جوني منصور: حيفا مدينتي التي لن يتعرف إليها أبي

المدن - ثقافةالأربعاء 2026/04/22
Image-1776851923
حيفا عن مجلة "لايف" الأميركية
حجم الخط
مشاركة عبر

 في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي كان والدي رحمه الله يستقبل اخوته العائدين مؤقتا في الصيف من أميركا مكان اقامتهم. واخوته جميعا من مواليد حيفا قبل عام النكبة بسنوات مختلفة. وعاشوا حركة الحياة فيها بكامل تفاصيلها، بمرها وحلوها. وكانت تعني لهم الكثير الكثير. وأذكر، وأنا في بدايات دراستي الجامعية وانضمامي إلى حقل التعليم خلالها أنني كنت اجالسهم واستمع إلى قصصهم وذكرياتهم الفردية والمشتركة. ويمضون ساعات طويلة في الحديث عن حفلات فريد الاطرش وحضورهم لها، وكذلك عن حفلاته المشتركة مع شقيقته اسمهان على خشبة مسرح عين دور الشهير. وكذلك مشاهداتهم غير المنقطعة لمسرحيات يوسف وهبي عميد المسرح العربي وابرزها مسرحيات: "أولاد الشوارع"، و"كرسي الاعتراف". وايضا مشاهدتهم لمسرحية "هاملت" التي قدمها مسرح الكرمل الحيفاوي للتمثيل بقيادة الفنان اسكندر أيوب بدران وفريقه المتألق. والافلام العربية والامريكية والاوروبية التي كانوا يشاهدونها بكثرة على شاشات صالات السينما مثل سينما: الأمين، النصر، الكرمل، عين دور وغيرها. 

 

وأتذكر وأنا أكتب هذه السطور حديثهم عن زيارة الملك عبدالله إلى المدينة في 1946 واستقبالهم الكشفي له وإقامته في أحد فنادق المدينة. واستقبال الشعراء والادباء العرب البارزين كالعقاد والمازني والجواهري وخليل مطران والبستاني وغيرهم. ونوادر الدكتور داهش في التنويم المغناطيسي. وشدد والدي على مسألة لم تغادر ذاكرته وهي شرائه آلة عود شامي من محل عوض الرومي جد الفنانة اللبنانية ماجدة الرومي، واضطراره إلى تحويل الاوتار الى الجهة اليسرى. وضاع العود في 1948 مع احتلال المدينة وترحيل ناسها. ولا غرو في ذلك فقد عرفوا شخصيا نجيب نصار صاحب جريدة الكرمل، كما أنهم عرفوا عن قرب إميل توما محرر جريدة الاتحاد ومنير حداد صاحب مجلة السمير ومطبعة حداد. 

Image-1776852113

ويشتد الحديث حرارة عندما يعرجون على موضوع فرق كرة القدم التي تميزت بها المدينة والمباريات التي كانت تشهدها، ومن ابرز هذه الفرق "فريق نادي شباب العرب" وأبرز لاعبيه جبرا الزرقا والذي كما يصفونه بأنه ما ان يستلم الكرة حتى يدحرجها بين قدميه حتى يحقق الهدف. والفريقان الاخران هما "نادي شباب الروم" و"الترسانة". 

 

وكانت تنظم مباريات مع فرق رياضية قادمة من دمشق وحلب والقدس والاسكندرية. كذلك الامر عند الحديث عن النوادي الثقافية المنتشرة في المدينة كالنادي الارثوذكسي ونادي أنصار الفضيلة ونادي الارز والنادي الكاثوليكي وغيرها من الاندية التي ساهمت في إحداث نقلة فكرية وثقافية مميزة في المدينة بلغت آثارها إلى مناطق محيطة بها. وبلغ الامر بوالدي وأعمامي أن مروا في أحاديثهم على الفنون المعمارية التي انتشرت في حيفا في الاربعينيات بالذات عندما تحسنت احوال الناس المالية، وخصوصا اشارتهم الى الدرابزينات التي ميزت شرفات المنازل والشبابيك الخشبية ذات الالوان: الاخضر، والأزرق والبني. بالإضافة إلى تطور حركة النقل والمواصلات في المدينة بالانتقال من الحناطير الى السيارات والباصات التي ربطت اطراف المدينة ببعضها البعض. وكانوا يشيرون إلى انواع كثيرة من السلع والبضائع التي كانت تباع في محلات المدينة العامرة كمحلات بوتاجي وسويدان وشبيب وأبي نادر ومنيمنة وغيرهم. لم ينقص المدينة شيء.  

Image-1776852171

لكنهم، أعني اعمامي، يصلون إلى بوابة الألم والجرح المفتوح. فلا يقفزون عن الدور البريطاني في بيع أهل فلسطين عامة، وأهل حيفا خاصة بتسليمهم معسكرات ومقار عسكرية وشرطية للمنظمات العسكرية الصهيونية. بمعنى آخر تم تسليم المدينة لتكون فريسة أمام قيادة هذه المنظمات لتفعل ما تفعله الآن في غزة ولبنان. وأعني التهجير والتدمير منعا للعودة. والدي لم ينس طيلة حياته الجملة التي كان يرددها جنود وشرطيون انكليز وقفوا على طول جادة الكرمل (شارع بن غوريون اليوم) صارخين بأعلى أصواتهم ومشيرين بيدهم "تو ذا بورت" (To The Port)، مانعينهم من البقاء في المدينة، ومشتركين في التهجير. فوجد والدي واخوته أنفسهم في ميناء المدينة حيث ركبوا سفينة متجهة إلى عكا ومنها إلى لبنان بعد ان رأوا الكوارث والمصائب في تكدس الناس في عكا. وكانت لهم حكايات في لبنان، سنعرضها في مناسبة أخرى.


رحل والدي واخوته عن هذه البسيطة ورحلوا جسديا عن حيفا موطنهم الحبيب والمرافق لهم. وبقيت في ذاكرتي تلك الصور التي نقلوها لي ولأخوتي ومعارفنا الذين كانوا يحضرون هذه الجلسات التاريخية والعاطفية.  
 

Image-1776852260

في هذه الليلة بين 21 و22  نيسان استذكر تلك الجلسات المليئة بفرح الحياة وبهجتها في حيفا وسواها من مدائن الوطن الغالي. وأتخيل عودة والدي واخوته إلى مدينتهم لزيارة خاطفة، فإنهم لن يعرفوها بتاتاً. أبي وأعمامي، لقد خطفوا منكم المدينة وسلبوها من أولها إلى آخرها. حتى أسماء شوارعها وأزقتها استبدلوها بأسماء ابطالهم الذين تلطخت اياديهم بدماء ابنائنا وبناتنا. اعتدوا على الجبل، جبل الرب "الكرمل"، وقضموه لصالح مد الطرق وتشييد الاحياء الجديدة بترسانة مخيفة لا تمت إلى طبيعة المكان بصلة. حتى أن عمليتهم الحربية سمّوها "تطهير الفصح". واحضروا مستعمرين من كل اصقاع الدنيا ووطّنوهم في بيوتنا. مستعمرون يحملون وجوها ليست شبيهة بوجوهنا، ويتكلمون بلغات الأرض كلها إلا لغة هذه الارض الاصيلة والاصلية. وقاموا بهدم حارات بكاملها بذريعة أن البيوت قديمة وغير صالحة للسكن. واقتلعوا الاشجار التي زرعها الآباء والأجداد، واستبدلوها باشجار ليست من تربة هذه الأرض.


لن تعرف مدينتك يا أبي، لقد اختفت وبقي اسمها وبعض تاريخها وشيء من ذاكرتها راسخ فينا.


(*) عن فايسبوك

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث