في وفاءٍ متأخرٍ لوجوهٍ لم تغب عني يومًا، أكتب.
لأكثر من مئة صديقٍ وقريبٍ وحبيب، من رفاق الطفولة، وزملاء مقاعد الدراسة، وأتراب اللعب في البيادر وساحات الضيعة، ومن شاركوني نزهات الكروم ورحلات السباحة في بحر الناقورة… أولئك الذين عجزت عن إحصائهم حين تجاوز العدد حدود القدرة على العدّ، لا على التذكّر.
هؤلاء الذين قرروا، بإرادتهم، أن يخوضوا الحرب؛ احترامًا لقسمٍ أقسموه، أو وفاءً لفكرةٍ آمنوا بها. رحلوا جميعًا. ويا ليتهم، وهم في طريقهم إلى النهر، لم يرحلوا ظمأى.
رحلوا، وتركوا خلفهم حيواتٍ ناقصة: أطفالًا، زوجاتٍ، بيوتًا لم تكتمل حكاياتها. تركوا تفاصيلهم الصغيرة التي لا يعرفها سواهم وسوانا: قصص الحب الأولى، ارتباك البدايات، رسائل الغزل التي كنا نكتبها معًا، نستعير من بعضنا الكلمات، ونختلف على أجمل العبارات، وعلى كيف تبدأ الرسالة وكيف تُختم. نتباهى بخطوطنا، بمن يكتب أجمل بالثلثي، ومن يرسم بين السطور وردة جوري أو سنبلة قمح.
لهؤلاء جميعًا، أقول: سامحوني.
سامحوني على هذا اليُتم الذي يلاحقني في كل لحظة، كأنني مطلوبٌ لعدالة دمكم. سامحوني لأنني، في لحظاتٍ كثيرة، أشعر أنني خذلتكم؛ أنني لم أكن على قدر الصراخ الذي صرختُه يومًا لأمنعكم، ولا على قدر الخوف الذي خبأته خلف قسوة الكلمات. كنتُ أُخاصمكم من شدّة محبتي، وأغضب لأنني كنت أرى الفقد قادمًا، ولا أملك القدرة على ردّه.
العزاء الوحيد، إن كان ثمة عزاء، أن الأمكنة نفسها لم تعد كما كانت. لا بيدر بقي، ولا كرم، ولا حاكورة، ولا حتى زاروب. كلّ شيءٍ اندثر. ولعلّ في اندثاره رحمة خفيّة؛ لأن بقاءه، في غيابكم، كان سيضاعف الوحشة، ويثقل الخطى عند كل مرور، ويحوّل كل نظرة إلى خسارة جديدة. ومع ذلك، لا شيء يندثر حقًا.
أنتم هنا، في هذا النص، في هذه الذاكرة التي ترفض أن تتعب. في تفاصيل صغيرة لا يعرفها سواي وسواكم، وفي حنينٍ لا يهدأ. أنتم حاضرون، كلما تذكّرت كيف كنّا نسرق الوقت لنكتب رسالة حب، أو نختلف على شكل وردة بين السطور.
(*) عن فايسبوك




