ذكرى سلام الراسي: الأرض لا تخون..قال ابن إبل السقي

ضحى الدرويشالاثنين 2026/04/20
Image-1776630625
اتسمت مؤلفاته بنقد اجتماعي لاذع مغلف بسخرية شفافة
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يكن شيخ الأدب الشعبي سلام الراسي مجرد حكواتي يجمع فتات الماضي، إنما تجلى كعرّافٍ قرأ في تجاعيد فلاحي الجنوب نشيده القروي. وكأنه اليوم، من قلب وطنه الأم الذي لم يغادره إلا ليعود إليه حبراً وذاكرة، يهمس في آذان الصامدين والنازحين والمنتظرين تلك الوصية التي اختصرت فلسفة البقاء:"يا ابني، الأرض ما بتخون، اللي بيخون هو اللي بيتركها".

 

في هذه الأوقات العصيبة التي يمر بها جنوب لبنان، تتحول مقولة ابن "إبل السقي" من مأثور شعبي إلى ميثاق وجودي، ففي تلك التلال التي شهدت على ولادة حكاياته، يثبت الجنوبيون اليوم أن الوفاء للتراب ليس مجرد شعار، ليصبح فعلُ تجذرٍ تأبى الأرض أمام عظمته أن تخون من صانها. ومن خلال هذا النص، نعود إلى تراث سلام الراسي لنستلهم منه القوة في زمن الانكسار، ونقرأ كيف تحولت كلماته إلى دروعٍ تحمي الهوية الجنوبية من رياح التشرد والضياع.

Image-1776630720
كان يرى في الأدب مشروعاً حضارياً يُصاغ بحبر الحياة اليومية.

صوت الأرض في نيسان الذاكرة

في 19 نيسان، تتجدد ذكرى رحيل الكاتب، غير أن صوته لم يخفت يوماً، بل ظلّ نابضاً في الأزقة والضِيَاع، ومحمولاً على ألسنة البسطاء الذين بادلهم حباً بحب. فقد كان الراسي، بالرغم من انخراطه في النخب الثقافية، ابناً باراً لبيئته، مخلصاً للحكاية التي تولد من رحم المعاناة اليومية. وفي عصرٍ تتصارع فيه المصطلحات بين التجريد الجاف والفلسفة المتعالية، برز صوته كصدىً نقي يشبه الأرض في عطائها والتراب في تواضعه، محاكياً كفاح الفلاح وعفوية الحكواتي، وأهازيج النسوة عند الفرح.

 

لم يكتفِ صاحب "لئلا تضيع" بمقعد المتفرج في المشهد الأدبي، فقد كان يرى في الأدب مشروعاً حضارياً يُصاغ بحبر الحياة اليومية. لذا، نأت كتاباته عن استجداء رضا النقاد، وانحازت بالكامل لتروي حكايتنا نحن، حكاية القرى المنسية، والطرقات التي تحفظ وقع خطى العابرين، وحكمة العجائز اللواتي يقرأن تقلبات الزمن في فنجان الصباح، من دون حاجة لمدركٍ نظري. لقد استطاع بأسلوبه السهل الممتنع أن يُحبّر سِفراً للأدب الشعبي الرفيع، حيث يتجاور الجد والفكاهة، ويتحول الوجع إلى ضحكة ساخرة، ويستحيل النقد وسيلة للمحبة والتقويم.

 

يكشف الراسي في كتابه "أحاديث القرية" عن عقيدته الأدبية حين يشير إلى أن الإنسان هو نتاج بيئته، وأن الاغتراب عنها يؤدي حتماً إلى التيه والضياع. إنطلاقاً من هذا المبدأ، تمسك بلغة تحاكي لسان حاله، فكتب كما يحكي، وحكى كما يسمع، دون تزييف للواقع أو تزويق للحقائق. هذا الصدق الفني كان عاملاّ أساساً في منح نصوصه عمراً مديداً، فبلاغته كانت تكمن في قدرته على تطويع "المحكي" لخدمة الفكرة العميقة، داعياً الدوام إلى الاعتزاز بالهوية المحلية بوصفها المنطلق الحقيقي نحو العالمية.

 

علاوة على ذلك، اتسمت مؤلفاته بنقد اجتماعي لاذع مغلف بسخرية شفافة، فهي تُصيب عين الحقيقة من دون جرح المشاعر، وتكشف العيوب بلا اللجوء للهجوم المباشر. وحين نقرأ له، نشعر وكأننا نجلس في ظلال شجرة توت وارفة أو صفصافة خجلى، نستمع لصديقٍ يسرد حوادث تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها أبعاداً أنثروبولوجية شعبية مذهلة. لقد جعل من الضحكة وسيلة للتأمل، ومن الحكاية جسراً للعبور نحو فهم الذات الجماعية.

Image-1776630848
كتب الراسي كما يعيش الناس، بلا تكلّف أو تزويق. كلماته كأنها خارجة من فم الجارة أو العجوز الجالس أمام دكّانه

بين إبل السقي والواقع الراهن

إنّ العودة إلى الراسي اليوم لا يُعد ترفاً فكرياً، بل هي حاجة ملحة لفهم سرّ الصمود في الجنوب اللبناني، وتحديداً في بلدته. فالمقولة التي صدح بها: "الأرض ما بتخون"، تتجلى اليوم في أبهى صورها. الأرض الجنوبية التي ترتوي بدمع الناس وعرقهم، ترد الجميل ثباتاً وكرامة. الخيانة في منطق الراسي ليست مجرد فعل سياسي، بل هي انفصام عن الهوية والتراب، فمن يترك أرضه يترك روحه عرضة للنهب.

 

هذا المفهوم الوجودي للأرض هو ما يفسر تمسك الجنوبي ببيته المهدم، وإصراره على العودة إلى كرم الزيتون حتى في أحلك الظروف. إنها "المواطنة العضوية" التي بشّر بها الراسي، حيث المواطن لا يحتاج لتعريف قانوني بقدر حاجته للارتباط العاطفي بالمكان.

 

النقد الاجتماعي والوعي الحاد

كتب الراسي كما يعيش الناس، بلا تكلّف أو تزويق. كلماته كأنها خارجة من فم الجارة أو العجوز الجالس أمام دكّانه. ومع ذلك، خلف تلك العبارات البسيطة، ينبض وعيٌ حاد، وسخريةٌ ذكية، ونقدٌ اجتماعي لمّاح. في "أحاديث القرية" يواجهنا بمرآة قاسية حين يقول: "يضحكون على بعضهم باسم الكرامة، ويأكلون خبز بعضهم باسم العيب. نحن في بلادٍ العيب فيها أقوى من الجريمة". 

 

وبالرغم من العفوية التي تغلّف قصصه، نجده مراقباً شرساً لعيوب المجتمع. فهو لم يتردد في تسليط الضوء على التناقضات الصارخة، مستخدماً لغة الشارع ليفضح زيف بعض المفاهيم. في حديثه عن الكرامة والعيب، يضعنا أمام مواجهة صريحة مع ذواتنا، موضحاً كيف يمكن للتقاليد إذا ما فُهمت خطأً أن تصبح قيوداً تعيق التطور. وهذا الوعي الحاد هو ما يجعل نصوصه راهنة حتى اليوم، وكأنه يصف واقعنا المعاصر الذي يتخبط بين المظهر والجوهر، وبين الشعارات الرنانة والأفعال الهزيلة.

 

إضافة إلى ذلك، تكمن أهمية أدب الراسي في كونه يجسّد الإلفة التي يفتقدها الخطاب الثقافي الحالي. فنحن نعيش في زمن يضج بالمصطلحات المعقدة التي تخلق فجوة بين الكاتب والقارئ، بينما كان الراسي يهدم هذه الأسوار، مقدماً أدباً يتنفس برئة الشعب. لقد أدرك أن الحكاية الصغيرة التي تدور في زاوية ضيعة نائية، يمكن أن تكون مرآة تعكس أزمات وطن بأكمله، وأن الصدق في التعبير عن الهم المحلي هو أقصر الطرق للوصول إلى المشترك الإنساني.

 

ما زالت الحياة اليوم، بالرغم من كل التطوّر التكنولوجي والعولمة، تحتاج إلى صوتٍ مثل صوت سلام الراسي. ففي زمنٍ يضجّ بالخطابات المنمّقة، والمصطلحات المستوردة، والحوارات المتكلّفة التي تبتعد عن نبض الشارع، نشتاق إلى من يكتب بحسّ فطري ومن قلب التجربة. بهذا التواضع النبيل، أعاد الاعتبار لذاكرة الناس العاديين، وحوّلها إلى أدبٍ عالمي بخصوصيته المحلية. لم يكن يجمع القصص بدافع الفضول، إذ كان يرمم جسر العودة للأجيال القادمة، لئلا تضيع ملامحهم في زحام الحداثة المشوهة.

Image-1776631006
"إذا أردتم أن تكتبوا بصدق، اكتبوا كما تحكون، واذكروا الناس، فهم المعجم الحقيقي لكل أدبٍ لا يزول". 

الوصية الباقية لشيخ الأدب

"إذا أردتم أن تكتبوا بصدق، اكتبوا كما تحكون، واذكروا الناس، فهم المعجم الحقيقي لكل أدبٍ لا يزول". 

ختاماً، إن ذكرى وفاته لا تذكّر برحيل كاتب، بقدر ما تمثل استحضاراً لمنهج حياة. فقد كان مرآة صادقة عكست وجه لبنان الشعبي بكل ما فيه من سحر وتناقض وجمال، فهو الرجل الذي جعل من الحكاية وثيقة حب، ومن السخرية سلاحاً لمواجهة قبح الواقع. لم يغب الراسي عن المشهد، إنما ترك لنا مفاتيح العودة إلى جذورنا كلما عصفت بنا رياح التغريب. وفي ظل التحديات المصيرية التي يواجهها الجنوب اليوم، يبقى صوته المميز بمثابة البوصلة التي تشير دوماً نحو التراب، مذكراً إيانا بأن الأدب الذي لا ينبع من الناس لا يمكن أن يخلد، وأن الأرض، مهما قست عليها الظروف، تظل الملاذ الأخير والرهان الرابح لمن لم يخن عهدها يوماً. رحل سلام الراسي وبقيت إبل السقي، وبقي الجنوب، وبقيت الكلمة الصادقة التي لا تموت، لتؤكد أن المعجم الحقيقي لأي حضارة هو صدى أصوات أهلها الصامدين.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث