برلمان "أرطة حنيكر" السرّية...الذي أسّس سوريا السياسية

إبراهيم الجبينالجمعة 2026/04/17
Image-1776409519
المشاركون في المؤتمر السوري العام 1919
حجم الخط
مشاركة عبر

ما زالت العوامل الدافعة ذاتها تفعل فعلها في المشهد السوري، رغم مرور قرن من الزمان على نشوء هيكل البرلمان السوري الأول، المؤتمر السوري العام الذي اعتبر كثير من المؤرخين أن أسباب تشكيله في العام 1919 إنما كانت "أسباباً خارجية"، أكثر من كونها تعبّر عن توجّه لدى الساحة الداخلية السورية نحو تشكيل كيان برلماني يمثّل الشعب ويتحدّث باسمه. غير أن ذلك لا ينفي أن المؤتمر السوري الكبير كان أول تمظهر "حديث" للكيان السوري الجديد، بعد زوال الدولة العثمانية عن بلاد الشام، فكيف وقد نشأ المؤتمر كبرلمان لدولة لم تنشأ بعد؟

 

نجح المؤتمر في أن يكون مسرحاً سياسياً، وبيئة ولّدت الأحزاب، والدستور بالتأكيد، كما خلق مناخاً للحوار والجدل وتبادل الرأي والتعبير الأعلى عن أن السوريين قادرون على تقديم تصوّرات سياسية عن مستقبل بلادهم، وربما صقلِ خطاب منظّم يعكس إرادة شعبية اجتماعية أخذت تتبلور.

 

وفيما كان السوريون يبحثون عن هوية وطنية جديدة بعد الهوية العثمانية، كان عليهم أن يقبلوا بممثليهم السابقين إلى مجلس "المبعوثان" العثماني، الذين انتخبوا في العام 1914 ليكونوا ممثليهم الجدد إلى المؤتمر السوري العام، بينما جاء آخرون يحملون توكيلات من مناطقهم، وهي حالة أقرب إلى التزكية والانتخابات التركيبية التي تفرضها الظروف غير الطبيعية للبلاد.

 

وعلى الرغم من ذلك التمثيل غير العصري، استطاع المؤتمر أن يجري على ألسنة السوريين نقاشات مهمة، وبالقياس مع ما رفعه المؤتمر الكبير من لاءات وما اعتبره خطوطاً حمر وقتها، ومع ما نتج عنه وعن نسخه المتتالية، سنجد أن رفضه لاتفاقية سايكس بيكو لم يغيّر شيئاً في أرض الواقع، فقد تم تقسيم سوريا إلى دول وفقاً لما قرّرته القوى الدولية الفاعلة آنذاك، وسوريا التي رآها أعضاء المؤتمر آنذاك، مختلفة تماماً عن سوريا اليوم.

 

كانت قد تأسست، تلك الأيام، هيئة عرفت باسم "الجبهة الشعبية في دمشق" شكّلها المثقفون السوريون والفلسطينيون واللبنانيون والعراقيون والحجازيون والمغاربة ممن كانوا يفدون إلى العاصمة، ومما انبثق عنها من لجان "لجنة الدعاية للوحدة العربية"، "لجنة العمل للوحدة السورية"، و"لجنة الإخاء الوطني" التي برز من أعضائها رياض الصلح وفؤاد الشهابي، بالإضافة إلى "لجنة الاحتفاء بالزائرين"، و"لجنة الدفاع عن الاستقلال" التي قادها الشيخ كامل القصاب. وضمن تلك اللجان تأسس "النادي العربي" وكُلّف بإدارته سامي العظم، ويصف يوسف الحكيم ذلك النادي بأنه كان مثل سوق عكاظ، لكنه يختلف عنه باستمرار تدفق المثقفين عليه وانصرافهم جميعاً إلى العمل السياسي. ومن أجل ذلك كانوا يعقدون الندوات وينظمون المحاضرات ("سورية في العهد الفيصلي" يوسف الحكيم، دار النهار ببيروت 1986).

Image-1776409603

في شارع بورسعيد بدمشق، وفي قاعة النادي العربي، الذي تواجهه محلات السهر والملاهي في ما سيعرف لاحقاً بشارع شيكاغو، عُقد المؤتمر السوري الكبير، وكان ذلك قبل أن يتخذ مقرّاً خاصاً له في الطابق الأول من بناء العابد في ساحة المرجة

 

كانت المرحلة انتقالاً حادّاً وسريعاً بين عهدين، مرحلة مشوشة بامتياز، ولم يكن في الساحة السورية سوى جمعية "العربية الفتاة" التي كان الأمير فيصل بن الحسين عضواً فيها، وفي سياقها نمت جمعية سرية لتحكم سوريا باسم العهد العربي من الباطن، وقد بلغ عدد أعضاء هذه الجمعية السرية  181 عضواً، عُرفوا بلقب "رجال الغيب” و"أولاد حنيكر" أو "أرطة حنيكر" في استعارة من التعبير الشعبي اللبناني الذي يصف مجموعة من الدهاة، كما يروي محمد عزة دروزة في مذكراته في المجلد الأول الصفحة 418 الصادرة عن دار الغرب الإسلامي عام 1993. و"الأرطة" في اللغة التركية العثمانية كانت تعني "كتيبة"، ومن أكثر الأرطات شهرة الأورطة المصرية التي شاركت في حرب استقلال المكسيك سنة 1863. ويقول دروزة إن أولئك الدهاة، وهو واحد منهم، شكّلوا حينها حزب "الاستقلال" ليكون مجرّد واجهة لهم، لأنهم وجدوا أن كثيرين ممن يعملون في السياسة من مختلف الأديان، وحتى أعضاء في المؤتمر، في ذلك الوقت لا يرقون لمستوى عضوية "العربية لفتاة". ولم يكن كثيرون من "رجال الغيب" يعرفون أسماء زملائهم من المنضوين تحت لواء تلك الجمعية السرية العميقة التي كانت تمسك بخيوط اللعبة مع فيصل، متغلغلة داخل المؤتمر والحكومة والبلاط وبقية المؤسسات الناشئة.

 

كانت الضغوط تحيط بفيصل من كل اتجاه، من الفرنسيين والبريطانيين، ولم يكن لديه سوى الاعتماد على وعد الولايات المتحدة الأميركية ودعمها لاستقلال سوريا. وكان فيصل قد سمع في مؤتمر الصلح أن الجيش الفرنسي سيحتل سوريا، بدلاً من الوجود العسكري البريطاني الداعم للثورة العربية. لكنه حصل على وعد من كليمنصو بمنح الاستقلال لدولة عربية تشمل سوريا الطبيعية والحجاز.

 

اجتمع فيصل في التاسع من أيار 1919 عندما رجع من باريس إلى دمشق مع الوجهاء السوريين وأبلغهم بما قيل له في مؤتمر الصلح، وفوّضه هؤلاء بتشكيل تمثيل شرعي لسوريا لتحقيق ما حصل عليه من وعود. وقال لهم في ذلك اليوم "نحن لا نرضى في سوريا أن نبيع استقلالنا بما نحتاج إليه من معونات في ابتداء تكويننا". وللمرة الأولى في تاريخ العرب الحديث، تمّت الدعوة إلى إعلان حكومة عربية مسؤوليتها حكم سوريا، بعد العهد العثماني، في الخامس من تشرين الأول 1918. على إثرها تم تشكيل "حكومة المديرين" التي رأت في الأمير فيصل مرجعية لها.

 

برلمان بمهام محددة سلفاً

تم تشكيل "المؤتمر- البرلمان" من 107 أعضاء كانوا يمثّلون المناطق السورية الثلاث، سوريا الداخلية، سوريا الساحلية، وسوريا الجنوبية. ونظّمت "حكومة المديرين" أول انتخابات نيابية في سوريا تم الدعوة إليها تحت عنوان "انتخابات المؤتمر السوري العام" على أساس النظام الانتخابي العثماني القديم. ومن مفارقات تلك الانتخابات أن مرشحي دمشق الـ 16 فاز منهم 14 قيادياً من التقليديين، ولم يفز من الشباب إلا نسيب البكري وفايز الشهابي.

 

في منزل عطا الله البكري، فاجأ فيصل كبار الملاك والأعيان الدمشقيين بانحيازه إلى "الجبهة الشعبية" وهي الجيل الجديد من الشباب السياسيين، بمقابل المحافظين والتقليديين من ممثلي المجتمع الدمشقي. وكان حاضراً في الاجتماع فوزي العظم وعبدالرحمن اليوسف. لكن نجم عن ذلك الاجتماع انتخاب توافقي استباقي لفوزي باشا العظم رئيساً للمؤتمر وعبد الرحمن باشا اليوسف نائباً له. وكان المؤتمر يضم ممثلين عن الطوائف الإسلامية والمجتمعات المختلفة، كشيوخ القبائل والأعيان والوجهاء وكبار المُلاك والإقطاعيين، ومُثّل المسيحيون فيه بعشرين عضواً، وتم تمثيل اليهود السوريين بنائب واحد هو يوسف لينيادو.

 

في الجلسة الأولى من جلسات المؤتمر السوري والتي عقدت يوم 3 من حزيران 1919 تم التوافق على الاستقلال، وعلى "برنامج دمشق"، وجرت مناقشة الخيارات المتاحة حول أيٍ من دول العالم ستكون الداعم الأبرز لسوريا، بالطبع كانت الولايات المتحدة، وبريطانيا، لا فرنسا. وذلك حسب جمال باروت، في بحثه المكثف المنشور في مجلة "تبيّن" بعددها الثالث الصادر في شتاء العام 2013. 

 

اللافت في بدايات عمل المؤتمر المبكرة هو ظهور توجه واضح إلى مراعاة ما سمّي بأوضاع "الأهالي" في بعض المناطق السورية، كجبل العرب وحوران، حيث وافق فيصل على أن يكون لهذه المنطقة قوانين خاصة تختلف عما سيطبّق في بقية الأراضي السورية.

 

إنجاز تلك المرحلة تمثّل أيضاً في إقرار لجنة لإعداد الدستور برئاسة هاشم الأتاسي تضم في عضويتها سعد الله الجابري، الشيخ عبد القادر الكيلاني، ووصفي الأتاسي، وإبراهيم القاسم عبد الهادي، وسعيد حيدر، وعثمان سلطان، والشيخ عبد العظيم الطرابلسي، وتيودور أنطاكي، وعزة دروزة.

 

وقد اعتبرت ماري ألماظ شهرستان في كتابها "المؤتمر السوري العام 1919 – 1920" الذي صدر عن دار أمواج ببيروت العام 2000 أن المؤتمر نجح في إنجاز العديد من المهام وتصرّف كبرلمان شرعي للبلاد، فقد "راقب الحكومة وحاسبها، وصولاً إلى حجب الثقة عنها في جلسة 2 أيار 1920". كما قابل لجنة "كينغ – كرين" الأميركية المكلّفة باستفتاء السكان في سوريا. والأهم أن المؤتمر وضع أول دستور سوري من إعداد السوريين أنفسهم.

 

كيف نظر المؤتمر إلى السلطة التنفيذية؟

كان فيصل قائداً سياسياً وزعيماً لا منافس له في الساحة السورية، ولم يطرح أحدٌ من السوريين فكرة إحلال بديل عن فيصل حينها، لكن حين نشأ المؤتمر ووضع الدستور برزت الحاجة إلى رسم شكل للعلاقة مع فيصل خاصة بعد تسميته ملكاً. وهكذا أقرّ الدستور أن الملك في سوريا "محترم وغير مسؤول"، وفقاً للمادة الثامنة من مواده. لكن المؤتمر احتفظ لنفسه بكونه المرجعية العامة للشؤون كافة.

 

لم يكن المؤتمر ملتزماً بالحدود السياسية الدولية التي تم الاتفاق عليها في مؤتمر الصلح، وكان اتجاهه قومياً عربياً، حتى أنه طالب بالاتحاد مع العراق وقبل تعيين وزير عراقي في الحكومة السورية بدمشق في وزارة رضا الركابي. ورسّخ المؤتمر خطاباً سياسياً، كان الأول في التاريخ السوري المعاصر، وعليه بنيت تقاليد العمل السياسي السوري، حسب شهرستان، على مستوى "علاقة مؤسسات الدولة بعضها ببعضها الآخر، أو من خلال تأثيره في طبيعة النص السياسي للدولة وتطوير هذا النص بإكسابه جملة من الثوابت القائمة على آليات عملية".

 

بوادر الصراع مع رأس السلطة، فيصل، كانت قد بدأت منذ أن رسم الأخير للمؤتمر دوره في الجلسة الافتتاحية، حين قال إن مهمة هذا المؤتمر هي في تمثيل الشعب أمام لجنة "كينغ – كرين" الأميركية، أولاً، ثم وضع الدستور ثانياً. أي أنه لم يطرح عليه أية أدوار تعنى بالتمثيل النيابي الحقيقي للشعب، أو في ممارسة دور السلطة التشريعية. وحين كان المؤتمر يحاول التدخل في في شؤون الحكومة، كما في دورته الثانية خلال مرحلة الاستبدال العسكري البريطاني الفرنسي، كان يقع صدام مع فيصل، أدى في نهايته إلى استقالة الحكومة، وتعليق جلسات المؤتمر ونشوء فراغ في السلطة بلغة اليوم.

 

من جهة أخرى، كان هذا المؤتمر هو أول برلمان سوري يعيش تجربة الحياة النيابية على أرضه، لا كما في تجربة مجلس المبعوثان، ولهذا برزت مشكلة عدم وعي المؤتمر بدوره، كما تقول شهرستان، على الأقل في الدورة الأولى، باعتبار أن الجميع كان يرى في فيصل الممثل الأفضل لسوريا في كافة الشؤون، ولا ضرورة لتقويم تمثيله لها أو مراجعته. لكن بعد المأزق الذي وجد فيصل نفسه فيه بمواجهة سياسات الأوروبيين، سيضطر قريباً إلى اللجوء إلى المؤتمر، لإعلان الاستقلال.

 

إرساء تقاليد السياسة 

اتضحت أمام المؤتمر كسلطة تشريعية وأمام الحكومة كسلطة تنفيذية جملة التحديات الداخلية والخارجية، وعندما اقترب موعد استكمال الاستبدال والبدء بالانتداب الفرنسي على سوريا، انقسمت الآراء بين جيل من السياسيين والعسكريين أصر على المقاومة، وجيل آخر كان يفضّل مهادنة القوى الاستعمارية

 

وصل الجنرال غورو إلى بيروت مندوباً سامياً على سوريا ولبنان، وبعد وصوله بأربعة أيام فقط، قام الجيش البريطاني بنصب فخ لوزير الدفاع السوري (رئيس ديوان الشورى الحربي) طه الهاشمي واعتقاله وإبعاده إلى الرملة، لأنه كان رأس حربة المنادين بمقاومة الانتداب، وكان قد بدأ بخطوات عملية لجمع السلاح وتنظيم المتطوعين في الجيش العربي. وأنكر فيصل معرفته بالأمر، وثار غضب المؤتمر السوري والشارع معاً، وخرجت المظاهرات في المدن السورية، وصدرت الصحف بصفحات أولى سوداء للتعبير عن الاحتجاج. وعُقدت جلسة سرية للمؤتمر في 22 تشرين الأول 1919 رفض فيها أعضاؤه الاستبدال والانتداب، وهذه المرّة عبّر المؤتمر عن نفسه بأنه "الممثل القانوني والسياسي للأمة السورية".

 

ولد آنذاك مصطلح جديد على لسان محب الدين الخطيب، هو مصطلح "الرأي العام السوري" الذي عبّر عن رفضه لما يُخطّط له من تقاسم لسوريا بين الفرنسيين والبريطانيين. وقد كتب الخطيب ذلك في افتتاحيته لعدد صحيفة “العاصمة” الصادر يوم 23 تشرين الأول 1919. وتوتّرت العلاقة ما بين فيصل والمؤتمر، وروى الجنرال ألنبي أن فيصل كان يعرقل دعوة المؤتمر إلى الانعقاد بعد عودته من باريس وتوقيعه للاتفاق مع كليمنصو، الاتفاق الذي يمنحه نصف استقلال على المنطقة الشرقية، أو سوريا فقط. كان فيصل قد فقد أمله باتفاقه مع كليمنصو بعد خسارة الأخير للانتخابات في مطلع العام 1920، ولم يبق أمامه سوى المؤتمر الذي عقد جلسة برئاسة هاشم الأتاسي يوم السادس من آذار عام 1920 وفيها طالب عوني عبد الهادي، الكاتب الخاص، المؤتمرَ النظر في تقرير شكل الدولة ووضع دستور

 

ويلاحظ المؤرخ الأميركي جيمس ل.غيلفين في كتابه "الولاءات المتضاربة: القومية والسياسة الجماهيرية في سورية مع أفول شمس الإمبراطورية" والذي ترجمه الباحث والمؤرخ عمر الملاح، وصدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة عام 2021، أن دعوة فيصل لأعضاء المؤتمر إلى الانعقاد طلبت منهم اختيار نظام حكم مناسب لسوريا في المستقبل، من دون الإشارة إلى إعلان الاستقلال. لولا تدخل الشيخ كامل القصاب، الذي طالب بالاستقلال الكامل لكل أرجاء سوريا الطبيعية، بما في ذلك فلسطين، وهو الخطاب الذي بادرت “اللجنة الوطنية” التي تزعّمها القصاب إلى توزيعه في الأحياء، عشية قرار المؤتمر بإعلان استقلال سوريا الطبيعية.

 

اتخذ المؤتمر قراراً تاريخياً بإعلان استقلال سوريا ومن ضمنها فلسطين بحدودها الطبيعية "استقلالاً تاماً"، مبنياً على الأساس المدني النيابي، ورفض إقامة وطن يهودي في فلسطين، وحفظ حقوق الأقلية. واشترك في صياغة قرار الاستقلال، آنذاك، نائب رئيس المؤتمر مرعي باشا الملاح. وعن تلك الجلسة كتب رشيد رضا "اقترح بعض أعضاء المؤتمر في هذه الجلسة أن ينص في قرار المؤتمر على أن حكومة سوريا المتحدة لا دينية (لاييك). انقسم أعضاء المؤتمر حول هذا، وافق بعضهم وعارضه آخرون، مقترحين أن ينص فيه على أنها حكومة عربية إسلامية، ودينها الرسمي الإسلام".

 

كان رأي رضا أن يجري التغاضي عن تلك المسألة بدلاً من إثارتها، ويبيّن ذلك بقوله "ومما قلته إن إعلان كونها لا دينية يفهم منه جميع المسلمين أنها حكومة كفر وتعطيل، لا تتقيد بحلال أو حرام، ومن لوازم ذلك أنها غير شرعية، فيجب عدم طاعتها وعدم إقرارها، بل يجب إسقاطها عند الإمكان، فالأولى السكوت عن ذلك. فوافق الأكثرون على هذا الرأي والاكتفاء باشتراط أن يكون دين ملكها الرسمي هو الإسلام فتقرّر ذلك".

 

ومما دوّنه رضا عن عمل المؤتمر ذلك النقاش الذي دار في بيت الركابي قبل جلسة إعلان الاستقلال بأسبوع، وقريباً كان الشيخ سينتخب رئيساً للمؤتمر بعد إعلان تشكيل حكومة هاشم الأتاسي، فقال عن ذلك اللقاء "اجتمعنا ليلة الاثنين البارحة بدار الركابي للمذاكرة في المسائل التي تتعلق بالاستقلال أيضاً. كان أهم ما ألقي فيها من البحث: هل يكون للحكومة (شيخ إسلام) أم وزيراً للأمور الشرعية أم لا؟ قال بعضهم بالسلب (أي لا حاجة إلى وزير ديني أو إسلامي) وبعضهم بالحاجة إلى رئيس ترجع إليه أمور المحاكم الشرعية والأوقاف، ثم طلبوا مني أن أبيّن رأيي في الموضوع، فتكلّمت من وجوه: مكان العرب في الإسلام وإمامة المسلمين الذين يقتبسون دينهم ويعبدون ربهم بلغتنا، ويحجون إلى بلادنا ناسكين وزائرين. كون هذا الأمر قوة أدبية وسياسية واقتصادية لنا، لا يمكننا الاستفادة منه إلا إذا كانت لحكومتنا صفة إسلامية. استفادة الترك من انتحالهم لمنصب الخلافة، وجعل دين حكومتهم الإسلام، من عطف مئات الملايين من مسلمي الأقطار وانتصارهم لهم إلى الآن. وكون العرب في جزيرة العرب وغيرها، لا يمكن جمع كلمتهم وتكوين وحدتهم إلا بدعوة دينية، ولا يمكن لسوريا ان تبقى مملكة مستقلة الا باتحادها مع غيرها من البلاد العربية المتصلة بها. وكون السواد الأعظم من العرب مسلمين يغارون على الإسلام. وما تقرر من علم أصول القوانين من كون القانون لا يكون صالحاً للأمة إلا اذا كان مراعيا فيه عقائدها وعاداتها وتاريخها. وعلى هذا يجب أن تكون الشريعة هي المستمد لأعظم القوانين التي تحتاج إليها على فرض عدم تدين حكومتنا بالإسلام". وفقاً لما جاء في كتابه "رحلتان إلى سوريا 1908 – 1920" الذي حقّقه زهير أحمد ظاظا وأصدرته المؤسسة العربية للدراسات والنشر ومركز ارتياد الآفاق عام 2001.

 

اتخذ المؤتمر قرار الاستقلال الذي ألقاه محمد عزّة دروزة من شرفة مبنى البلدية بدمشق في 8 من آذار1920. وبعد إعلان الاستقلال تغيّرت الأحوال، ومثّلت مجادلات رشيد رضا لفيصل نموذجاً متقدّماً آنذاك. كان رضا يرى المؤتمر على ثلاثة صنوف، وكتب في يومياته بصحيفته "المنار" سلسلة من المقالات صدرت لاحقاً في كتاب إن المؤتمر "كان فيه طائفة من المحافظين على القديم من أمور الأمة وتقاليدها، وطائفة من المولعين بالجديد الأوروبي، وطائفة من المعتدلين بين جمود أولئك وخفة هؤلاء".

 

كانت لدى رضا هواجس تتعلق بهوية الدولة الجديدة، كتب أنه زار فيصل وناقشه في ذلك، وقال "تكلّمنا خلوة في المسائل الثلاث: السورية والعربية والإسلامية، كلاماً إجمالياً وهو مرتاح لذلك، وقال: إن الأخيرة (أي الإسلامية) لم يسبق له تفكير فيها. أما الثانية فكان يريد أن يسعى لجمع كلمة زعماء العرب واتفاقهم".

عبد-الرحمن-الشهبندر.jpg
عبد الرحمن الشهبندر

ولعل ما يستوقف المرء في تلك العلاقة مع الملك، اقتراحٌ كان قد تقدّم به رضا بتعيين عبدالرحمن الشهبندر وزيراً في الحكومة، وقد تمّ ذلك، واقتراح آخر تقدّم به إليه بتعيين يوسف العظمة وزيراً للحربية ورئيساً للحكومة، فلم يستسغ فيصل هذا الاقتراح معتبراً أن سنّ العظمة لا تسمح له بتولي هذا المنصب الكبير، علاوة على أنه لا يريد أن يكون طابع الحكومة حربياً بتكليف من هذا النوع، رغم أنه بيّن أنه يحبّه ويثق فيه. وفي موقف آخر يروي رضا، وسأذكر دوماً أنه كان رئيس المؤتمر، كيف أن الأمير زيد، شقيق الملك، زاره في يوم من أيام حزيران 1920 وتداول معه في استبداد فيصل بالحكومة وتدخلاته المستمرة في عملها، فاعترف الأمير زيد بفساد كثير من حاشية بلاط الملك، ورأى أن عليه استبدال هؤلاء بمن هم أكثر نزاهة.

 

ورأت شهرستان أن تقاليد المؤتمر تمحورت حول مبدأين اثنين: الأول استقلال البلاد، والثاني الديموقراطية كضمانة للوحدة الاجتماعية وللحقوق العامة والخاصة. ولعلّ توقفها أمام المصطلحات السياسية التي اعتمدها المؤتمر السوري، يحمل دلالات كبيرة، فهو يعبّر عن الكيفية التي تطوّرت خلالها نظرة المؤتمر إلى سوريا، انطلاقاً من استخدامه "البلاد السورية" في قرار 2 تموز 1919، ثم "الأمة العربية، سورية، البلاد السورية، الأمة السورية، الأمة السورية العربية" في قرار الاستقلال 7 آذار 1920، و"الوحدة السورية، الأمة السورية" في قرار 15 تموز 1920، وأخيراً "الأمة السورية، الأمة، المملكة السورية" في قرار 19 تموز 1920.

 

عاش المؤتمر بعد إعلان الاستقلال 135 يوماً فقط، كانت مساحة من العمل المباشر مع مختلف القطاعات، وواجه فيه العديد من الاختبارات، عرف أعضاؤه كيف يسير عمل الحكومة، وعرفت الحكومة أنها لن تستطيع العمل بلا ظهير يشرعن خطواتها ويراقب أداءها. وخلال تلك الأيام رسم المؤتمر ملامح المواطنة السورية على أنها حقٌّ لكل "فرد من أهل المملكة العربية السورية" دون أن يقيّد ذلك بعرقه أو لغته أو ثقافته، كما حدّد الدستور، ونشأ مجال حيوي نشط، وصدرت 21 صحيفة سورية، كما نوقشت قضايا الهوية والمرأة وحقوقها، وعلاقة الدين بالدولة، والمركزية، واللامركزية في جلسات المؤتمر، وانعكس بحثها على مواد الدستور بوضوح. أضف إلى ذلك كلّه ذاك التوجه "العلماني" للدستور السوري آنذاك، والذي نتج عن طبيعة المناقشات داخل المؤتمر، فقد أقرّ دين الملك الإسلام، لكنه لم يلزمه بقسم ديني، وأقرّ أيضاً احترام كافة المعتقدات وعدم التفريق فيما بينها.

 

يصف رشيد رضا الشهر الأخير من عمل المؤتمر السوري على الشكل التالي "ما شغلنا عن عقد هذه الجلسات وهو تصدي فرنسا للعدوان على استقلال البلاد، وسلوك الملك فيصل ووزارته مسلكاً غير مرضٍ للمؤتمر العام"، ويضيف "كان الشعب كله مع مؤتمره ومع الحزب والجمعية الوطنية، ولهذا تحوّل عن الملك فيصل، حتى يصحّ أن يقال إنه لم يبق معه إلا أفراد من الموظفين الرسميين عنده ومن المتهمين بالاتصال به لأجل المنافع الشخصية". كما أورد في كتابه "رحلتان إلى سوريا" الذي سبقت الإشارة إليه.

 

كانت كلمات رئيس المؤتمر في شرح أوضاع سوريا ودور المؤتمر، الأكثر تعبيراً عن الحال التي وصلت إليها سوريا آنذاك، بسبب ضعف الحكومة وفساد بلاط الملك، وعدم إصغاء الأخير إلى مشروع تقدّم به رشيد رضا ذاته لتوحيد العشائر العربية للدفاع عن دمشق في وجه الفرنسيين. ذلك المشروع الذي قال عنه إنه لو تحقق لما كان دخول الجنرال غورو إلى دمشق هيناً. لكنه يئس من محاولة إقناع فيصل به. وحين نقول فساد بلاط الملك، فإن هذا لا يقتصر على البذخ في الصرف وحده، وإنما يشمل سوء تنفيذ خطة قيل إن فيصل كان قد اتبعها بتمويل ما سماها رئيس المؤتمر "عصابات" تتجهّز لمقاومة الفرنسيين، بإدارة "سماسرة" مقرّبين من البلاط الفاسد. وقد اكتشف الفرنسيون ذلك بعد سرقة دفتر "يوميات الملك المالية" الخاص من جيبه، وإصرار رجال البلاط على عدم إتمام التحقيقات في السرقة.

 

بل إن المؤتمر أصرّ، حتى اللحظة الأخيرة، على ممارسة كافة صلاحياته في مناقشة الدستور وتعديل مواده، وفي جلسة 17 تموز عام 1920 وبينما كان المؤتمر يناقش المادة الثامنة من الدستور بعد إنجاز المواد السبع الأول، قاطع وزير الحربية يوسف بك العظمة الجلسة، وألقى بيان الحكومة، على وقع تقدّم المدرّعات الفرنسية لفرض الانتداب، فعلّق المؤتمر جلسته. وبعد يومين اجتمع المؤتمر في جلسة استثنائية واتخذ قراراً بالإجماع نصّ على اعتبار كل حكومة تقبل الشّروط الفرنسيّة غير شرعية. هنا افترقت طريق فيصل عن طريق المؤتمر، فأوعز إلى الحكومة بإصدار أوامر تخالف قرار المؤتمر، وتقبل بنود إنذار غورو في 20 تموز 1920، وشرع بتنفيذ بعض البنود.

Image-1776409831
يوسف العظمة

كان الأوان قد فات. وبدأ الغزو الفرنسي الذي واجهه جيش المتطوعين ووزير الحربية يوسف بك العظمة في ميسلون صبيحة يوم 24 من تموز 1920 لحماية العاصمة دمشق.

 

قّتل يوسف العظمة وتم احتلال دمشق. وانتقلت الحكومة السورية مع فيصل إلى الكسوة، وهناك قرّر فيصل لعب الورقة الأخيرة مع الفرنسيين، فشكّل حكومة جديدة برئاسة علاء الدين الدروبي الذي أبقى على ثلاثة وزراء من الحكومة السابقة، هم فارس بك الخوري، جلال الدين زهدي، ويوسف الحكيم، وضمّ إليهم أربعة وزراء جدد هم جميل الألشي، عطا الأيوبي، عبدالرحمن باشا اليوسف، بديع المؤيد. وقد خلت هذه الحكومة من وزير للخارجية إقراراً منها بأن هذا الشأن لم يعد سورياً بل انتقل إلى سيادة الفرنسيين.

 

اجتمع الجنرال غوابيه، قائد الحملة العسكرية التي احتلت دمشق، مع الحكومة السورية الجديدة، وأبلغهم بأن فيصل هو المسؤول عما آلت إليه الأمور في سوريا، وأن استمراره في الحكم "غير ممكن". وفي اليوم التالي أعلن الجيش الفرنسي عن تأسيس محكمة عسكرية لمحاكمة من عارضوا فرض الانتداب وأصدرت أحكاماً بالإعدام والسجن، وحلّت كل القوى العسكرية السورية. وأصدر المجلس العسكري الفرنسي حكماً بالإعدام ومصادرة الأملاك على كل من عبد القادر سكر، شكري الطباع، أحمد قدري، خير الدين الزركلي، توفيق فرج، خليل بكر ظاظا، ورياض الصلح ورفاقهم بسبب ارتباطهم بإدارة النادي العربي، وأمرت وزارة الداخلية بإغلاق هذا النادي لأنه اشتغل بالسياسة، بينما كانت الغاية من تأسيسه اجتماعية ثقافية! النادي العربي ذاته الذي ولد فيه المؤتمر السوري، أول برلمان وطني مارس دوره التشريعي في تاريخ سوريا الحديث.

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث