الشِّعر والحرب: "كما يُغلق بابٌ عند هبوب الريح"

سوزان المحمودالخميس 2026/04/23
ناديا تويني.jpg
ناديا تويني رصدت ما خلفته آثار الحرب المدمرة على الإنسان اللبناني
حجم الخط
مشاركة عبر

"ماتوا جملةً/أي كلٌّ بمفردِهِ/على مشنقةٍ واحدة/اسمُها أرضُ/عيونهم صلصالٌ أو رمادٌ/تخطفُ الجبل/ رهينة حياة. /فإذا بالليل/الليلُ حتى الصباح/ ثم الموت ثانيةً/ولهاثُهم الأخيرُ يُوْدع في المدى نهاية الكلمة. /أربعُ شموس تحرسُهم كي تمنعَ الزمنَ من اختلاق قصّة. /ماتوا جملةً/من دون أن يتلامسوا/من دون زهرة وراء الأُذن/بدون تعمُّد. /صوتُ هوى: إنه دويُّ النهار على الرّصيف. /هل تظنُّ أن الأرض تعتادُ الدوران؟ /لإيضاح أدق لقد ماتوا جملةً/بإلحاح على الموت/كما يُغلق بابُ عند هبوب الريح/أو كما نبتلع البحر.../إذن/ ماتوا حقاً معاً/أي كلُّ بمفردِه، كما عاشوا".

- الشاعرة اللبنانية ناديا تويني (1935-1983)، "قصائد من أجل قصّة" (1972)، وهي توطئة لمجموعة "محفوظات عاطفية لحرب في لبنان".

Image-1776956976
"محفوظات عاطفية لحرب في لبنان"، من مجموعات الشاعرة الراحلة ناديا تويني

في الصورة التي يُفتتح بها كتاب تويني، بالأبيض والأسود، سيدة بكامل أناقتها وحزنها تقف فوق رقعة على أرضٍ مهشمة أسفلَ درجٍ مُكسّر، وجهها الجميل متعب وحزين، وخلفها واجهة بناء مدمر. بين صورة المرأة الشاعرة الجميلة الأنيقة، والخلفية المهدمة المشوهة، شيء مشترك، الحزن والخيبة. فبينما حدث الانتهاك بشكل مادي على البناء الحجري خارج جسدها، ترك أثره المرير في ملامح وجهها وروحها، لتبدو الصورة وثيقة أكثر منها ذكرى عابرة. فناديا تويني شهدت اجتياح اسرائيل الأول للبنان، كما شهدت الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على الأرض اللبنانية ثم الحرب الأهلية، ورصدت ما خلفته آثارها المدمرة في الإنسان اللبناني. في هذه القصيدة الكثيفة المقتصدة في التعبير، ترصد تويني تأثير الحرب في الفرد من جهة، وفي المجموعة من جهة أخرى. يبدو الموت هنا فعل بسيط صارم، ومباشر يصيب الإنسان دفعةً واحدةً، "كما يُغلق بابٌ عند هبوب الريح"، لا تسمح للزمن باختلاق قصة عنهم، فقد ماتوا من دون أن يتلامسوا، أي من دون أن يشعروا معاً بالموت ومن دون أن يشعر أحدهم بالآخر، فكلٌّ مات بمفرده، وحيداً.

 

ماذا يفعل الشاعر أمام الحرب، أمام الاحتلال، أمام انتهاك الحياة الإنسانية، وانتهاك حرمة الجسد والروح والعقل، والطبيعة، والحدود الوطنية؟ تتعدد السياقات، احتلال، حروب أهلية، حروب إقليمية، حروب عابرة للقارات، حروب من أجل الأرباح الفاجرة، من أجل السطوة والإخضاع... ماذا يفعل الشاعر أمام كل هذا العنف الممنهج الذي يصفع وجه الإنسان؟

 

يقول الشاعر والروائي الإسباني رافايل أرغولّول "من البراهين الكارثية على خصوصية الإنسان في الكون، قدرته الفريدة على التعذيب. نحن نعرف العنف المتواصل الموجود في عالم الذرّة. الخلايا، الحيوان والنجوم. كلّ ما في الكون عنف. لكنّه مهما عظم، فهو عنف نظيف. وحده الإنسان دنّس العنفَ حين تبنّى قوّة التعذيب اللئيمة".

Image-1775731889
خاتون سلمى التي قتلها القصف الإسرائيلي: "لم يكن الجرح ما آلمني/ بل الدماء التي لا تشبهه".

في الحرب الأخيرة والمستمرة على لبنان وإثر غارات جوية اسرائيلية همجية أودت بحياة عدد كبير من المدنيين العزل، إحداها كانت على منطقة تلة الخياط-بيروت في 8 نيسان 2026، خسر لبنان إحدى شاعراته الأثيرات، خاتون سلمى رحلت مع زوجها، وهي التي قالت في إحدى قصائدها: "لم يكن الجرح ما آلمني/ بل الدماء التي لا تشبهه". وكأنها شعرت بالموت مسبقاً: "عانقته كأن الموتَ بابٌ لا يُفتح إلا بيدين متشابكتين/ وحين هبطت السماء ناراً، كانت ذراعاها وطنه الأخير/ لم يفترقا... بل صارا معاً نجمةً ترفض السقوط/ كأن الرحيل وعدٌ قديمُ بين قلبين لا يعرفان الفقد/كحياةٍ أصرت أن تكتمل حتى النهاية... مضيا معاً". وفي كتابها الشعري الثاني "آخر نزلاء القمر" وفي قصيدتها "حين نظرت إليّ أديل"، حاولت خاتون أن تستكشف الجانب الإنساني في امرأة يهودية، بحثت عن المشترك بين الناس المنتمين إلى أديان متعددة وكانوا يعيشون معاً بتفاهم في هذا الشرق القديم طوال قرون، قبل إنشاء الكيان الإسرائيلي: "بوق وشمعدان وصورة حاخام/ إلهي على صليب كنتَ/ ساعدني كي أغفو على سرير أديل". خاتون لم تحمل في قلبها غير الحب لجميع الناس "أنا الشرفة العمياء/ غادرتني الغرف والأسرّة البيضاء/وحدها العصافير تفهم/تحمل الشجر وتختبئ بعيداً/ بعيداً في غابات القلب". 


في فلسطين، جرح الإنساني نازف على مدار قرن من الزمان وقد بدأ العالم يتلمس عمقه اليوم، بعد حرب إبادة يومية تأخذ أبعاداً عميقة ومتعددة، وتسلب كل شيء من الفلسطيني الذي بقي في الأرض ولم يغادر، بينما يعاني من غادر أو أُبعد... يف فلسطين كل أشكال الحنين والاحساس بالذنب والقلق على الأهل والإحساس بواجب أخلاقي وإنساني ووطني تجاه فلسطين الأم ومن بقي هناك، حيث يحاول الإسرائيلي سلب الفلسطيني كل شيء حتى طفولة ذاكرته. ويطل أحمد الملاح، الشاعر والأكاديمي الفلسطيني من مُغتربه الأميركي، حاملاً فلسطين كهاجس إنساني ووطني في حياته اليومية والأكاديمية، ويقول في قصيدته "زعتر يلمع في الشمس" واصفاً رحلته نحو فلسطين: "ذهبت إلى عمان حتى أحجّ إلى الديار"، ويصف الاحتلال بالجريمة في لحظة فارقة تنكشف للعالم: "كانت أضواء المواضع حيثُ الجريمة تلوح لعيني كالجزيرة في الفراغ. وماذا أقول عن الغيم حين اقتربنا من الشاطئ... وسطعتْ/جراحٌ وانكشف لي ما اقترفه الضوءُ من دمٍ ودمار؟". وعن نفسه وعن والدته التي فارقت الحياة بصمتها البليغ يقول: "إذن، عدتَ بعدما ماتتْ الأمُ، لغة في قبرها ترقد صابرة. أمَوتٌ هذا أم السكوت الذي عوّدَتْ نفسها عليه؟"..."وعندما يحلّق بي هذا الطائر العرضي سأنسى ما اكتسبت من اللغة الأم. وكم تحالفني المآسي لأنهل من صمتها شعراً، أعتّقه في قارورة الوقت. في فلسطين التي ماتزال على اسمها، تُمنّي أحبتها بشيء غير هذا الجدار أو ذاك وتحلم/للاسم مكاناً". 

 

يتحدث عن جدار الفصل العنصري الذي يمزق أراضي الفلسطينيين وبيوتهم: "كذا تعوّدت ولمّا خطوت على جانب من دمار الأرض وبدا يعزل الأرض عن خطى أهلها، بدا لي خرافياً كما أرادت له الآلهة أن يكون/ صغرتُ كثيراً أمامه وتذكّرتُ أمّي التي قبرها الآن ظلّه/في قلب المخيم- حيثُ تلتحف الإسمنت. هنا الآن مرقدها"..."هنا كنت قبل الجريمة طفلاً اعتاد على الحياة كما هي، حرُّاً من شَرك الحقائق. وقتها لم يكن هذا الجدار جداراً، كان خيالاً وخوفاً". وعن نوال الأم التي وهبته كل شيء، والزعتر الفلسطيني الذي يلمع في الشمس، وصراعها وطفلها للوصول إلى مكانها المفضل بالقرب من قبة الصخرة مبتكرةً زمنها الخاص المحفوف بالمخاطر متجاوزةً المجندين الإسرائيليين، ذلك المكان الحميم الذي يمثل اليوم للشاعر فردوساً مفقوداً، يقول: 

 

"وكانت نوال، ومازالت نوالاً، تجرّ حقيبتها في يد وفي الثانية ابنها الأصغر/حين كانت الرحلة إلى القدس بضع دقائق، كنّا معاً نخرج من حافلة حمراء بعض الشيء/ نمشي قليلاً نحو مخبز الكعك الأقدم بين مخابز القدس. وكانت لا تأمن/ إلا لما أعدّته من الزعتر، فتمنعني عن زعتر البائع الممزوج بكثير من الملح. /نمشي في ضيق الشوارع القديمة. أخاف الضياع فأمسك بيدها في زحمة/ البشر ألوان وأشياء بدت لي كالسحر: لو أنّي أحفل بها كلّها. لكنّنا بيدها كنّا نمر عليها/بسرعة خوفها -خوف المدينة وخوف الأمومة. كانت تحبّ مشرفاً يطلّ على قبّة الصخرة، /فتسرع للوصول إليه كما لو أنه الجنّة/ وعندما نقترب من خضرة الباب قبل الوصول إلى الباحات كان يوقفنا/أناس يذوبون في الحرّ من كثرة ما أثقلوا به أجسادهم، مدجَّجون/ برعبهم وبأسهم. وكانوا يردّدون الأسئلة ذاتها. يسائلوننا عن هوية. بدوا للطفل فيّ أناساً تائهين. وعند السؤال تصير حقيبة أمّي كنزاً، تبحث فيها بين المناديل والعلكة/ والفرائط. عن هويتها، تشهرها في وجه مجنّد أو مجنّدة، مثقلة/ بالحديد. حديد سيقذف الموت يوماً/ لم أكن أعرف شيئاً. ودون كلام يشيرون إليها بالدخول أو الوقوف أو الرجوع/ أنا وهي، نسرع إلى زاوية مظلّلة، نسرع حتى لا يبرد الكعك. نجلس لا أعرف كيف: ثم تأخذ من الكيس دائرة من الخبز بالسمسم، تأخذ جانباً/ من ذلك الصفر العربي المطاول وتشّق فيه جرحاً ثم تداويه بزعترها دون الكثير من الملح، كما هو المعتاد/ آخذه منها لأركض طفلاً في باحات المسجد الحجرية البيضاء/ وعندما أراها تنشغل عنّي بالصلاة، أخرج من جيبي قصاصة الجريدة التي كنت أخذتها بخفّة من كيس، كعك، تلك التي يضعها البائع هكذا دونما ثمن. وعندما أراها في السجود، آخذ ممّا في القصاصة من زعتر يلمع في الشمس لكثرة ملحه/ أرش على ما رشّت، كثيراً كثيراً. فأنعم حينها بلحظة في الجنّة مثلها: خبز وسمسم وملح يذوب في فمي- وبين أسنان مازالت في طراوتها تبلى ...أقول لنفسي أخيراً كما تعوّدتُ في الغربة أن أحكيها: سأعشق ذلك المكان وكلُّ ما سيأخذني إليه".

بندر.jpg
بندر عبد الحميد: "لا تنتظري زهراً أو قبعةً/من حاملة الطيارات الأميركية"

الحروب غالباً ما تكون استعراضاً لقوى غير متكافئة ضحاياها أبرياء يقول بندر عبد الحميد "لا تنتظري زهراً أو قبعةً/ من حاملة الطيارات الأميركية"، "الموسيقى ذاتُ الأحذية الممزَّقة تحكي عن أصدقائنا/ الذين ماتوا في الحرب قبلَ أن نولد/ في المشهد الأول كان البوق/ في المشهد الثاني كانوا يركضون/في اتجاه الدبابات الغازية/في المشهد الثالث صورةٌ لأزهار الربيع/ في مقبرة القرية أصدقاؤنا الذين ماتوا في الحرب/ قبل أن نولد/ نتحدث إليهم بلغة الموسيقا ذات الأحذية الممزّقة".


لكن الطفولة هي أكبر الخاسرين في الحروب، إذ تقول تويني: "الطفلُ يُحصي الحروب على كرات عداده". بينما يقول بندر في قصيدته "الكارثة": "الطبول تقرع في المساء/ ما الذي يحدث/ لا أحد يسمع/ المشاعل تحرق الضباب/ والطبول تقرع/منذ عشرين قرناً/ في موعد الكارثة/ وفي النافذة المهشمة/ طفل يهز رأسه ويضحك/ يضحك/ وفي يده بالون/مثقوب". 

الطفولة تسخر من الحروب وتنتصر للحياة.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث