(*) ما الحرب هي إلا شيخوخة العقل، ما هي إلا العجز على هيئة سلاح أو صلاة .
لكن شيخوخة العقل تظهر كذلك، كعَرَض وبائي، على هيئة شخص يدعى دونالد ترامب.
نصلي لأن إله الحرب لم يقبل كل أضاحي البشرية ونعود نصلي للأبدية، للعنة التي قد توجد في شيء اسمه (الوطن).
وعلى هذا أليس الوطن هو الوطء والوطأة، هو القسوة والقيود كلها التي استدعت الحرب واستعجلتها.
الحرب تُغضب التراب، تهشّم السكون. ما يبقى من الغضب والهشيم غير الندم!
مشكلة الندم أنه يأتي في غير أوانه، أنه عما فات، عما نتمنى اليوم لو أنه لم يكن قط.
"وما نيل الأماني بالتمني" لكن لم "تُؤخذ الدنيا غلابا". أليس مديح الحرب ضرباً من شهوة الموت، وألا تتضمن الشهوة هذه النهم والعنف معاً. تدفع الآخرين إلى الحرب، تقوي عزيمتهم، كي تبقى لك الزعامة الجوفاء، الشره الأعمى!
الحرب هي التناقض المطلق. انفجار العنف في وجه الشهوة. للشهوة وجه، لكن الحرب بلا وجه، الحرب هي القناع ، قناع زعماء وقادة لا تكلف الحرب سوى بضع كلمات، وهي رخيصة كيفما كانت!
استرخاص أرواح البشر هي البداية التي تسمح باعتياد الحرب، بالتآلف معها، أي بقبول كل ما يعادي الحياة، كل تشوه وإذلال واحتقار. الحرب هي احتقار الحياة كل لحظة.
مع حروب اليوم نعود وندخل عصر بربرية جديدة، وحشية لها سمة مزدوجة: نزع التحضر عن العالم، وتقديم النصر نفسه على أنه تحرير للعالم من المجرمين غير المتحضرين.
القائل بحجة أن "الدم انتصر على السيف" يمدح الدم والسيف معاً.
الحرب هي الصدأ وقد علا العين والقلب.
الحرب كل تبرير خيانة، لا لأنظمة همجية أو عقائد قاتلة، إنما لكون التبرير حجة قبول كريهة، حجة ل تطاق ولا يتحملها أحد، سوى من يدعمها ويوهم أنها في الحقيقة حجة وبرهان. هل من أحد ينظر إلى الحرب من خلف زجاج مهشم ، من خلال إصبع مبتور، ينظر بعد الموت إلى ما كان حياً، إلا ما يمكن للمرء أن يَرى ويُرى من خلاله. من يعبر الحرب هو ذاك اللامرئي الهائل، ركام كان روحاً ما.
الحرب تحجر القلب، انفجار القلب ضد نفسه، هي الانتحار الذي يسمى شهادة حيناً وتضحية حيناً آخر. لكن أليس الأولى أن يُعفى المرء من الموت مقابل كل تضحية وكل شهادة,
الشهادة الحق هي بقاء الحي حياً، هي أن يكون لكل منا موته الخاص، موته المختار طواعية، الموت الداخلي.
الحرب هي هذا كله، أي إلغاء حق المرء في اختيار موته، إفناء الموت العادي، بعدما خسر الواحد منا حياته كلها في اللاجدوى المهيمنة منذ عقود على شرق متوسط غداً مكباً لقاذورات العالم المتحضر.
لكننا بوجه ما قبلنا المهمة القذرة: الحرب وظيفة، ونحن لا نقوم إلا بما يدخل في عداد الوظيفة. هذا ما يقال مثلاً عن أداء الواجب الجهادي.
مع واحد مثل ترامب تحولت الحرب إلى مهانة ومهزلة مضاعفة. رفض نهج ترامب المجنون لا يوازيه سوى رفض نهج أعدائه الوظيفيين!
القتل ثم القتل، هل يتحول إلى كلمة البشر الخالدة خلوداً سرطانياًَ.
كل أمبراطورية سرطان، مرض، وباء!
السلم بلا جناح، بلا مخالب. وحده السلام يحتاج إلى سلاح، لا الحرب.
إذا كان من حرب حقيقية فهي حرب الجسد ضد الجسد، حرب تنقية الأنا من كل سمّ. الأنا أهم من النووي، من المضائق كلها.
سيعبر "هرمس" حواجز اللغة، عبوراً قافزاً، لأنه قبل بالمهمة كما لو كانت حلماً شخصياً صامتاً، حلماً بلا ثمن، بلا رجاء!
وحده المستحيل ما يجدر بحلم الهارب من الحرب أن يكونه. لقد حلمنا كثيراً بعيون مفتوحة، وآن الآن الخلاص من سطوة البهرج، من كل ما هو مزيف، ويزيف العقل والضمير.
سينقذ الجمالُ العالم، الموسيقى مثلاً. لم لا! على هذا يُعقد الرهان اليوم وغداً. ذاك أن القبح الفكري ليس سوى حرب تهدم الجمال وتشوه ما قد يكون حسناً بيولوجياً. الحرب ذاك التسارع الذي يفني نفسه ولو بعد حين.
(*) "دخان الحرب أزرق، بيضاء عظام البشر" ( تو فو، شاعر صيني).




