ولد فيودور إيفانوفيتش بيلوأوس (1827-1892) في غاليسيا التي كانت تابعة للأمبراطورية النمساوية المجرية (مقاطعة لفيف الأوكرانية اليوم). درس اللاهوت والفلسفة في جامعة لفيف والمدرسة اللاهوتية فيها، لكنه رفض أن يُرسم كاهنًا واختار مهنة التعليم. درّس في ثانويتي لفيف وترنوبل، ثم عُيّن عام 1861 مديراً لثانوية كولوميا. لكن نشاطه الاجتماعي بين السكان الروثينيين (إحدى القوميات السلافية، أي السكان الأوكران حالياً) أثار استياء السلطات فعوقب بالنقل إلى مدينة بوخنيا البولندية. انتُخِب نائبًا في البرلمان الغاليسي لفترتين (1861-1866 و1871-1876)، ونجح في افتتاح نحو 30 مدرسة مهنية، وكان عضوًا نشطًا في "النادي الروسي" (تجمع النواب الروثينيين في المجلس البولندي التابع للإمبراطورية النمساوية). وصف بأنه كرّس حياته لدعم شعبه المضطهد، وأن أمثاله هم من أنقذوا القومية الغاليسية من الاندثار. أسس بيلوأوس مع شقيقه ميخائيل مطبعة في كولوميا، جاعلاً منها ثالث مركز للحركة القومية الغاليسية بعد لفيف وبيريميشل (تقع شرق بولندا حالياً)، وطبع فيها العديد من الكتب والصحف، من بينها صحيفة "روسكا رادا" (المجلس الروسي) التي صدرت لأكثر من 40 عاماً. ألّف بيلوأوس عدة كتب، منها "مذكرات سفر – رحلة غاليسي إلى الشرق عام 1888"، الذي نشره سنة 1890 في مدينتي لفيف وكولوميا ووجّهه للجمهور الغاليسي المحلي، وليس لجمهور الإمبراطورية.
نخبة عربية متعلمة على نماذج أوروبية متعددة
يصل بيلوأوس إلى بيروت بحراً على متن قارب متوسط الحجم من يافا، ماراً بصور وصيدا، اللتين لم ينزل بهما بل بقي في القارب بأمر من القبطان. في البداية، يشاهد المدينة من البحر، يقول: "مدينة بيروت من الشرق والشمال محمية بسلاسل جبال لبنان المهيبة... شبه جزيرة ضيقة تقع المدينة على منحدرها الشمالي، وتمتد ضواحيها وخيمها الصيفية إلى الجهة الجنوبية". ثم يقول: "من بعيد، تظهر أعلى الشاطئ الجنوبي أبنية مهمة: فنار، قصور صيفية للأغنياء وأصحاب الملايين، وقبل كل شيء بناء ضخم لإيواء الغرباء (الحجاج) المسافرين إلى الأرض المقدسة". والكاتب يُظهر هنا الفصل الاجتماعي، مع وجود "قصور صيفية للأغنياء" على المرتفعات، بينما المدينة القديمة أسفل، ما يعكس تقسيمًا طبقيًا واضحًا. الأغنياء (المسيحيون بشكل أساسي، والموظفون الأجانب، والتجار الكبار) يبنون بيوتهم على المرتفعات هربًا من حر الصيف ورطوبة الساحل، بينما تبقى الطبقات الفقيرة في المدينة السفلى. أما فندق الحجاج المسيحيين المتجهين إلى القدس، فيظهر من خلاله أن بيروت كانت مركز عبور رئيسيًا للحج الأوروبي إلى الأراضي المقدسة، وما يميّزها هو انتظام مرور البواخر في مينائها.
يقدم بيلوأوس في نصّه جردة بمؤسسات المدينة، بدءاً من المستشفى الألماني، يصفه بقوله: "بناء كبير من ثلاثة طوابق مع برج ساعة جميل ومصلى. المستشفى الألماني، حيث تخدم راهبات بروتستانتيات يُدعين شماسات (ديقونيسات) المرضى من كل الأديان".
وينتقل إلى المدارس، مع "البعثة الأميركية التي تدير مدارس ابتدائية للعرب، بالإضافة إلى إعدادية للمعلمين والمعلمات". ويتوقف في الكنائس والأديرة المحلية، ويعدّدها: "ثلاث كنائس أرثوذكسية، وكنيسة يونانية كاثوليكية واحدة، والعديد من الأديرة اللاتينية، منها الآباء الكبوشيين الذين لديهم رعية لاتينية ورئيسهم بدرجة أسقف". وينتقل إلى مؤسسات التعليم العالي، ويقول: "يدير الآباء اليسوعيون واللعازاريون أعلى المؤسسات التعليمية، حيث يعلمون، إلى جانب اللاهوت واللغات الكلاسيكية، بعض مواد الجامعات بشكل مختصر. بعد إتمام هذه المدارس، يذهب طلابهم السابقون لإكمال علومهم في القسطنطينية أو القاهرة".
ثم يتحدث عن الخدمات الصحية النسائية، حيث تدير "أخوات الرحمة للقديس فنسنت أيضًا مدرسة كبيرة يرتادها مئات الأطفال العرب وغيرهم، ولهن في ديرهن مشفى بأجر وصيدلية". ويتناول في حديثه المطابع، حيث "للبعثة الأميركية واليسوعيين مطابع يطبعون وينشرون المؤلفات الشعبية بين العرب".
بعد جرده المؤسسات، يُظهر بيلوأوس التنافس الطائفي بين البروتستانت والكاثوليك والأرثوذكس، حيث لكل طائفة مسيحية مؤسساتها التعليمية والطبية، ما يجعل من المدينة ساحة تنافس غربية على نفوس أبنائها. فالأوروبيون يموّلون هذه المؤسسات، والعرب المحليون (خصوصاً المسيحيون) هم المستفيدون والمدرسون والطلاب. هذا يخلق نخبة عربية متعلمة على نماذج أوروبية متعددة. لكنه يُغفل ذكر جامعتي المدينة، إذ لم يذكر الكلية السورية البرونتستانتية وكلية القديس يوسف اليسوعية، مما قد يعني أنهما لم تكونا بارزتين في مشهد المدينة لدى زائر عابر في تلك الحقبة بعد. لكنه لا يغفل المطابع وتأثيرها، فالمطبعة الأميركية (التي أنشئت 1834) والمطبعة اليسوعية (التي أنشئت 1848) كانتا قد أنتجتا مئات المطبوعات، مما أسهم في انتشار الأفكار الإصلاحية.
روتين عثماني ووساطة نمسوية
عند الوصول إلى مرفأ بيروت يصف الكاتب تجربته مع جواز السفر، يقول: "احتُجز جواز سفري التركي أو ما يسمى تذكرة، عند الخروج من المرفأ، لذلك اضطررت أتسكع به بين إدارة المرفأ ومركز الشرطة، ولم استرده إلا بوساطة القنصل العام النمسوي، الذي يسكن بعيداً من فندقنا". ويظهر أن احتجاز جواز سفر أحد الرعايا (أو أجنبي تحت الحماية) هو روتين عثماني لتسوية الديون أو الضرائب أو التحقق من الأوراق. لكن تدخل القنصل النمسوي لحل المشكلة بسرعة يُظهر نظام الامتيازات حيث يتمتع الأوروبيون والأجانب بحماية قنصليتهم، متجاوزين الإجراءات المحلية، ما أضعف هيبة الدولة العثمانية.
كما يلاحظ بيلوأوس تطور العمران في بيروت بسرعة خلال ثلاثة عقود، يقول: "صورة بيروت في كتاب السيد فليدنر سنة 1858 لا تشبه المدينة الحالية. ما زال هناك بعض الشوارع على الطراز العربي (ضيقة، حادة، غير نظيفة)، لكن المركز والجزء الأكبر من المدينة يتمتع بشوارع واسعة نسبيًا ومستقيمة، وبعض الجادات، والعديد من الأبنية الضخمة والجميلة". ويلحظ أن الأزقة العربية في المدينة القديمة (باطن بيروت) كانت تخدم مناخاً حاراً وتوفر الظل وتحد من اختراق الرياح. أما الشوارع الواسعة المستقيمة هي نموذج أوروبي (باريس، فيينا) يُفضي إلى حركة أسهل للعربات، وتنفس أكبر، وتهوية أفضل، لكنه يقلل الظل ويحتاج إلى رصف وصيانة. ويرى أن انتقال بيروت إلى النموذج الأوروبي في مركزها يعني أن النخبة صاحبة القرار (حكام عثمانيون، قناصل أوروبيون، تجار كبار) كانت مفضلة لهذا النمط.
ويقف الكاتب عند الأسطورة المحلية والتراث الديني، وهو يروي قصة القديس جاورجيوس المنتصر (مار جرجس) والتنين، من الذاكرة الشفوية المحلية، يقول: "كان تنين رهيب يخرب ضواحي بيروت، وكان الملك مضطراً أن يقدم له كل يوم عذراء وخروفاً له. عندما ابتلع الوحش كل العذارى، أُحضرت ابنة الملك أيضًا لتُذبح، لكن في اللحظة الأخيرة ظهر فارس على حصان أبيض، وطعن التنين بحربته وحرّر الأميرة والمدينة". ويرى أن بقاء هذه الأسطورة حيّة، على الرغم من أن موقعها تحول من كنيسة إلى مسجد يعني أن السكان المسلمين المحليين يحترمون القديس جاروجيوس كـ"نبي" أو "ولي". لكن بيلوأوس لم يسألهم مباشرة عن ذلك. إلى جانب كنيسة مار جرجس، يذكر الكاتب كاتدرائية القديس يوحنا وكنيسة المخلص اللتين حوّلهما المسلمون إلى مسجدين، ويرجع ذلك إلى سياسة عثمانية متبعة في المدن، وسكان بيروت المسيحيون عرفوا هذه التحولات وتذكروها، ما خلق ذاكرة مؤلمة تتغذى عليها السرديات الطائفية.
السفر إلى دمشق في متناول الطبقة الوسطى
يختم بيلوأوس فصل بيروت في كتابه بالإشارة إلى السفر نحو الشام، يقول: "بعد تعافينا قليلًا، سافرنا إلى دمشق، جنّة الشرق، التي تذكرني بألحان الكنيسة الموحى بها للقديس يوحنا الدمشقي، وبسفر رسول الأمم القديس بولس. تذكرة السفر بعربة البريد الفرنسي التي تجرها الخيول، تساوي واحدًا في المئة من النابليون (عملة ذهبية فرنسية تساوي 20 فرنكًا)، أما العودة بالأمنيبوس (عربة كبيرة متعددة المقاعد تجرها أربعة أحصنة) فكانت أقل بكثير". يلحظ الكاتب أن الطريق البري الحديث (الذي بناه الفرنسيون) يربط بيروت بدمشق ويجعل السفر بين المدينتين في متناول الطبقة المتوسطة (البريد الفرنسي والأمنيبوس مرتين يوميًا). هذا ربط اقتصادي وثقافي بين الساحل والداخل، جعل بيروت ميناء دمشق الطبيعي، ويتوقف عند استبدال الطرق التجارية القديمة (قوافل الجمال) بوسائل نقل حديثة. ولا يخفى أن الكاتب، الذي كان في رحلة حجّ يربط دمشق بأحد آباء الكنيسة القديس يوحنا الدمشقي، وببولس الرسول (الذي اهتدى في الطريق إلى دمشق) ما يُظهر أنه خلال رحلته في بلادنا كان ينظر إليها من خلال نظارات دينية متأثراً برحلته، وليس بنظارات جغرافية أو سياسية فقط. فدمشق عنده مدينة مسيحية بامتياز، على الرغم من أنها غدت مدينة إسلامية منذ أيام الأمويين.
في المحصلة، نجد أن بيروت في عيني بيلوأوس كانت مدينة على حافة التحول، ونصه لم يكن عملاً أنثروبولوجياً بالمعنى الحديث، فهو لم يقم بملاحظة مشاركة طويلة، ولم يتعلم اللغة العربية، ولم يسأل السكان المحليين عن معتقداتهم وتفسيراتهم لظواهرهم الاجتماعية. لكن قيمته تكمن في شهادته عن المدينة بعيني أوروبي شرقي (غاليسي) في اللحظة التي كانت تتغير فيها بسرعة، إذ قدّم فيها كذلك توثيقاً للمؤسسات والتركيبة السكانية، تختلف عن وثائق القنصليات والإحصاءات العثمانية. وهذه الشهادة، كمرآة تعكس مخيال الرائي نفسه، أي كيف نظر مثقف سلافي من منطقة حبيسة بلا سواحل، وفقيرة، ومتعددة الطوائف تحت حكم إمبراطورية مسيحية، إلى مدينة ساحلية مزدهرة، متنوعة طائفيًا، تحت حكم إمبراطورية مسلمة في حالة تراجع.
هناك جانب مهمّ آخر في رحلة بيلوأوس، إذ شكّل كتابه مرجعاً نادراً موجّهاً للقارئ في غاليسيا، وهذه المنطقة التاريخية في أوروبا الشرقية، تشغِل اليوم جزءاً من غرب أوكرانيا وجنوب شرق بولندا. لكن في زمن الرحلة كانت مملكة غاليسيا ولودوميريا مجرد مقاطعة مهملة عند الطرف الشرقي للإمبراطورية النمساوية المجرية. وبقيت المقاطعة زراعية، واعتبرت الأكثر فقراً وتخلفاً في الإمبراطورية، وكان سكانها خليطاً من الرّوثينيين، والإقطاعيين البولنديين المستبدين واليهود الذين استخدمهم الإقطاعيون ضد الفلاحين الروثينيين. وكانت لفيف (ليمبرغ) عاصمة المقاطعة وأهم مركز ثقافي بولندي وأوكراني فيها. آنذاك، كتب المثقف الغاليسي بيلوأوس بالسلافية الشرقية الممزوجة بالسلافية الكنسية، ونشر كتاب رحلته في لفيف وكولوميا (مدينة صغيرة في غاليسيا الشرقية)، موجّهًا خطابه إلى قرائه المحليين الذين شاركوه الشعور بالتهميش الاقتصادي والوطني، وكان يسافر إلى الشرق بحثًا عن "دروس" في التجارة والحضارة والتنافس الطائفي، مقارناً بين الفينيقيين في الماضي والأوروبيين الغربيين المهيمنين في الحاضر، وناظرًا إلى أحوال مواطنيه في غاليسيا، وربما شكلت بيروت أحد أكثر مواضيع الرحلة غنىً، حيث سمح النص للقراء بمقارنة الأحوال في بيروت مع الأوضاع في بلادهم.




