ميشال عفلق وصدمة "الرسول العربي"

محمد حجيريالجمعة 2026/04/17
Image-1776414919
قال عفلق في محاضرته الشهيرة: "كان محمد كل العرب فليكن العرب اليوم كلهم محمداً"
حجم الخط
مشاركة عبر

في كتابه الجديد "العراقي الغامض/ قراءة متأخّرة في عقل صدام حسين"(دار النهار) يقول الباحث سليمان الفرزلي إن الإطار النظري لأفكار ميشال عفلق المعلنة، بقي يلفه الالتباس في جدلية "العروبة والإسلام"، منذ أن ألقى محاضرته الشهيرة، "في ذكرى الرسول العربي"، على مدرج جامعة دمشق، يوم الخامس من نيسان 1943، قبل أربع سنوات من تأسيس "حزب البعث". 

 

يضيف الفرزلي: "مما لا شك فيه (أن المحاضرة) أسيء فيها الفهم، وأسيء فيها القصد. كما أنّ مفاهيمها المزدحمة بالمصطلحات، كانت فوق مفهومية عامّة الناس، وخارج إطار الحركية الحزبية، لأنه طرح المسألة في إطار التجدد الإسلامي، وليس جعل البعث إسلاماً جديداً". وقد وقع كثيرون في الالتباس، كما يظهر من تفسير قدّمه عبد البر عيون السود، أحد أوائل المقربين من ميشال عفلق فقال: "إن إعجاب عفلق بالحركة التاريخية للإسلام كان قوياً لدرجة أن البعث يجب أن يعيد على نحو جديد هذه التجربة الإنسانية". وهذه العبارة تساوي القول بأن "البعث هو الإسلام الجديد"، لو لم يستدرك عيون السود موضحاً: "وبعبارة أخرى، فإن البعث في أساسه، يستطيع أن يستلهم تلك التجربة العظمى". 

 

وراكم المفسرون لأطروحة عفلق، في محاضرته، جملة من التناقضات والالتباسات يصعب تفكيكها، خصوصاً في ضوء التجربة البعثية في السّلطة. وهي أي المحاضرة كانت صدمة بالنسبة لمنظّر "القوات اللبنانية"، أنطوان نجم، إذ يروي أنه التقي ميشال عفلق في العام 1951 في طرابلس في منطقة أبو سمرا. كان ملاحقًا من النظام الانقلابي الثالث في سوريا الذي كان وراءه الرئيس أديب الشيشكلي. وسمع نجم عفلق يتكلّم عن أمور لم تنقر في جوّانيّتيه أيّ وتر. ولم يكن لما قاله أيّ صدى إيجابي في نفسه، على العكس. يقول نجم: "شعرتُ كأنه يعمل على استئصالي من تربتي، وعلى سلخي من جلدي، لأن الموضوع كان يدور حول العروبة من زاوية ذكرى المولد النبوي". ويضيف إنه منذ التقى ميشال عفلق "بدأت أشتري يومياً جريدة "العمل"(الكتائبية)، وكنت أرى فيها ما ينسجم تماماً مع تربيتي ومع غريزتي اللبنانية، وصرت متحفظاً إلى أقصى الحدود في استعمال كلمة عربي إلى حد التطرّف. ومنذ ذاك الوقت رحت أبحث عمن يفكّر مثلي، فتردّدت إلى بيت "الكتائب" وتعرفتُ الى شباب الحزب وقرأتُ ما تيسر مما قاله بيار الجميل، فارتحت الى ما لقيته".


فهم نجم أن تنظيرات عفلق العروبية تمس بمسيحيته، وأن العروبة قناع آخر للإسلامية، بينما فهم السياسي السوري نبيل الشويري، المحاضرة، على أنها لعبة انتهازية للوصول إلى موقع ما. وفي حوار مع الكاتب والصحافي صقر أبو فخر، صدر في كتاب تحت عنوان "سوريا وحطام المراكب المبعثرة.. حوار مع نبيل الشويري، عفلق والبعث والمؤامرات والعسكر"، يقول الشويري بأنه كان ينظر إلى عفلق كقديس ويعتبر نفسه أحد حوارييه، لكن ظنّه خاب، ووصفه بالرجل الانتهازي والطموح، يريد أن يكون له دور في سوريا، يجيد اللعب على الصيغ اللفظية. وكنوع من الرغبة في الوصول، وجد ميشال عفلق ما سماه الشويري "تلفيقة"، وهي محاضرة "ذكرى الرسول العربي" وربط فيها بين القومية والإسلام، "وهذا الخطاب الشهير وجد فيه المسلمون بديلاً من العقل الرجعي الذي يمثله الإخوان المسلمون، ووجد فيه الشباب أملاً فأعجبوا به كثيراً، أما الكبار فانزعجوا منه. المهم أنه وجد تلفيقة وأسس الحزب على أساسها".


أما الروائي الراحل، الياس خوري، فاعتبر محاضرة عفلق "محاولة توحيد علمانية". ونقرأ أصواتاً أخرى تحكي عن أسلمة عفلق. ففي سلسلة حوارات أجراها الصحافي غسان شربل مع مجموعة من "تلامذة" عفلق حول "القائد المؤسس" للبعث، شكَّل موضوع دخول عفلق الإسلام حيزاً من الحوارات. فقال بشارة مرهج، وهو بعثي سابق، إن النبي محمد حاز إعجاب عفلق وكان هذا الأخير يستعيد أفكار الرسول ويستعرضها، وكانت شخصيته ماثلة أمامه ورافقته طيلة حياته. وأخذ مرهج دليلا على كلامه محاضرة عفلق التي ذكر فيها: "كان محمد كل العرب فليكن العرب اليوم كلهم محمداً".


أما البعثي الآخر، معن بشور، فقال إن عفلق اعتبر أنه من الصعب أن تكون بعثياً من دون استيعاب الإسلام استيعاباً حقيقياً، ومحبته محبة حقيقية. إذا لم يكن البعثي مسلماً بالديانة، فعليه أن يكون مسلماً بالثقافة والحضارة والتراث والعاطفة. يضيف بشور أن عفلق اعتبر نفسه مسلماً لكنه لم يكن يحب إعلان ذلك كي لا يدخل في المزاد السياسي، وأن هذا لا يعني إنكاره مسيحيته بدليل أنه لم يفرض قناعته على عائلته، وكان يعترف أن موقفه إيماني. ويعتبر بشور أن عفلق لم يقفز فوق دور المسيحيين العرب، بل أكد أنهم "عندما تستيقظ فيهم قوميتهم يقظتها التامة، ويسترجعون طبعهم الأصيل، سيعرفون ان الإسلام لهم ثقافة قومية يجب أن يتشبعوا بها حتى يفهموها ويحبوها فيحرصوا على الإسلام حرصهم على أثمن شيء في عروبتهم"، داعياً الجيل الجديد من المسيحيين العرب إلى "مهمة تحقيق هذه الأمنية بجرأة وتجرد، مضحين في سبيل ذلك بالكبرياء والمنافع، إذ لا شيء يعادل العروبة وشرف الانتساب إليها".

 

لكن التأثير الأكبر لمحاضرة عفلق كان في ياسين الحافظ، وقدمها في إطارها الثوري، قرأها في كراس مطبوع، ووصفها بأنها "بيان الحركة القومية العربية على غرار البيان الشيوعي للحركة العمالية الاشتراكية في الغرب الرأسمالي".

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث