عن ترامب وإيران ومعنى الحضارة

أسعد قطّانالأحد 2026/04/19
Image-1770760256
ترامب (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

 

ربّما لا يرى دونالد ترامب مانعاً من القضاء على الحضارة الإيرانيّة بأسرها. هذا ما قاله على الأقلّ. لكنّ الرجل لا يحاسَب على كلامه. فجزء من الظاهرة الترامبيّة يمكن تسميته "سيولة" (fluidity) الخطاب. هذه السيولة لا تكمن في الالتباسات وتبدّل الرأي في سرعة قياسيّة فحسب، بل تقوم أيضاً في الخطابيّة، أي الغلوّ في الخطاب، فضلاً عن المبالغات والأداء المسرحيّ الذي يتراقص بين الغضب والدونكيشوتيّة. هذا دونالد ترامب لمن لا يعرفه: ظاهرة سياسيّة غرائبيّة لا مناص من درسها. ولا ريب في أنّها تنمّ عن روح عصرنا المجروح بالتباسات التواصل المفرط، بحيث تهيمن السطحيّة ويتقهقر المعنى.

 

هذا كلّه لا يستتبع أنّ ترامب ليس جدّيّاً ولا يعرف ماذا يريد. لقد كان غايةً في الجدّيّة في حربه على إيران. وهو اليوم جدّيّ في ضغطه على مَن تبقّى من حكّام طهران عبر محاصرة حصار مضيق هرمز سعياً للوصول إلى صفقة. لو كان ترامب يعرف محمود درويش، لما تردّد ربّما في اللجوء إلى مقولته التي طارت بها الكتب "حاصر حصارك لا مفرّ"، وذلك كي يرفع شعاراً لسياسته المائيّة على تخوم بلاد فارس، حتّى لو أسفر ذلك عن إثارة حنق حليفه اللدود نتانياهو. لكنّ ما فات ترامب أنّ أيّ دولة في العالم، مهما بلغ جبروتها، لا تستطيع تدمير حضارة برمّتها. فالحضارة ليست مجرّد جسور وموانئ ومصانع طاقة، بل بالدرجة الأولى ديناميّة حياتيّة وفكريّة وثقافيّة تنبثق من الخبرة التاريخيّة، وتنغرس في الحاضر، وتمتدّ إلى المستقبل. الحضارة لا تصنعها البنية التحتيّة فحسب، بل تصنعها الطاقة الإبداعيّة التي تتغذّى من التراكم التاريخيّ، من دون أن تضحي أسيرة مقولات الماضي ومقدّماته وخلاصاته.

 

هذا الذي لم يدركه ترامب هو إيّاه ما لم ينتبه إليه حكّام إيران حين قرّروا أنّ لبنان جزء من مدارهم السياسيّ، وأصرّوا أن يلحقوه عبر الترغيب والترهيب وضخّ المال والسلاح بعمارتهم الإيديولوجيّة، التي يختلط فيها الكذب والقمع وإقحام الغيبيّات في السياسة. لم يفقه أرباب السلطة في إيران، ومعظمهم اليوم يثوي في لحود أو لا يزال مطموراً تحت الركام، أنّك لا تستطيع أن تلغي حضارةً برمّتها حتّى لو كانت حديثة العهد. فما بالك بحضارة بلد مثل لبنان تتأصّل في ثنيّات التاريخ، وتتّصف بخليط مذهل من الشعوب عاشوا على هذه الأرض أو مرّوا بها، وتتّصل اليوم بمدًى عربيّ واسع ينتسب إليه مئات ملايين البشر؟

 

العام 2016، حين كان رهط من الطلبة والأساتذة القادمين من ألمانيا يزور برسيبوليس، عاصمة الفرس القديمة، التي تقع على مقربة من شيراز الجميلة، قالت لهم المرشدة السياحيّة، وقد ترجّح شعرها الشيرازيّ اللون بين الانحجاب والانكشاف، إنّ النظام الحاكم في إيران ردّ البلاد مئات من السنين إلى الوراء مقارنةً بزمن الشاه. هذا، طبعاً، كلام فيه نظر لكونه يجنح إلى الإطلاق. لكنّه لا يغيّر طبيعة السؤال الذي ينبغي أن يطرحه على نفسه مَن بقي على قيد الحياة من حكّام إيران بعد الحرب الأميركيّة الشعواء: ماذا فعلوا بحضارتهم، التي ادّعى ترامب أنّه قادر على تدميرها؟ هل يستحقّ تخصيب الطاقة النوويّة ووهم الإمبراطوريّة القديم إذلال شعوب برمّتها من طهران إلى بيروت مروراً بصنعاء وبغداد والشام وغزّة؟ وهل يستوي على ميزان الأخلاق عطش الطواغيت إلى التبختر والتسلطن والتجبّر وجوع طفل واحد يلبس أسمالاً بالية، ولا يذهب إلى المدرسة؟

 

إنّها أسئلة لم يجب عنها دونالد ترامب حين أومأ إلى إمكان تدمير الحضارة الإيرانيّة. لكنّها أسئلة «حضاريّة» بامتياز، بمعنى أنّها تأخذنا إلى معنى الحضارة، وتحيلنا على كيفيّة فهم أيّ حضارة لذاتها. ستنتهي هذه الحرب التي تخوضها إيران عاجلاً أم آجلاً. وسيأتي يوم تُطرح فيه مثل هذه الأسئلة، كما يطرح بائع السجّاد العجميّ المغناج بضاعته أمام السيّاح كي يخلب ألبابهم، فيبتاعوا منها ما تيسّر ويصابوا بالإحباط لكونهم لم يشتروا أكثر. آنذاك، لا بدّ من أجوبة لن تكون سهلةً البتّة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث