"الجانب الآخر للشمس".. الجانب المظلم للذاكرة

محمد صبحي الأحد 2026/04/26
Image-1777168681
لا يهدف صابوني إلى إعادة فتح أحداث الماضي، بل إلى إظهار ما حاول العنف الممنهج طمسه
حجم الخط
مشاركة عبر

عُرض الفيلم الوثائقي السوري "الجانب الآخر للشمس" للمخرج توفيق صابوني ضمن قسم "بانوراما" في الدورة الـ76 لـ مهرجان برلين السينمائي الدولي (برليناله)، وحصل على المركز الثاني في تصويت الجمهور بمسابقة "وثائقيات البانوراما". وثائقي مؤثر يُجسّد صدمة جماعية عبر شهادات شخصية. بعد فترة وجيزة من سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، يعود المخرج السوري توفيق صابوني إلى سجن صيدنايا، حيث احتُجز قبل سنوات.


لا يهدف صابوني إلى إعادة فتح أحداث الماضي، بل إلى إظهار ما حاول العنف الممنهج طمسه. يدعو المخرج أربعة سجناء سابقين نجوا من صيدنايا للانضمام إليه في هذه الرحلة. برفقة المخرج، يعود الخمسة إلى المكان الذي تعرّضوا فيه للتعذيب والاحتجاز في ظروف لا إنسانية لسنوات، لمواجهة ماضيهم.

Image-1777168786


في هذا الفيلم المصُوّر داخل السجن، يُعيد الخمسة تمثيل طقوسهم اليومية ولحظات نجاتهم من سنوات مضت. تصبح هذه المشاهد أداة سردية مؤثرة تجسّد تجارب تعجز الكلمات عن وصفها. يسعى الفيلم إلى تسليط الضوء ليس فقط على شهادات هؤلاء الأفراد الخمسة، بل أيضاً على صمت آلاف الذين فقدوا أرواحهم في سجن صيدنايا، ممن لا تزال عائلاتهم تبحث عن إجابات. في ذلك، يشبه عمل صابوني ما فعله رائد أنضوني في فيلم "اصطياد أشباح" (2017)، حيث اعتمد المخرج الفلسطيني أسلوب "الدراما الوثائقية"، وجمع أسرى سابقين (من بينهم ممثلون ومختصون في الديكور) لإعادة بناء غرف تحقيق وزنازين سجن المسكوبية بالقدس كما يتذكّرونها، ومن ثمّ تمثيل تجاربهم الشخصية داخل تلك الجدران.


ذاكرة مكان
يبدأ الفيلم بمشهد نعاين فيه بناء ماكيت معماري. للوهلة الأولى، يبدو نموذجاً معمارياً عادياً، لكن بعد دقائق قليلة يكتسب معنى مختلفاً تماماً. فالنموذج الذي نشاهده يُمثل في الواقع سجن صيدنايا.
يشكّل هذا المشهد الافتتاحي نقطة انطلاق قوية تلفت الانتباه إلى العلاقة بين مكان وذاكرة. نهجٌ مماثل ظهر في فيلم "يو (الحب طائر متمرد)" لآنا فيتش وبانكر وايت، الفائز بجائزة الدبّ الفضي للمساهمة الفنية المتميزة في "برليناله". في ذلك الفيلم أيضاً، يصبح النموذج لبنة أساسية في السرد، مُبرزاً الدور الحاسم للمكان في الذاكرة. مع فيلم "الجانب الآخر من الشمس"، نرى مرة أخرى مدى قوة هذه الفكرة كأداة سردية في السينما الوثائقية.

Image-1777168885


بالنسبة لصابوني والسجناء السابقين الآخرين، فالعودة إلى هذا المكان ليست مجرد زيارة مادية، بل رحلة إلى أحلك زوايا ذاكرتهم. تتجمّع الدموع في أعينهم أثناء ترجّلهم من السيارة، ووجوههم تحمل آثار مواجهة مخيفة وقاسية. منذ الدقائق الأولى للفيلم، يشعر المشاهد بأن تجربة مشاهدة صعبة تنتظره. لا تستخدم كاميرا صابوني الموقع كمجرّد خلفية، بل شاهداً بحدّ ذاته.


شهادات وعبء التذكر
مع تقدّم الوثائقي، تنتقل الكاميرا مع السجناء السابقين نحو زنازين معزولة اُحتجزوا فيها سابقاً. هذه المساحات الضيقة، شبه المعتمة، لا تزال تحمل آثار سنوات من العزلة والعنف. يتساءل أحدهم: "ماذا فعلنا لنُرمى في هذه الزنازين؟".
ومع تقدّم السرد، يعود الماضي إلى الحياة وكأنه يعيش نفسه من جديد. ينفعل أحد السجناء بينما يستعيد التعذيب الذي تعرّض له؛ وكأن الأحداث وقعت قبل أيام فقط. في لحظة ما، يلاحظون شعاعاً خافتاً من الضوء يتسلّل إلى الزنزانة. في تلك اللحظة، يطفئ الجميع أضواء هواتفهم. تلتقط الكاميرا ذلك الشعاع الرقيق من الضوء المنبعث من الظلام. بالنسبة لمَن عاشوا في الظلام لسنوات، يصبح هذا الشعاع رمزاً للبقاء.

في جزء آخر من السجن، يعثرون على بعض الوثائق على طاولة. يعمّ صمتٌ حين يدركون أنها ملفّات تخصّ سجناء محكوم عليهم بالإعدام. يبدأون بقراءة الأسماء واحداً تلو الآخر. يصاحب صوت صابوني الفيلم طوال هذه المَشاهد. يصف المحكمة التي اقتيد إليها معصوب العينين. لم تستغرق المحاكمة سوى عشر ثوانٍ. السؤال الوحيد الذي وُجّه إليه هو اسمه. مُنع من الكلام أو الدفاع عن نفسه، بل مُنع حتى من معرفة التهمة الموجّهة إليه. في لحظة ما، عندما تُزال عصابة عينيه، يقول إنه يرى وجهه في المرآة لأول مرة منذ شهور.
 

هشاشة البقاء إنساناً
تُظهر القصص التي يرويها الوثائقي أن حياة السجن لا تسبب دماراً جسدياً فحسب، بل تبعات نفسية عميقة. يصف السجناء كيف أنهم لم يجرؤوا حتّى على النظر إلى الحرّاس. مثلاً، لا يزال الخوف الذي انتابهم عندما سمعوا أن أحد الحرّاس قد فقأ عيناً لأحد زملائهم حاضراً في ذاكرتهم. حتّى أبسط ضروريات الحياة اليومية أصبحت ترفاً هنا. يقولون إنه عندما يُؤخذون للاستحمام، لا يجرؤ أحد على استخدام الصابون؛ لكنهم يصفون الفرحة العارمة لمَن يتمكّن من إيجاده. أحد السجناء، مستذكراً إرساله إلى الحمّام ذات يوم وإعطائه الصابون، يبدأ بالبكاء وهو يروي تلك اللحظة التي دامت من 15 إلى 20 دقيقة: "للمرة الأولى منذ زمن طويل، شعرنا أننا نُعامل كبشر".

إحدى أكثر قصص الفيلم تأثيراً يختزنها لقاء غريب ومؤلم بين أمّ وابنها المعتقل. عندما سُمح لهما أخيراً برؤية بعضهما البعض بعد سنوات عديدة، لم تتعرّف الأمّ على الشخص الذي أمامها. يبدأ الشابّ بإخبار أمّه عن هويته، ويذكر أسماء إخوته. عندما تدرك الأمّ أن الشخص الذي أمامها هو ابنها بالفعل، يُغمى عليها.

في نهاية الوثائقي، يتحدّثون عن ماضيهم خارج السجن. قصص حبّ قديمة، وحيوات لم تكتمل، وآمال لم تتحقق. يقول أحدهم إنه بعد إطلاق سراحه، صار منبوذاً. ويروي آخر كيف قُصفت منطقته عندما ذهب للبحث عن حبيبته. تبدو جملة قيلت في نهاية الفيلم وكأنها تلخّص روحه: "في السجن، كان الجميع يُخفي دموعه عن بعضهم البعض. لكننا كنّا نعلم أن الجميع يبكي سرّاً".
 

Image-1777169006

لكن الفيلم لا ينتهي عند هذا الحدّ. رسالة ختامية قصيرة تُذكّرنا بأن القصص المروية جزء من مأساة جماعية وشخصية في آنٍ. يُهدي صابوني الفيلم إلى ذكرى صديقيه باسل وزاهر طبّاخ، وإلى ذكرى أكثر من 177 ألف شخص اختفوا في سجون نظام الأسد. لا توثّق كاميرا صابوني فتح بوابة سجن فحسب، بل أيضاً عودة ذكرى مكبوتة لسنوات إلى الظهور. عرض فيلم يوثق ماضياً مؤلماً كهذا في مهرجان دولي مرموق كـ"برلين" يضفي عليه دلالة خاصة. فهذه الأفلام ليست مجرد أعمال سينمائية، بل شهادات تُبقي الذاكرة حيّة. ومن الأهمية بمكان أن تستمر هذه القصص في الظهور حتى لا تُنسى معاناة ناس وأحداث "راحوا في الرجلين".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث