"دوائر ورواة" لبشرى خليلي: حركة العمال العرب

شادي لويسالسبت 2026/04/25
Image-1777098315
تركز خليلي على الجانب الوثائقي الصارم والتقليدي والمتقشف جمالياً
حجم الخط
مشاركة عبر

في العام 1971، قتل جلالي بن علي، المهاجر الجزائري البالغ من العمر 15 عاماً، رمياً بالرصاص على يد حارس العقار حيث يسكن في حي غوت دور بباريس. وعلى أثر تلك الحادثة ذات الخلفيات العنصرية، تشكلت "لجنة جلالي" من عدد من المثقفين الفرنسيين وأعضاء من الجالية العربية، ودعت "حركة مناهضة العنصرية والصداقة بين الشعوب" إلى التظاهر تحت شعار "العنصرية تقتل". ما بقي من ذاكرة الحراك هو صور التظاهرات الضخمة ومشاركة كبار المثقفين الفرنسيين فيها، من بينهم جان بول سارتر وميشيل فوكو وجان جينيه.

 

في معرض "دوائر ورواة" المقام حالياً في غاليري "موزييك روومز" اللندني، والمستمر حتى منتصف حزيران2026، تقدم الفنانة المغربية الفرنسية، بشري خليلي، عملين مترابطين هما: "مشروع الدائرة"(2023) و"راوي القصص العام"(2024)، وهما يقدمان خلاصة رحلتها البحثية الطويلة التي استمرت حوالى عقد من الزمان، ليكشفا عن الجانب المنسي، والذي لم يحظ بالاهتمام الكافي، من الحراك السياسي والثقافي الذي انخرط فيه المهاجرون العرب في فرنسا على خلفية تلك الوقائع.

Image-1777098388

عبر عدد من أعمال الفيديو، وكولاج الصور الفوتوغرافية والنصوص والتسلسل التاريخي والتسجيلات الأرشيفية والمطبوعات واللقاءات مع باحثين والحكي المسجل ومقاطع من عروض مسرحية وقراءات شعرية، يؤرخ المعرض لحركة "العمال العرب" التي تأسست في العام 1972، إضافة إلى فرقتيها المسرحيتين، "العاصفة" و"الحلقة"، وهما مجموعتان من العمال المغاربيين غير النظاميين نشطتا بين العامين 1973 و1977، استخدمتا العروض المسرحية في الميادين العامة وحلقات الحكي بصورتها التقليدية على خشبة المسرح، كأدوات للتحفيز السياسي وتحقيق العدالة الاجتماعية وبناء الروابط بين جاليات المهاجرين وبين المجتمع الأوسع.

Image-1777108774

كما في معظم أعمالها، تركز خليلي على الجانب الوثائقي الصارم والتقليدي والمتقشف جمالياً، بحيث يبدو وكأنها تتعمّد ركاكة فنية تصبو إلى عدم تشتيت انتباه المتلقي بعيداً من أبطال موضوعاتها. وفي هذا السياق تحاول أن تستعيد أصداء أصواتهم المنسية من الحاضر، سواء عبر استحضار الذاكرة الأرشيفية للماضي، أو إعادة تركيبها عبر الوسائط الفنية، أو الإثنين معاً. المادة التاريخية التي يتعامل معها المعرض شديدة السخاء، بتراكبات للسياسي والفني لا تحتاج إلى تأكيد، ونحن نشاهد أعضاء فرقتي "العاصفة" و"الحلقة" يؤدون مشاهد مسرحية في مكان عام أو يلقون الشعر، ونرى مقاطع مسجلة لأفراد من الجاليات المغاربية بثيابهم التقليدية وهم يسيرون في الشوارع الفرنسية، في استعراض مادي لهوياتهم ومقاومة محوها أو طمسها في الحيز العام.

Image-1777108822

تجاوز نشاط "حركة العمال العرب" المراوحة بين النشاطية السياسية والممارسة المسرحية. ففي خضم إضراب عن الطعام انخرط فيه عشرات العمال التونسيين غير النظاميين داخل كنيسة في باريس، من أجل الحصول على تصريحات للعمل، وقع الاختيار على أحد أعضاء فرقة "العاصفة" وهو شاب تونسي يبلغ من العمر 18 عاماً كان من بين المضربين عن الطعام، ليكون مرشحاً في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، مستخدماً الاسم المستعار "جلالي كمال". كانت الحملة الرئاسية تلك استعراضاً عاماً يسلط الضوء على حرمان المهاجرين من حقوقهم المدنية وقدرتهم على تقرير مصيرهم، وكانت نتيجتها إصدار وزير العمل الفرنسي قراراً بتقنين أوضاع 35 ألف عامل مهاجر.

Image-1777109015

في عمل الفيديو "الراوي"، تقوم خليلي بتصوير حلقة، على نمط الممارسة التقليدية لسرد القصص في المغرب. وفي تلك الحلقة يحكي أحد رواة القصص في مراكش عن حملة جلالي الانتخابية. بشكل ضمني، تغلق خليلي الدائرة لتربط بين الشتات وشمال أفريقيا، وبين الماضي والحاضر، لتجسّر فجوة من النسيان والتجاهل عمرها خمسة عقود بين مطلع السبعينيات وزمننا.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث