء ومحو ذاكرة الرجال ومصادرة الأطفال والاتجار بهم أو استخدامهم حقولًا للتجارب العلمية، ومعهد التصنيف الجيني الذي يقوم بتصنيع نماذج بشرية بمواصفات معيّنة، والمختبرات العلمية التي تجري فيها التجارب، وغرف العمليات التي تشطر الأمومة، والسجن الحافل بالكائنات المخلّقة الغريبة، وغيرها. على أنّ ما يميّز هذا الجزء عن الجزءين الآخرين هو الأحداث الجارية فيه تندرج في إطار الخيال العلمي، بصيغته الأبوكالبسية، وتنخرط فيها شخوص بشريّة وأخرى مستنسخة، وتحفل بالغرائب المخيفة. ونذكر، في هذا السياق، انشطار شقة إلى نصفين وسقوط الموجودين فيها. هبوط كائنات مضيئة من الأعلى لانتشالهم. سقوط كتل ترابية محدثة أصواتًا مرعبة. تحلّل الكائنات الأميبية على مرأى من الشخوص البشرية. تفكّك مخلوقات هلامية وتقمّصها أجسادًا بشرية. تحرّك قطع الغيار البشرية. طيران أشباح أنصاف رجال واصطيادها. انهيار سياج جثث المنيكانات المفكّكة الأوصال. وتبلغ الغرائبية الذروة، في نهاية هذا الجزء، حين تتحوّل كتل الغبار البركاني المتساقطة بعض الشخوص "قبل أن تستقرّ على الأرض قبورًا موصولة بقبور" (ص 356)، ما يجعلنا نشاهد فيلم رعب نروجي طويل

 

بشر ومستنسخون

هذه الأحداث، على غرابتها وكابوسيّتها، تنخرط فيها فئتان من الشخوص؛ الأولى بشرية، من موقع الضحية التي تقع تحت وطأة التقدّم العلمي، وتنفعل بالأحداث سلبيًّا. الثانية مستنسخة، من موقع الجلّاد المتحكّم بالتقدّم العلمي والفاعل في الأحداث، إلى حدٍّ كبير، غير أنّ ذهاب هذه الفئة في لعبتها العلمية إلى حدودها القصوى يجعل السحر ينقلب على الساحر، وتتحوّل بدورها إلى ضحية ما اقترفت أيديها. يندرج، في الأولى، كايد المهاجر الفلسطيني الذي يعاني من اضطرابات سلوكية، تجعله ينهض من نومه مسرنمًا، ويتحدّث بلغة غريبة، ويضرب رأسه بجماع كفّيه، وينخرط في بكاء بلا دموع. داغ الصحافي الساخر، الباحث عن الغريب المثير من الأخبار، والرافض للتجارب الجينية. أرثور العسكري المطرود من الخدمة بسبب عدم انضباطه، والمتلقّي إشارات عبر الأثير يترجمها إلى لغة المورس المندثرة، ما يودي به إلى مصحّة غوستاد، ذات الأنشطة المشبوهة. آرلينغ العالم الجيولوجي الذي أوصلته نظرياته عن لعنة إيسلاند والأرواح إلى المصحّة نفسها. ويندرج، في الفئة الثانية، الدكتور ساترا مسؤول قسم النفاية البشرية في معهد التصنيف الجيني. كاترين مساعدة كايد المستنسخة بجمالها الخالص، وذكائها البسيط، وتفاعلها الجنسي البارد. الدكتور يوسف منغيلا الذي يجري عمليات تنظيف الذاكرة، ويمارس التعذيب في عمليات التجميل، ويحوّل الأطفال إلى حقول لتجاربه العلمية، ويساعد هتلر في تنفيذ فكرة "بيوت التعشير" لتحسين النسل. يوهان شارفينبيرغ الشاذّ جنسيًّا الذي يجري عمليات فاشلة لشطر الأمومة. إيفا جوستين العضوة في المنظّمة النازية التي تساعد الدكتور يوسف، وتلد طفلة مسخًا تتخلّى عنها، حتى إذا ما التحقت بها في جنوب أفريقيا تجد الكثيرات من المستنسخات اللواتي يشبهنها، فتكون بمثابة الأمّ التي لم تلدهن. والمفارق أنّ هؤلاء المستنسخون حين يتحلّلون يتركون خلفهم الكثير من أشباههم والنظائر

 

وبعد، "ثلاثية أوسلو" ثلاث روايات في كتاب واحد. تفرد مساحات واسعة للبوليسية والواقعية السحرية والخيال العلمي والواقعية، وتعرّي الأعطاب التي تعاني منها المجتمعات الأوروبية، في نسختها النروجية. وتعكس سعة خيال الكاتب، وتنوّع ثقافته، وطول نفسه السردي، وتحتاج إلى جهد واضح في قراءتها والخروج منها بما يفيد ويمتع.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث