أتحدّث عن صديقي جمعة الّلامي متذكّراً خصاله الأدبية والإنسانية، معيداً إلى الأذهان ألقابه التي اكتسبها من ممارسته كتابة القصص، والتصقت بشخصيته، ولا تزال ترافقه في غيابه وراء عالم الكتابة؛ فهو باني مدينة لام، واليشن والكرخاء. وهو مجنون زينب، ومتصوّف حديقتها الدائرية في شارقة الخليج.
رأيناه متردداً بين الضفاف القريبة والبعيدة، يلوح لك حاجّاً ببذلة ناصعة البياض، وحقيبةٍ من ذكريات كثيرة بعدد حبّات الرَّمل. وكان الانتقال من السجن إلى المنفى أطول تلك الرحلات، وأصعب أحوال الرحيل، حيث شحَّت على "العبّار" فرصة العودة إلى الضفة الأولى. (هل تصلح صفة العبّار بديلاً عن مفردة المنفيّ؟ لكنّها على أيّ استبدال، من مأثورات الّلامي الذي دأبَ على ابتكارها لحاله خاصّة).
ثمّ إنّه ابتكر كتابةً سردية هي وسط بين لغة الصحافة الخبرية ولغة التأمل الروحية، لذا امتزج في قصصه عالمان، هما واقع الحال ورؤيا العالم الآخر. أمّا شخصيات قصصه فتعدَّدت بتعدّد منازله واختلاف مواقعه؛ فإذا أردنا استحضارها واستنساخها بأسمائها الحقيقية والمستعارة، صعبَ علينا الأمر، إذ أنّ اللاميّ اصطحبها معه حين غادر عالمنا وانزوى بها للأبد.
وبالوفاء الذي نعرفه، والارتباط عينه بعالم الناس البسطاء، وبما حافظَ على شيء من واقعيّته، إلا أنّ انشقاقَه الروحيّ وطلبَه الرؤى بعيدة المنال، جعلاه يبحث عن مقتربات سردية جديدة، ولغةٍ تجمع بين التأمل الذاتي والارتقاء الشّعريّ، وشخصيات منزوية في الظلال. إنّ توقه لأسلوب خاصّ بتجربته، في المرحلة الثانية من رحلته الحياتية، جعله أيضاً بعيدَ المنال، مثل ملاك خفيف الأجنحة، لا يُمسَك له أثر (فهو السَّكران الأخير، كما كتبَ في قُصاصته).
سنبحث عن أثر هذا الكاتب الوجدانيّ- المجنَّح، بَحْثَنا عن زينب المجنون بحبّها؛ لكنّنا قد نرتدّ خائبين في بحثنا عن السبل البعيدة التي طرقَها، بزهد الدراويش وحنين الحمائم الساكنة قمم الدُّور المهجورة، في الأحياء التي ابتناها ثم هاجر منها. سنعجب كثيراً لمعاناته المرض، واحتمال ربقة العائلة، وجراح الذاكرة وصحائف الأعمال، ووحشة المزار وقلّة الزائرين.. ثم لعودة الجسد الهضيم، على خشبة جرداء، للتراب الجاحد!
لروحه العفيفة هذه، نُهدي ما نملكه من سُنن الكتابة، وباقات الذكرى اليانعة، وصبابة كأس مدينة "لام"- ذات العروش والرّايات- ثم نتذكّر من سِفرها الميسانيّ، مناجاةَ النفس قَدَرها.. وهي ترى الكأسَ محطّمةً أمام عينيها!




