حین تفتح كتاب "نسمات من الماضي" لكنعان المفتي وتقلب صفحاته الاولی، لا تكاد تمر دقائق على تسلسل معلومات مختصرة احتفظت بها ذاكرة المؤلف كنعان المفتي خلال عقود حتى تأخذ انتباهك نكتة تعتبرها عابرة ومن قبيل الصدفة. فتضحك قليلا دون ان تترك جديتك جانباً. وتستمر في القراءة بحثا عن معلومات أخرى. ولكن سرعان ما تنتبه لتجد نفسك امام صفحات تتسابق فيها الحوادث الواقعية مع نكات تقدم لها أو تعقبها وهلم جرا. ثم تدرك أنك أمام حقائق تاريخية على مر ستين عاماً، محورها مدينة كردية في العراق، أربيل الحالية ("اوربيل" قديماً، أو مدينة الالهات الاربعة كما تعني الكلمة) ووالده، رشاد المفتي (1915-1992)، حامل شهادة الازهر في منتصف ثلاثينات القرن السابق والذي غرس في وعي أبنائه إضافة إلى ولع بمعرفة اللغة العربية تعلقا بمصر (او "أم الدنيا"، كما كان يقول). لم يكن آخر انجاز او مسؤولية تحملها ابناؤه ممثلية أحد الاحزاب الكردية في القاهرة من قبل ابنه عدنان المفتي، الرئيس الاسبق لبرلمان كردستان، بل وصل الأمر إلى اعادة قطعة "رواق الاكراد" الى مكانه في الازهر، من قبل المؤلف اثناء رئاسته لوفد كردستان للمشاركة في مهرجان موسيقى الصوفية في القاهرة عام 2012.
ثمّة ذكريات سهلة ممتعة تنبع من الحیاة الاجتماعية واليومية العابرة، ومنها المؤلمة الدموية التي تعصر القلوب، لا يستطيع الكاتب ان یرویها في اغلب الاحيان بعيدا عن روح النكتة والبراءة، وكأنه يحس بوقع الكثير منها فيحاول عبر النكات وفطرته في الفكاهة تخفيف وطأتها على القارئ كاعتذار منه لرواية ما لا يرى بدا من روايته...
جاءت الطبعة دار نفرتيتي المصرية (2025) من الكتاب بعد طبعة اربيل (2023) لتقع بين يدي القارئ العربي وتروي له احداثا لم يرها او يسمع بها لا من قريب ولا من بعيد، رغم وقوعها في مكان يعتبره جزءا من عالمه العربي. الكتاب يشمل عدة فترات من تاريخ العراق المعاصر. يبدأ من العهد الملكي حتى نهايته عام 1958. ثم العهد الجمهوري حتى فترة البعث والقوموية العربية ممثلة بصورتها البشعة صدام حسين وحتى احتلاله للكويت وطرده منها. وبعدها تأتي فترة انعتاق المناطق الكردیة من نفوذه وحصولها على نوع من الحرية والادارة الذاتية. واخيرا نهاية دكتايوريته التي استمرت خمسة وثلاثين عاما. تنبع غالبية أحداث الكتاب من المناطق الكردية، يرويها قلم المؤلف ببراءة مؤثرة وحیویة جذابة تضعان القارئ امام شخصية والده الازهري وهو في قلعة اربيل التاريخية التي كانت لقرون عدیدة قلب مدینة اربیل.
کان رشاد المفتي لسنوات عدیدة قاضیاً ومفتیاً للمدینة. وبجانب طبیعته الجدیة في العمل وفکره المتفتح علی الآخرین ومعتقداتهم وعلی ما هو جدید، کان یمتلك روح الفکاهة في الحیاة، لم یبخل ابنه الکاتب في رسمها للقارئ في سیرته الذاتیة. یروي عنه ومنه الکثیر من الحواث الممتعة. ویبدو ان من بین امتعها حادثة حقیقیة وقعت لە بعد ثورة تموز عام 1958 حین جاءه في احد الایام شخصان، فقال له احدهما: هل تتذکر أني قدمت لك دیکا کبیرا قبل سنوات کهدیة؟ فرد علیه المفتي بالایجاب. فقال له الرجل : جئتك الیوم لاسترد ثمنها. فسأله وبکم کنت قد اشتریت الدیك؟ فقال بنصف دینار. فأعطاه المفتي دینارا وتخلص من الزائرین. وحین قال لە أخوه شمس الدین: ولماذا أعطیتهم ما لا یستحقون؟ فالدیك لا یعادل نصف المبلغ الذي اعطیته لهم. فقال المفتي لاخیه الشاب: هؤلاء أناس بسطاء. لقد کنت محظوظا أن الهدیة کانت دیکا، فلو کانت دجاجة لساوموني الیوم علی عدد البیضات التي باضتها خلال کل السنوات الماضیة، بل وکانوا یحاسبونني علی أفراخها وفراخ افراخها أیضا. وربما بلغ عدد الدجاجات المطلوبة اکثر من الف دجاجة...
یروي الکاتب حادثة تعبر عن الکثیر من اوضاع العراقیین وخاصة عن العلاقة بین العرب والکرد. فحین تتقدم جیوش صدام نحو المناطق الکردیة بعد هزیمتها في الکویت والانتهاء من سحق انتفضة جنوب العراق، أخذ الهول بسکان المناطق الکردیة الذین لم تندمل بعد جراحاتهم من اسلحته الکیمیاویة في عام 1988. فلجأت غالبیة السکان الی الجبال تارکة وراءها البیوت وما فیها لجنود عطشی للثأر من المذلة التي عاشوها في الکویت امام کامیرات العالم. فلجأ الکاتب ایضا الی ملاذ الجبال الباردة. واضطر ابوه ایضا بجبته الازهرية وعمامته العثمانیة وعمره المقترب من الثمانین الی الحرکة الی تلك الجبال. ولم تمر علیه ایام حتی عاد رغم الاحکام العرفیة التي کان الجنود یستعینون بها لقتل الاکراد. واذا بالشیخ الازهري یدخل بیته وقد زاره الجنود الذین کان بامکانهم ان یأخذوا کل ما في البیت من دون محاسبة. فرأی کل شيء علی ما کان علیه. ثم وجد علی مکتبه رسالة ترکها الضابط المسؤول یقول فیها: "أیها الشیخ الجلیل، عندما جئت الی هذا المنزل وتطلعت علی الکتب القیمة الموجودة في مکتبته وشاهدت کل هذه الصور لرجال الدین وکبار الشخصیات المحترمة وهي تزین الغرف، أود أن أتقدم إلیك بخالص اعتذاري لأننا نزلنا في منزلك. واود ان اطمئنك باننا لم نمد یدنا لأي شيء من موجودات البیت. ولکني أطلب منك الاذن بأخذ قلم حبر وجدته هنا وذلك علی سبیل التبرك لیس الا. واني لأتعجب یا سیدي کیف ان شخصا بمثل منزلتك الکریمة یغادر المدینة!).
وکم من مرة یدفع الکاتب عبر شخصیات ذاکرته بالقارئ الی أن یتذکر هو ایضا شخصیات من ماضي حیاته البعید. فلیسمح لي قارئ هذه الکلمات أن أورد هنا تواردا للخواطر من هذا النوع. یذکر المؤلف انه في اوائل تسعینات القرن الماضي حین کان الصراع محتدما حول مقاعد البرلمان بین الحزبین الکردیین، الدیمقراطي الکردستاني بقیادة مسعود البرزاني والاتحاد الوطني الکردستاني برئاسة جلال الطالباني. ثم وصلا الی نتیجة المناصفة (او ما کان یسمی آنذاك ففتي-ففتي) دون ان یخمد الصراع. وحین یلتقي المؤلف بامرأة عجوز تقول لە: یا سید کنعان، الآن فهمت ما یجري. فأنتم سبب کل هذه المشاکل. کل الناس وکل الاذاعات لا تتحدث الا عن مفتي مفتي...
هذه الواقعة اخذت بي إلی ما قبل ستین عاماً، حین کانت جارة لنا عجوز ایضا تجاوزت الستین منذ زمن ولا تعرف غیر الکردیة لغة اخری. کانت تعیش مع زوجها في غرفة صغیرة وفي حالة من الفقر لا تقاس. کانت في عصر کل یوم تضع المذیاع علی الشباك وترفع صوت عبد الباسط یتلو القرآن. لا تمر علیها لحظات حتی تبدأ بالنحیب والعویل. فتسألها المارة ولم تبکین وأنت لا تفهمین العربیة؟ فترد علیهم والدموع تنهمر من عینیها: استمعوا یا ناس الی عمنلماست. انه یقول لي زوجك ذهب الی بیت عشیقتها (مینوکة) واعطاها کل أمواله... یا لحظي التعس. حتی عمنلماست یدري ما یقوم به زوجي محمد...
فمن الصعب ان یقرأ الانسان هذا الکتاب دون أن یتذکر شخصیات من ماضیه، هو...
(*) أستاذ في جامعة باریس

