ترك الشاعر أديب صعب(1945- 2026) كتابه "مرسى النور" على الطاولة والتحق بالنور. أمضى عمره بالكتابة والتعليم والعبور إلى الاخرين. في بدايته في كتابة الشعر كان من المفضلين لدى الشاعر الكبير خليل حاوي وخصوصاً في مزجه الشعر بالفلسفة على شكل متين. وكان من المفضلين ايضا لدى غسان تويني في الصحافة. وتابع في الصحافة حتى ترأس تحرير مجلة" الأزمنة" وشارك في رئاسة تحرير مجلة "المختار".
أديب صعب أكاديمي وشاعر وفيلسوف. ولد في بيروت عام 1945 وتلقى تعليمه في مدرسة الراعي الصالح. هو ابن أمير الشعر الزجلي وليم صعب. حاز الاجازة في الأدب العربي من الجامعة الاميركية في بيروت عام 1967 وكذلك دبلوم في التربية والتعليم وماجستير في الفلسفة عام 1969. وتابع في جامعة لندن حيث نال الدكتوراه في الفلسفة عام 1982. درس الفلسفة في الجامعة الاميركية في بيروت وجامعة البلمند. له خمسة كتب متكاملة في فلسفة الدين. وهي "الدين والمجتمع نظرية مستقبلية" 1986 و"الاديان الحية"1993 و"المقدمة في فلسفة الدين" 1994 و"وحدة في التنوع محاور وحوارات في الفكر الديني" 2003 و"دراسات نقدية في فلسفة الدين" 2015 و"هموم حضارية في الثقافة والسياسة والنهضة المنشودة" 2006.
طرح في كتبه مسائل إشكالية مثل تعليم الدين في المدرسة بإثارة قضاياه التاريخية والفلسفية ومنها الدراسة العلمية التاريخية للأديان في العالم وتحليل المفاهيم الكبرى. خلف أديب صعب نظاما فكريا من ابداعه وابداع المدارس الفكرية والكتب الغربية. ترك أديب صعب عدة دواوين شعرية نذكر منها: "قيثارة الاشياء" 1961 و"أجراس اليوم الثالث" ومملكتي ليست من هذا العالم" 1981 و"حيث ينبع الكلام" 2019 و"الوجه الاخر للكون" مختارات شعرية بالألمانية. اما اخر أعماله الشعرية فكانت "مرسى النور" 2024. وتوج مسيرته بوسام القديسين بطرس بولس من درجة فارس. شعره مجاور للفلسفة والفكر وفيه ذلك البعد النهضوي المشرقي بتأثير من فكر انطون سعادة. وهناك تنويع في بنية قصائده، وهناك العمق الفلسفي الحضاري. وتجتمع في قصائده العناصر المسرحية والتأملية والملحمية والغنائية. انتمى في قصيدته إلى المكان وكتب غير مرة: "أنا صديق أم عدو/بل أنا هذا وذاك/ أنا سؤال أم جواب/ بل أنا هذا وذاك/ أنا لست من جسد ولكني كيان/ أنا ساكن جسد الأماكن/ بل أنا روح المكان/".
أديب صعب الشاعر يمزج الجمالية والعمق والبعد الحضاري في القصيدة. سنفتقد للصديق أديب صعب، للهفته وجديته وتفانيه وتشديده على جمر الصدق. كان قصيدته الاخيرة في كتابه "مرسى النور" تروي عنه الكثير، وتروي عن حواره مع الشعر ومع المطلق.
"هناك عند النهر
مردداً صدى الغصون الوالهة/ صرت كليم الآلهة/ صار كليمي الشعر".




