جدّي سيتحسّر على بعلبك التي عرفها

محمد شرفالجمعة 2026/04/24
Image-1777014298
لو افترضنا أن جدي، القائم من بين الأموات، شاء التنقل في المدينة، فلن يتلقى التحيات
حجم الخط
مشاركة عبر

قبل أن يغادر دنيانا، قضى جدّي ردحاً من الزمن مسمّراً على سرير، بعدما عانى أمراض الكهولة، في الغرفة التي أُفردت له ولجدّتي، الواقعة في نهاية الممر الذي يشق بيتنا نصفين. المخطط الهندسي للمنزل هو أقرب إلى تخطيط مستشفى، بحيث تتوزع الغرف على الجهتين اليمنى واليسرى من "الكوريدور" الطويل نسبياً. لو عاد الأمر إلي، لقمت بخيارات أخرى، لكن هذا الأمر كان مستحيلاً، إذ بُنيت الطبقة الثانية من المبنى، فوق بيتنا القديم، حين كان لي من العمر عشر سنوات، أو أكثر قليلاً. أما رائحة الباطون والدهان، العائدة إلى ذاك الزمن، فقد ترسخت في أنفي كذكرى بيولوجية، تراودني كلّما شمَمت رائحة مماثلة، حتى في أيامنا الحاضرة.


قدم جدي وأخوه إلى بعلبك في أربعينات القرن الماضي من قرية حدث بعلبك، الواقعة على السفح الغربي لسهل البقاع، على مسافة قريبة من "مدينة الشمس". يعود سبب الانتقال، كما أخمّن (وهو أمر لم يطلعني أحدٌ عليه ً يوماً سوى تلميحاً)، إلى خلاف مع إحدى العشائر، التي لم يخَفها جدي المعروف بشجاعته، لكنه تلّقى على أثر هذا الخلاف، أو خلاله، ضربة قويّة على ظهره أدّت إلى أضرار فيزيولوجية، منعته من إنجاب أطفال آخرين، عدا والدي، ابنه الوحيد. 

 

هكذا، عاش والدي مدللاً، ولم يكتسب مهارات يدوية كأبيه، الذي كان يعمل حدّاداً عربياً في القرية، بالتعاون مع أخيه. لم يُحسن والدي سوى استعمال القلم والكتابة ومعرفة التاريخ وتدريسه. كما لم يرث هذه المهنة من أبناء أخيه سوى واحد فقط، ليصبح حدّداً "فرنجياً"، بعدما صار منفخ الهواء وجمر الفحم الحجري في المحترف القديم من الماضي. أما أحد أخوته الآخرين، أي ابن عم والدي، الذي لم يذهب إلى الحدادة، بل إلى الريشة واللون، فلم يكن سوى الفنان المعروف الراحل رفيق شرف.


افتتح جدي محل الحدادة في بعلبك بالشراكة مع أخيه. كانا أشبه بتوأم التصق أحدهما بالآخر منذ الولادة. هذه المهنة جعلت من أهالي بعلبك يطلقون على عائلتنا تسمية بيت الحدّاد. طغت التسمية على اسم العائلة الأصلي، بحيث أن الغرباء عن المدينة، أو من لا يعرفنا جيّداً، اعتقدوا أننا فعلاً من عائلة حدّاد، وهي عائلة لبنانية مسيحية معروفة، وذلك بحسب النسب الطائفي، في بلد ازدهرت فيه الطوائف وتصارعت. اشترى الأخَوان قطعة أرض واحدة في "حي الشميش"، غير البعيد من منطقة رأس العين، المعروفة، حالياً، بتضمنها لمجموعة من المتنزهات. وقع الخيار على قطعة أرض محاذية للطريق العام الصاعد طلوعاً، الذي كان ترابياً حينذاك، وصار الآن معبّداً بالزفت ومليئاً بالحفر، تسلكه عشرات السيارت المزمجرة كل يوم.

Image-1777014423

رحل جدي في بداية الحرب الأهلية، وربما لحسن حظه. احتفظت ذاكرته التي غمرها التراب بصور بعلبك القديمة، ذات البيوت الوادعة، قليلة العدد، والطرق الضيقة، منخفضة الضجيج. وكأن رحيله كان إيذاناً بتبدل وجه المدينة على مدى نصف القرن الماضي، بحيث أنه لو عاد إلى الحياة بفعل معجزة، لما تعرّف على الأماكن التي تركها، ولرثى محترفه المشترك مع أخيه، في وسط المدينة، والذي تبدّلت وظائفه غير مرّة، من مخبز إلى محل لبيع الخضار، وصولاً إلى متجر لبيع خرضوات صينية المصدر. 


لا شك أن جدّي سوف يتحسّر على بعلبك التي عرفها، واجتاز طرقها مشياً على قدميه، وهو الذي لم يتصالح مع السيارات ودخانها، وحتى أصواتها، في زمن لم تكن فيه تلك الآليات مزوّدة بكواتم صوت ودخان كالتي نعرفها الآن. شاحنة جارنا أبو أكرم كانت معروفة في المدينة كلّها، بلونها الأحمر وصوت بوقها المعدّل، بحيث أنه كان يُسمع من مسافة مئات الأمتار. وما عدا الحسرة، فلا بد أن ينتاب الندم جدّي على اختياره قطعة الأرض، والبيت المبني عليها لاحقاً، عند تقاطع طرق، وذلك بدلاً من افتخاره، حينذاك، في أربعينات القرن المنصرم، بالزاوية المشرفة على المدينة. 

 

ذاك المشهد صار، جزئياً، من الماضي، بفعل ارتفاع الأبنية الخرسانية المكدّسة كيفما اتفق، من دون حسيب أو رقيب، خصوصاً ذاك البناء المرتفع، المخالف للقانون، الواقع قبالة بيتنا. استغل أصحابه الفوضى القائمة خلال سنوات الحرب كي يقيموا ذاك الصرح المنحوس، المخطط كمركز تجاري، ولم تُستغل منه سوى الطبقتين السفليتين. لم يعمد أحد على الاستثمار في الطبقات الأخرى، لا سيما بعدما تبين عدم جدوى الوظائف المخطط لها، إضافة إلى أن صاحبه "انكسر"، وصار المبنى وقفاً مرهوناً لأحد البنوك. المبنى المهجور منذ لحظة اكتمال بنائه، في نهاية ثمانينات القرن الماضي، تساقط زجاج نوافذه، وتشلّع غلافه الخارجي. صورة عن مدينة وواقع لا يقدم أحد على معالجته، سيراً على المثل القائل: "فالج لا تعالج"، هذا مع انعدام النيّة في الإصلاح من الأساس، رغم كثرة الداعين إليه.


ولو افترضنا أن جدّي، القائم من بين الأموات، شاء التنقّل في المدينة، فلن يتلقّى التحيّات من هذا وذاك من ضمن معارفه الكثر، وهو الذي عُرف بورعه وسيرته الحسنة التي لا تشوبها شائبة، بل سيرى أناساً لا يعرفهم ولا يعرف ذويهم، أتوا من كل حدب وصوب، ينتشرون قرب كيوسكات الإسبرسو (يسمونه إكسبرس)، ويمكن تمييزهم من خلال لهجاتهم، التي ربما يتباهون بها، وهي مختلفة عن لهجة السكان الأصليين. ويحدث ذلك كلّه في مدينة لا تعني لهم شيئاً، تاريخاً ومجتمعاً وذكريات، بقدر ما هي شوارع تجوبها سياراتهم "المفيّمة"، ومحلاّت تجارية، ومقاهٍ تفوح منها رائحة المعسّل، لا يتحدثون فيها عن شيء ذي قيمة، في زمن لم تعد القيم ذات فائدة، سوى لبعض الخليقة اليائسين.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث