في هذه الصورة من مكتبتي التي كانت تضم أكثر من 8 آلاف كتاب ودمرها الجيش الإسرائيلي مع بيوت مدينتي بنت جبيل، يبدو كتاب الصديق عباس بيضون "صور". هذه هي النسخة الأولى من "صور" الذي كتبه عباس بيضون قبل "الوقت بجرعات كبيرة" لكنه، أي "الوقت بجرعات كبيرة"، كان أول كتبه المنشورة (هذه واحدة من غرائب ومصادفات الصديق عباس بيضون).
"صور"، لمن لا يعرفه، كتاب شعري عبارة عن قصيدة واحدة مطولة، وهو من أجمل كتب عباس (مع "الوقت بجرعات كبيرة" و"نقد الألم" و"مدافن زجاجية" و"حجرات") بحسب ذائقتي. لكن "صور" كتاب يختلف عن كل نتاج عباس الشعري اللاحق. فيه نرى الصوت الإنشادي العالي (القريب من تي إس إليوت في "الأرض الخراب" وسان جون بيرس في "منارات". وأعتذر من عباس عن هذه المقارنة القاصرة لأن أي مقارنة هي قاصرة بطبيعة الحال). لاحقاً انخفض الصوت العالي في قصائد عباس الذي صارت له جملته الشعرية التي لا تشبه سواه والتي سار خلفها شعراء كثيرون ممن جاءوا بعده.
إلى سنوات طويلة، كنت أردد مطلع قصيدة "صور" التي أجدها من أجمل مطالع القصائد في الشعر العربي الحديث:
"من أنا حتى أقف بين المنشدين
صانعي النعال الذين جاؤوا على خيول هزيلة من الوعر
الحطابين…
صبيان الفرّانين الذين أشعلوا في الأحياء المستديرة
أكياس القش والخيش وحشرات الجدران
الفلاحين الذين حملوا نساءهم وأطفالهم
على أكتاف الحمير المسنّة..."
تجدر الإشارة إلى أن عباس بيضون هو من بنت جبيل التي اشتهرت بصناعة الأحذية كما يلمح النص الشعري، لكن عباس عاش فترة ليست بالقصيرة في صور. وكتابه الشعري هذا هو نتيجة لهذا التماس الحي والمباشر مع المدينة.
وهذا مقطع جميل آخر من "صور":
"كنتِ جزيرة وحصناً
وخاناً للمسافرين
لا يتسعُ نهاركِ للبناء
ولا يكفي ليلكِ للأحلام
لم تكن نجومكِ كبيرة
ولا قمركِ لامعاً
لذا كان بحارتكِ
يسقطون على السلالم
وجنودكِ
يجفّون في الأبراج".
هذا المقطع الأخير نفسه الذي أثار حفيظة سعيد عقل ذات مرة، معترضاً بصوته الأجش حين قال: "عملت صور خان يا عباس؟". بالطبع، سعيد عقل كان يصدر من ذائقة شعرية تنتمي إلى جماليات عصر النحت والرسم (وهذا مبحث آخر) ومن تصور "فينيقي" يرى في صور مدينة خرجت منها الحروف الأبجدية (زينون الصوري) ورمزاً لمقاومة أشهر قائد عسكري في تاريخ الحروب: إسكندر المقدوني.
ومن نافل القول، أن صور كانت دوماً مدينة عصية على الغزاة. في نهاية القرن التاسع وخلال حكم الدولة العباسية، اي تحديداً في فترة عصر الدويلات التي نشأت على أطراف الدولة العباسية، كان الفاطميون (الدولة الفاطمية) يسيطرون على الساحل السوري ومن ضمنه صور. كان ثمة بحار فقير يدعى علاقة (بالشدة على اللام) مقدام جمع حوله بحارة صور وطرد الحامية الفاطمية من المدينة وأنشأ إمارة وصكّ النقود كاتباً عليها "عزّ بعد فاقة/ الأمير علّاقة". وصل الأمر إلى الحاكم بأمر الله في القاهرة (مركز الدولة الفاطمية آنذاك) فأرسل جيشاً قبض على البحار علّاقة الذي قُتل وسُلخ جلدُه وحشي تبناً.
كما لاحظتم، هذا كلام بدأ بالشعر وانتهى بمكان آخر. هذا كلام يعكس الآن ذاكرة شخص متشظية بعد احتراق مكتبته وتدمير مدينته والاعتصام بخشبة خلاص تدعى الشعر.
(*) عن فايسبوك




