يحتاج المرء إلى أوقات إضافية كي يتابع الحرب، فهي ما أن تتوقف في مكان حتى اشتعلت، من جديد، في ناحية أخرى. سببها واحد، لكنها تندلع حسب رغبة ومصالح الطرف الذي يتحكم بها. منذ أن ولدت إسرائيل في منطقتنا ونحن في حرب دائمة، تتلون بأشكال مختلفة، لكنها لا تنزع جلدها المرقط، ولا ترفع يدها عن الزناد.
هي تتقدم ونحن نتراجع، وكلما حاولنا رفع رؤوسنا لتنشق الأوكسجين، أو تأمل السماء أغارت علينا. تأتي مرة من الجنوب، وأخرى من الشمال، وكلما حسبنا أنها ستهجم من هذه الجهة باغتتنا من مطرح آخر. تتنقل مثل قافلة من الغجر الذين لا يعرفون طعم الهدوء والاستقرار في مكان واحد، يحزمون أغراضهم كلما سمعوا صوت الموسيقى.
تضرب بلا حساب لحدود أو قيود، لا تحترم قانونا دوليا، أو أمم متحدة، ولا تحسب حسابا للحدود والسيادة. كل ذلك لا يعنيها. لها قانونها الخاص، الذي صار ساريا على الجميع، تصادر ما ليس لها، وتحتل أراضي الآخرين، وفي كل مناسبة تجد حجة ملفقة تبرر فيها لنفسها أفعالها.
كلما قرّرت أن تقلب الطاولة، بات علينا أن نترك كل شيء ونتفرغ لمتابعتها. صار بمثابة الفرض على الجميع حضور المناسبة، كما لو أنها طقس إجباري. يجلس الناس حول أجهزة الراديو والتلفزيون في انتباه شديد، كأنهم في مجلس عزاء. لا يفلت أحد من أداء هذا الواجب.
يحتاج المتابع إلى أكثر من 24 ساعة لمتابعة الرئيس الأميركي دونالد ترامب دون سواه، وأقل بقليل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وكذلك الأعداء على الجبهات الأخرى. تصريح وراء آخر، الثاني يمحو الأول، ويقدم معطيات متناقضة، كلام الليل غير كلام النهار، ونهاية الأسبوع مختلفة عن بقية أيام الأسبوع. وما يصدر من داخل الطائرة الرئاسية، وهي تحلق في الفضاء، غير ذلك الذي يخرج من البيت الأبيض، أو المنتجع الرئاسي. وتختلف اللهجة من شاشة لأخرى، ما بين مذيع ومذيعة. تبدو الحرب وكأنها تدار بمزاج رجل الأعمال الذي يتابع نشاط أسهمه في البورصة، تعلو وتهبط معنوياته حسب حركة سلم الأسهم. وهذا غير بعيد عن مقاربات ترامب رجل الصفقات وتاجر العقارات الدولي، الذي ينشغل تفكيره بتجارته الخاصة، أكثر من شؤون وظيفته كرئيس لأكبر قوة كونية، خاصة حينما تدخل الحرب.
بين جولة وأخرى يخطر للمرء أنه سيرتاح قليلا من ترامب ونتنياهو وجيش المحللين العرب، لكن عبثاً، كأن جانباً من وظائف هؤلاء إقلاقك شخصياً، منعك من النوم وتناول طعامك بلا غصة وإطفاء التلفزيون والخروج من المنزل في جولات ربيعية من أجل الترويح عن النفس والأطفال الذين هتكت مشاهد الحرب طفولتهم وقتلت براءتهم، لقد أصيب البعض منهم بالرهاب من جراء صور القنابل التي سقطت على المدن، تعبوا من الحبس في البيوت، بلا مدارس، على وقع زمامير الإنذارات حول الصواريخ والطائرات المسيرة الآتية من جميع الجهات، والعابرة في الأجواء، أو تتفجر في ليالي المدن كأنها ألعاب نارية في ليلة رأس السنة أو عيد الاستقلال.
في مقطع مصور تصرخ سيدة بغضب، موجهة كلامها لجميع أطراف الحرب. تشهر تعبها من هذه الدوامة التي لا تتوقف على مدار العام، تطالب بصوت عال أن تتوقف تجارة الحرب، لأن لدى الناس ما يفعلون غير الخوف على حياتهم من الصواريخ، يريدون أن يعيشوا نهارهم وليلهم، أن يذهبوا لأعمالهم من دون خوف، ويمضوا أوقاتا حميمة بين أهلهم وأحبابهم، أن يذهبوا للمطاعم وصالات المسرح والسينما، ويسافروا في إجازات الى الخارج، وألا ترتفع أسعار الوقود والغاز والخضار والفواكه.
لا يريد أحد أن يضحي بشيء بعد الآن بسبب مزاجيات ترامب وجنون نتنياهو. حياة سكان الكوكب، ليست رهن مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، التي لا تنفد شهيتها للحروب والقتل واحتلال أراضي الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين. العالم ليس أعمى، إنه يرى كل ما يحصل بعيون مفتوحة، ولم تعد تنطلي عليه بروباغندا إسرائيل وأميركا. وقد ضجر من متابعة المسرحية على تلفزيون الواقع، وأصابه قرف من إفراط الولايات المتحدة بتدليل إسرائيل ومدها بالأسلحة والأموال لقتل الآخرين.
مع اندلاع كل حرب ترتفع الأسعار في العالم، ويصيب ذلك الغرب كما الشرق، الدول القريبة من النيران وتلك البعيدة عنها، وينزل ذلك على البشرية كأنه عقاب جماعي، ومنذ الحرب على غزة عام 2023 تضاعفت الأسعار عدة مرات من دون أن تتدخل الحكومات لرفع الكلفة الإضافية عن كاهل المواطن العادي الذي لا دور له في تفجر النزاعات الدولية. وصار هناك ما يشبه القاعدة الثابتة، أميركا وإسرائيل تخوضان الحروب وشعوب العالم تدفع التكاليف. وعلى هذا المنوال تسير المعادلة، ولذلك لا تجد حروب أميركا من يصفق لها.




