زياد الرحباني صارخاً في وجه كل هذا الجنون

فاطمة بزيالخميس 2026/04/16
بطرس.jpg
زياد مع بطرس فرح في "بالنسبة لبكرا شو"
حجم الخط
مشاركة عبر

يمنح زياد الرحباني حضنًا دافئًا وحنونًا لكل لبناني بمسرحياته، خصوصاً اليوم، في هذه الحرب، ومن خلال عرضَي "فيلم أميركي طويل"(1980) و"بالنسبة لبكرا شو؟"(1978) في سينما "متروبوليس". يعطيهم شعورًا صادقًا وعميقًا بأنهم ليسوا لوحدهم وأنهم غير متروكين، وهناك، في مكان ما، شخص كزياد، كان قد فكر فيهم، في أوجاعهم وجروحهم وانكسارات قلوبهم وأرواحهم المرهقة.

 

زياد يلمس الوجع ويضمد الجراح بذكاء لامع وضحكة تأتي من حزن عميق وجراح ما زالت تنزف.

كيف يقبل زكريا (زياد الرحباني) أن تعمل زوجته ثريا (نبيلة زيتوني) ما تعمل، لتأمين حياة عادية، وليست حتى كريمة لأولاده، في بيروت. "عم جرب بيتنا نقعد فيه مش نهرب منه" تقول ثريا، كما هو حال اللبنانيين مع بيوتهم ووطنهم. يدوس على كرامته بقبوله عمل زوجته "البراني"، وبتحمّل إهانات الزبائن السكارى ومعاملة أرباب عمله الاستغلالية. يقول لنجيب (رفيق نجم): "الفقر بفزع يا نجيب".

 

فعلًا وما "يفزع" أكثر التهجير والفقر. تنظر إلى الخيم  في بيال والزيتونة عند واجهة بيروت البحرية. ترى المهجّرين قسرًا يجلسون في العراء أمام الحطب الذي أشعلوه. كيف ينامون؟ كيف يغتسلون؟ كيف يتّقون المطر ورياح الشتاء والبرد؟ "قَطعِة شارع" تبعدهم عن حياة أخرى، بمياه ساخنة وبيوت مرتب" وكهرباء لا تنقطع، وأبواب موصدة لا تخترقها رقة إنسانية.

ييس.jpg

لم يعرف زياد وقتها، عندما ذُكرت في افتتاحية "فيلم أميركي طويل" ملاحظة الانتباه لهدير الطائرات المدنية (بما أن المصح النفسي يقع في الضاحية الجنوبية)، أن المشاهدين اليوم في صالة متروبوليس، يسمعون "زنة" MK التي تخرق جدرانها، مضيفة بُعدًا آخر لموسيقاه. علمًا أن رشيد (زياد الرحباني) يعاني تلك الزنة التي لا يعرف مصدرها لكنه تعايش معها بالتي هي أحسن.


إن شُنّت غارة سيسمعها المشاهدون بالتأكيد. لكن إلى أين الهرب؟ كيف ينجون؟ وما هو المكان الأكثر أمانًا؟ كانت مربعات أفيخاي أدرعي الحمراء "محصورة" في ضاحية بيروت الجنوبية وجنوب لبنان، إلى أن "انفلشت" على وسع الضاحية وأحيائها. وامتدت إلى بيروت حتى أصبحت تحت النار، ماذا بعد؟ إلى أين المفر؟ يأتي جواب بسؤال هزلي: "البحر أمامكم"؟ (عنوان فيلم للمخرج إيلي داغر 2021).

 

أعادت السينما فتح صالاتها بأفلام تحاكي حرب لبنان القائمة، التي إن تعبّر عن شيء، فعن التعاطف وأنها ترى وتشعر وتدرك مشاعر الشعب، أو أقله، جزءًا منه، وتعكسها باختيارها للأفلام التي أدرجتها في برمجتها (مسرحيتي زياد، و"هل تحبني؟" (2025) للمخرجة لانا ضاهر).

 

ورغم أن توقيت متروبوليس لعرض فيلمي المسرحيتين لم يكن مقصودًا، لكنه أتى مناسبًا تمامًا مع الحرب الإسرائيلية على لبنان. كانت الجمعية قد طلبت من شركة "أم ميديا" منذ تموز 2025، بعد وفاة زياد، فيلمَي المسرحيتين. لم تكن رحلة سهلة لهم لأن الشركة لم تعد موجودة واستدعى الأمر ملاحقة الشركاء والأرشيف وجمعه ومراجعته. يقول بديع مسعد، أحد أعضاء فريق البرمجة في متروبوليس، أن من يعرف مسرحيات زياد من خلال السمع سيلاحظ نقصًا في بعض المقاطع أو أن الفيلمين يتجاوزان بعض اللقطات. يعود ذلك إلى نقص مقاطع الفيديو التي قامت شقيقة زياد، ليال الرحباني، بتصويرها. كما يستذكر بديع مسعد أن زياد ذكر في إحدى مقابلاته أنهم قاموا بتصويرها لمراجعة أداء الممثلين وتصحيحها.

 

بفرح، تقول نسرين وهبة، من فريق البرمجة في متروبوليس، أنهم لم ينشروا برمجة السينما بعد إقفالها قسرًا لمدة أسبوعين بسبب الحرب، إلا بعد وصول الفيلمين إلى صالة العرض. وأعلنت السينما برمجتها الجديدة حيث أنهم كانوا يهدفون لتقديم عروض تحاكي واقع اللبنانيين وتختلف عما تقدمه باقي دور السينما.

Image-1776318918

نفدت البطاقات للعروض الأولى لفيلمَي زياد. الجمهور من كل الفئات العمرية، وبينهم أجيال لم "تُجايل" زياد. يعلّق كل من وهبة ومسعد بأن بعض الجمهور، بالإضافة إلى الضحكات، صفق وغنى في صالة العرض. متروبوليس، كما كانت دائماً، تؤمن بالمقاومة الثقافية وأهمية استمراريتها، لا سيما في هذا الوقت الذي تجد أنه "يتطلب التفكير وإعادة النظر أكثر من أي وقتٍ مضى". لذا تقدّم أفلامًا تعيد إحياء ذاكرة جمهورها لأحداث تتكرر و"البحث عن فسحة أمل رغم كل شيء".


يدور لبنان في حلقة مفرغة مكرراً السيناريو الذي توقعه زياد منذ 45 سنة. فـ"الفيلم الأميركي الطويل" الذي ما زال يعيشه لبنان، لم ينته بعد ولا يبدو واضحًا متى ينتهي. وما يحزّ في القلوب هو قلة التعاطف الإنساني بين اللبنانيين أنفسهم. فالإيجارات التي يطلبها السماسرة، المالكون، والشركات العقارية، خيالية، نظرًا للحرب المستعرة. "شي متل الكذب" يقول "مسيو أنطوان" (الراحل بطرس فرح) أمام "زكريا"، ويتحجج بأسباب ركيكة لتبرير عدم زيادة أجر زكريا وثريا. يبرر السماسرة والشركات العقارية عدم قدرتهم على مراعاة ظروف الحرب والتهجير والانهيار الاقتصادي بأسباب هزيلة أيضًا، كعدم موافقة المالكين على مدة الإيجار، أو عدم توافق طلب المستأجر مع شروطهم، كدفع الإيجار شهريًا من دون دفعات سلف لثلاثة أو ستة أشهر. فكيف يأمل اللبناني، الذي ترك بيته قسرًا ويعيش في خيمة تطل على بحر أمامه، بأن "بكرا أحلى"؟ وكيف يجد أمانًا في وطن لم يعد يشعر فيه بأنه مواطن، بعدما تخلت عنه الدولة؟

Image-1776318814

تتعامل الدولة اللبنانية مع الضاحية الجنوبية وجنوب لبنان و"اللبنانيين واللبنانيات" الساكنين فيهما كأنهم أغراب، أو كأن تلك المناطق غير لبنانية وليست ضمن حدود وطن الأرز. كما كان زكريا يبرر لنجيب عمل ثريا "البراني": "ما حدا عارف انو أنا جوزها"، فيردّ  نجيب: "ما حدا عارف مزبوط، بس إنت عارف". هل تعلم الدولة اللبنانية أن ضاحية بيروت الجنوبية أرض لبنانية؟ والجنوب كذلك؟ يبدو أن حالتها، عكس حالة زكريا، فالكل يعلم، لكن الدولة لا تدل تصرفاتها وكيفية معالجتها للحرب، على أن هذه الأراضي لبنانية ولا أن ساكنيها مواطنون لبنانيو الجذور والهوية والانتماء.

 

بالنسبة لبكرا شو؟ متى ينتهي هذا الفيلم الأميركي الإسرائيلي الطويل؟ والأهم، من سيفوز بأوسكاراته؟

 

لم تعلم الراحلة ليال الرحباني (1960 - 1988) أنها بتسجيلها إبداعات زياد، ستمنح اللبناني بعد كل هذا الوقت ومرور الزمن، ذاكرة بصرية شخصية وجماعية عن واقع لا يتغير. المادة الفيلمية للمسرحيتين جوهرة إبداعية، فكرية، ثقافية، إنسانية، وصمود أمام الدمار الشامل للأرواح والفكر والهوية والبيوت والقرى وشجر الزيتون والتراب الذي يسلبونه الحياة ونعمة منحها. أسقطت الراحلة ليال بكاميرتها عيونًا ورؤية على ما حفظه اللبنانيون، سمعيًا، من مسرحيات زياد. يشاهدونه ممثلًا محترفًا مع طاقم الممثلين في أدوارٍ يكونونها ولا يؤدّونها. المادة الفيلمية بنسختها 8 ملم المرممة، ولقطاتها المهتزة أحيانًا، وغير الواضحة أحيانًا أخرى، تشكل وثيقة ثقافية فنية "ناجية" من عقد الثمانينات، لا تقدّر بثمن، وسط خسارات لا تتوقف.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث