"لاغراسيا": مَن يملك أيامنا؟

شادي لويسالسبت 2026/04/18
Image-1776461883
"لاغراسيا" يتحدث عن كل شيء آخر عبر معالجة السياسة بشكل مباشر
حجم الخط
مشاركة عبر

كما في فيلمه الأشهر، "الجمال العظيم" (2013)، يعود المخرج الإيطالي باولو سورينتينو في فيلمه الأخير"لاغراسيا" (2025) إلى تيماته المفضلة: التقدّم في العمر، ورجال الفاتيكان، والخيانات الزوجية القديمة، والموسيقى الصاخبة ذات الإيقاعات السريعة، والتناقض بين بهاء الحياة وسطحيتها. مرة أخرى يلعب توني سيرفيلو الدور الرئيسي، رئيس إيطالي متخيل في الفترة الأخيرة من ولايته. وهناك أيضاً رجل دين غرائبي، ومثل كثير من أفلام سورينتينو هو البابا نفسه، رجل أسود البشرة وبشعر مضفور على الطريقة الكاريبية وبحلق في إحدى أذنيه ويتنقل على دراجته النارية. الرئيس، قاضٍ سابق معروف باسم "الخرسانة المسلحة" بسبب صرامته وجفافه، وتطارده الهواجس بشأن إشاعة تقول إن زوجته خانته مع أحد أصدقائه قبل أربعين عاماً. ويبدو أن الرجل الذي نذر حياته المهنية للبحث عن الحقيقة، ووصل في هذا الشأن إلى المنصب الأكثر رفعة في بلده، يصطدم بعجزه الكامل حين يتعلق الأمر بالسر المستغلق في حياته الشخصية.

 

في بداية الفيلم، تظهر على الشاشة النصوص التي تعين وظائف الرئيس في الدستور الإيطالي. تلك السلطات شبه الإلهية الموروثة من الأنظمة الملكية تتناقض مع الممارسة السياسة في الواقع، حيث يظل منصب الرئيس رمزياً وتقع السلطة التنفيذية في مجملها في يد رئيس الوزراء، وتتناقض أيضاً مع الهشاشة الجسدية للرجل المتقدم في العمر، الذي يعيش برئة واحدة ويدخن خلسة بينما تجبره ابنته على تناول وجبات صحية من الكينوا، حتى لا يموت سريعاً كما يقول. في واحد من أكثر مشاهد الفيلم تعبيراً عن التناقض بين أبهة الطقوس الرسمية وبين تفاهتها، يقف الرئيس في مراسم استقبال الرئيس البرتغالي الأكبر سناً، ويسأل أحد مرافقيه: هل أبدو عجوزاً إلى هذا الحد مثله؟ وفجأة تنهمر الأمطار الغزيرة ونرى الضيف المسن وهو يتعثر بإيقاع بطيء ومن ثم يسقط أمام حرس الشرف، وذلك على خلفية من موسيقى زاهقة وشديدة التسارع.

أمام الرئيس ثلاثة قرارات في حاجة إلى الحسم قبل انتهاء ولايته، التوقيع على قانون"القتل الرحيم" الذي يقوم بتأجيله المرة تلو الأخرى. علاوة على قرارين للعفو، واحد عن امرأة دِينَت بقتل زوجها الذي داوم على تعنيفها، والآخر عن مدرس محبوب في بلدته قتل زوجته التي كانت تعاني من مرحلة متأخرة من الخرف. الفضيلة الوحيدة للرئيس هي تردده، أو كما يقول إن الغرض من البيروقراطية هو منعنا من اتخاذ قرارات متهورة. ولا يتغير موقفه سوى بعد مواجهة الواقع، حيث يرى حصانه الأثير يتألم بفعل إصابة لا يتعافى منها، وينصحه مساعدوه بإنهاء حياته لتخلصيه من المعاناة. مرة أخرى يقترب من الحقيقة، حين يقرر أن يزور المدرس المدان بالقتل ليستمع منه إلى قصته بشكل مباشر، في محاولة للإجابة عن السؤال القادر على حسم قرارته جميعاً: مَن يملك أيامنا؟

 

بينما تتحدث أفلام كثيرة عن السياسة ضمناً عبر معالجة موضوعات أخرى، يفعل فيلم "لاغراسيا" العكس بالضبط؛ أي يتحدث عن كل شيء آخر عبر معالجة السياسة بشكل مباشر. يظل مع هذا فيلماً سياسياً، لكن السياسة فيه هي حجة للحديث أو وسيط لطرح الأسئلة. كعادته، يختار سورينتينو عنواناً لفيلمه يحمل أكثر من معنى. "لاغراسيا" قد تعنى العفو أو النعمة الإلهية أو الأناقة أو الرحمة أو الجمال. وحين يلجأ الرئيس لصديقه البابا حتى يخرجه من حيرته، يجيبه بأن معنى النعمة هو "جمال الشك". "لاغراسيا" هو فيلم تأملي ومتعدّد الأوجه، ويبدو كل مشهد فيه وكأنه مشهد الذروة، وهو أقل أفلام سورينتينو صخباً، ولذلك يمكننا الاستماع إلى صوته بوضوح أكبر.

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث