عزّة الطويل في "عيون بيروت": خلاصة الإنسان ومدخل إلى أعماقه

جان هاشمالأربعاء 2026/04/15
IMG-20240615-WA0005.jpg
"إلى متى سيكتبنا الآخرون إلى متى سنسكت عن استباحة حيواتِنا"
حجم الخط
مشاركة عبر

من لقاء عرضيّ بين البطلتين، الراوية ولمياء، تنطلق شرارة رواية عزّة الطويل الثانية "عيون بيروت"، وسرّ اللمعة في العينين، ومنه ينسلّ الخيط الذي ستحاك به حبكة الرواية حول شخصيات وأحداث بسيطة في ظاهرها، عميقة في تفاعلاتها وتعقيداتها.


لعنة الحبّ
يشكّل الحبّ وقصصه ورواياته الخلفية الشكلية للرواية. لمياء التي التقتها الراوية هي حبيبة وعشيقة رامي الذي كانت الراوية، في ما مضى حبيبته وعشيقته. وهو من موقعه كمسؤول في دار النشر التي تعمل فيها، وإذ يكبرها بحوالى خمسٍ وعشرين سنة، يتحكم فيها وفي سلوكها، واعداً إياها بحبّ جارف، وربما يكون مؤلماً ومأسوياً كما في رواية آلام فيرتر، للكاتب والشاعر الألماني غوته، محاولاً وناجحاً في تملّكها إلى حدٍّ بعيد نفسيّاً وجسدياً. حتى أنه عبّر عن ذلك في الرواية التي كتبها عن قصة حبّهما تحت عنوان "لعنة الحبّ"، ذاكراً فيها أساليبه في ممارسة ذكورته والسيطرة عليها، والكثير من التصرفات الحميمة في علاقتهما. وهذا ما ولّد فيها نقمة عليه في نفس لمياء، عملت الراوية على تغذيتها عبر تشجيعها صديقتها الجديدة على كتابة رواية تعارض فيها "لعنة الحبّ". وكأن الراوية أرادت في الوقت نفسه الانتقام لنفسها من العشيق المشترك إذ ربطتها به علاقة مماثلة قبل سبع عشرة سنة، واتّبع معها الأساليب نفسا التي تحكيها لمياء في نصوص روايتها التي كانت تطلعها عليها.


اتفاق ضمني أو مصلحة مشترَكة
مع أن الراوية اطّلعت على نصوص لمياء إلا أنها اكتفت بإبداء إعجابها بها وبتشجيعها على مواصلة الكتابة، لكن من دون أن تتدخّل في الصياغة أو في بنائها الدرامي، ومع ذلك أحسّت أنّ هناك ما يشبه اتفاقاً ضمنياً بينهما على ما يُكتَب، بمعنى أن لمياء كانت تعبّر في ما تكتبه عمّا أرادت الراوية التعبير عنه، وأنّ في فعل الكتابة نوعاً من الانتقام والثأر لكرامة أو لخصوصيّة انتُهِكت، وإذا هي فعل تحرّر واستقلالية بشكلٍ ما، إذ هي "تَكْتُب ولا تَنْكَتِب"، وبالتالي لا أحد يتلاعب بقدريهما، فـ"إلى متى سيكتبنا الآخرون؟ إلى متى سنسكت عن استباحة حيواتِنا؟". فهل حين نكتب عن أنفسنا نصنع أقدارنا بأيدينا؟ وهل عندما نقرّر أقدار الآخرين يتحقّق ذلك في الحياة الواقعية؟ بالتأكيد تمنّت لمياء (ومعها الراوية ربما) مصيراً مشؤوماً لرامي، فهل لمجرد أنها تمنّته في روايتها تحقّق ذلك؟ وهل الكاتب يصنع أقدار الآخرين فعلاً؟

Image-1776246288


الحكاية والأبعاد المتراكبة
شكّلت قصّة أو قصص الحب في الرواية الهيكل السردي الذي بنت عليه طويل روايتها، والقصة الرئيسة فيه هي علاقة لمياء برامي، العقدة الأساسية التي انبنَتْ عليها الحبكة، وتفاعلت مع صدور روايته عنها، ثم مع نشوء علاقة الصداقة بين الحبيبة الحالية والحبيبة السابقة، وتناميها وصولاً إلى صدور رواية لمياء بدورها، والمآل الذي انتهت إليه تلك العلاقات. ثمّ هناك علاقة الحبّ الجديد المكتوم إلى حدٍّ ما بين الراوية والمصوّر كنان، والتي وجدت فيها نوعاً من الأمان في ظلّ الظروف الكثيرة والخطيرة المحدقة بها، كما بأهل بيروت. وفي هذا المجال تطرح الكاتبة الكثير من الأفكار وتناقشها حول طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، ونظرة كلّ منهما إلى الآخر، والتناقض بين شخصية وأخرى، رامي الذكوري المتسلّط المستبد، وكنان القنوع الهادئ الرقيق والرفيق والمتفهِّم. وكذلك القول عن الفرق بين الراوية، التي تبدي شخصية متحرّرة وقوية وقد عرفت كيف تتخلّص من رامي وتقطع علاقتها به في ما مضى، وبين لمياء الفتاة الرقيقة الضعيفة العاجزة عن المقاومة كما بدا. لكن لمياء هذه عرفت في النهاية كيف تردّ الضربة لرامي في روايتها الخاصة عن علاقتهما.


تساؤلات في الفنّ الروائيّ
وبالحديث عن الروايتين والكتابة عموماً، تستغل الكاتبة المناسبة لكي تعبّر عن بعض آرائها في الأدب الروائي. فتتساءل مثلاً "مَنْ يكتب مَنْ"، ولماذا نكتب؟ ألنحكي عن الآخرين أم عن أنفسنا، لنسمِع أصواتنا للآخرين أم لنسمع أصواتنا بأنفسنا؟". وهنا بالطبع تختلف وجهة النظر، منظور الرواية، وعلينا أن نرى إليها من زوايا مختلفة، "أما أنا، فلم أكتب لأختبئَ في شخصياتي، ولا لأتحكّم في الآخرين وأقدارِهم، بل لأَسْمَع صوتي، ولأمنحَ الحكايةَ وجهةَ نظرٍ أخرى". كما كانت مناسبة للروائية أن تطرح إشكالية الواقع والتخييل. فهل يجب لوم رامي لأنه روى قصته مع لمياء بالتفاصيل الدقيقة (وربما طاولت التفاصيل هذه الراوية نفسها)، أم يجب أن نضع ما كتبه في السياق الروائي واعتبار الأبطال شخصيات روائية وحسب... بمعنى آخر، هل يجب أن نقتل المؤلِّف وفقاً لنظرية موت الكاتب؟".
وهنا تطرح السؤال "هل الكاتب يكتب نفسه؟ هل يصنع قدره ولا يريد للآخر أن يكتبه؟"، كما هي حال لمياء التي أرادت أن "تَكْتُب لا أن تَنْكتِب"، وذلك لكي "لا تُستباح حيواتنا"؟


بيروت المدينة بعدٌ أساسيّ
تبدو أحداث الرواية كلها محصورة في مدينة بيروت، العاصمة الغنية عن كلّ تعريف، والحاضرة التي حضنت الثقافات في الشرق وخرّجت أجيالاً من الأدباء والفنانين والمفكّرين، وبشكلٍ أساسي المثقفين من يمين ويسار في آنٍ معاً. 

 

مع عزة طويل في "عيون بيروت"، يتراءى لنا الرجل المثقَّف والمنتج أدبياً (رامي المثقف الكاتب) أو فنّياً (كنان المصور الفنان) ولمياء والراوية وغيرهم ممن يعيشون ضمن أجواء ونشاطات ثقافية تعكس نبَض المدينة الذي لم تطفئه الحروب المتتالية. وبالمناسبة هي بيروت الحروب التي تركت جراحها وآثارها عميقاً في نفوس أبنائها، كما في نفس الراوية، بطلة القصة التي حملت شيئاً من هذا الماضي الأليم. شيء هو الأساس ربما في بنية هذه الرواية. بيروت الحياة اليومية بأحيائها وشوارعها ومقاهيها ومطاعمها ومعالمها التي ليست بحاجة إلى أدنى تعريف، مع ما في ذلك من إبراز لبعض الألوان المحلّية. مقهى بول، ومطعم السبورتينغ، وبحر بيروت وبرج الحمام والموفمبيك وفرديناند وشارع الحمرا وحديقة السيوفي، تمرّ أسماؤها بكل انسيابية وسلاسة عادية، كأنّها أماكن موسومة بحيواتها وتاريخها مثل عملة وطنية معروفة لدى الجميع، ومقروءة. تماماً كما تُعبِّر وتُقرأ التماعات عيون أبنائها ببريقها الذي يميزها في مختلف حالاتها الخاصة والعامة، عيون الموت والشبق والتملّك، عيون الدهشة وعيون البراءة وعيون التغيير وعيون الحيّ، عيون تصبح قرينة لحوادث معلومة مثل العيون المفقوءة في الانتفاضة الشهيرة، وعيون الانفجار مع تفجير مرفأ المدينة الأبولكاليبتي. وغيرها الكثير من العيون المعبِّرة عن حالات تجعلها "خلاصة الإنسان" كما هي "المدخل إلى أعماقه".


ولبيروت رائحة تعرفها الراوية تماماً (والروائية)، وهي في زمن الرواية تلحظ أنّ شيئاً ما تغيّر في هذه الرائحة، كأنها مؤشّر على تغيّرٍ ما جذري يصيب المدينة، تطالعنا بها الكاتبة على مرّ الأحداث كأنها باتت أشبه بلازمةً تتكرّر كجرس إنذار فعليّ.


ثنائيّات
هي بيروت إذن بين الماضي والحاضر، وفي ذلك ثنائيّة من ثنائيّات متعدّدة تبني عليها الكاتبة، فيمكن الكلام هنا عن ثنائية الأحبة، رامي ولمياء/الراوية وكنان، ثنائية الأم والإبنة (الراوية وأمها)، ولمياء والراوية، وأهمها الثنائية القائمة في نفس الراوية وجسدها، وهي هذا الانقسام أو الانشطار الذي تعيشه مع مرض الشقيقة، أو الصداع النصفي الذي يصيبها، وتحرص الكاتبة على وصف عوارضه والحالات التي تعيشها الراوية معه، فتتحول من حالة الوعي والإدراك إلى حالة غياب كي لا نقول لا وعي، وتغرق في جانب مُعتم من إحساسها، ما بين ظلمة من جهة وضوء من جهة أخرى. وكأننا باختصار أمام حالة من الوعي واللاوعي، وربما هي هذه الحالة التي تعذبها وتحوّل مسار الرواية من الهيكل الخارجي (قصص الحب) إلى جوهر المشكلة، وهو الجانب المُعتِم من نفسها. فنحن هنا إزاء ثنائية واضحة عند البطلة، ما بين أناها الواعية وأناها المعتِمة، بين أناها المُدرَكة وأناها الأخرى المريضة التي تخفي ما تخفيه.


وليس بالضرورة أن تكون هذه الثنائيات متعارضة أو متصارعة، بل هي متقابلة ومتفاعلة في ما بينها، وعبرها تتمظهر الشخصيات وتتكشّف على حقيقتها. البطلة الراوية تكتشف عقدتها عبر الأم وما كانت تخفيه عنها عن أسباب مقتل والدها. ولمياء تبدو في النهاية شخصية قوية بعكس ما بدا منها من ضعف، ورامي ينتهي إنساناً هشّا ومعطوباً عند أول محنة يقع فيها. هذه الثنائيات هي بمثابة أقطاب تحتك في ما بينها لتولّد شرارات تتبدى من خلالها حقيقة الشخصيات في علاقاتها، وفي طبيعة ارتباطها بالمكان وتفاعلها مع أحداثه.


عبر هذه الثنائيات المتفاعلة، والمتغيّرات التي تنتج منها، تعيد عزة طويل تشكيل صورة المواطن اللبناني في مختلف حالاته وتحوّلاته، وفي تشكل "ذاته" باستمرار، بين ماضٍ أليم، وحاضر لا يقلّ إيلاماً، بفعل فاعل معلوم مجهول في آنٍ معاً، هو القدر الذي لا بدّ له أن يواجهه كإنسان.

 

بنية مدروسة ومتماسكة
كل ذلك صاغته عزة طويل بلغة عفوية وأسلوب سلس، في حبكة روائية متينة ومشوقة، عبر بنية مدروسة ومشوقة قامت على خطوط متوازية، أو موازنات تصب جميعها في خدمة الهدف الأساس من الرواية. ومن أهم هذه الموازنات ذاك الخيط الرفيع الذي تربط بواسطته البطلتَيْن، الراوية ولمياء، فهي حين بنت لكلٍّ منهما شخصية مستقلّة واضحة وجلية، عرفت كيف تماهي في الكثير من مواضع الرواية بينهما، بما يوحي للقارئ أن لمياء ليست سوى الذات الأخرى للراوية. 

 

فالراوية التي أحبت هي لمياء نفسها، ولمياء التي كتبت قصتها من منظورها هي الراوية التي أرادت الانتقام، وغير ذلك من الحالات التي ترى فيها نفسها عبر لمياء، وعبرها تجد نفسها مع رامي. "كنتُ بحاجةٍ إلى أن أراها تبتعد عنه لأن وجودها إلى جانبه سيشجّعه على الاستفحال فيّ أكثر"، و"كأنها غدت نسخة منّي"، "رامي الذي كتبناهُ معاً انتهى"، "كنتُ أريد أن أرى عينيّ في عينيها، فدفعتُها إلى مواجهةٍ عنيفةٍ كنتُ أخافها". وغيرها من أمثلة عديدة نجد فيها هذا الإيحاء المدروس والذي يتطلّب بالتأكيد براعةً في بناء الشخصية الواحدة في شخصيتين ومعرفة كيفية توزيع الأدوار بينهما. وهنا يمكن أن نعتبر أنّ اللقاء "الشرارة" بين الراوية ولمياء ليس سوى اللحظة التي اكتشفت فيها البطلةُ ذاتَها الأخرى، وبالتالي لحظة التماع فكرة كتابة الرواية في نفسها ومخيلتها. 


أيّ انتصار؟
في النهاية تكتمل قصة لمياء (قصّة الراوية، لِمَ لا؟)، وتصدر في رواية يتصدّر خبر إطلاقها الصفحة الأولى من روايتنا هذه، حيث تعلن لمياء بنبرة احتفالية وبالصوت الصارخ، ما يشبه الانتصار. فهل أرادت عزة طويل أن تؤكد إمكانية الانتصار بالكتابة؟ وأي انتصار هو، الانتصار عبر الأدب والرواية؟ أهو الانتصار على الآخر؟ على الذات؟ على القدر عبر التحكّم بأقدارنا؟ على الحروب والبشاعات؟ هذا ما يتبادر إلى ذهن القارئ وهو يطالع مع عزة طويل ط"عيون بيروت"، العيون التي شكّلت رواية مدينة وأهلها في صراعهم مع ذواتهم ومع مصائرهم.

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث