إن إنسان الحرب كما يبثّنا إياه الروائي الألماني هانس فالادا، في رواية "وحيداً يموت الإنسان" (منشورات حياة – الطبعة الأولى – ترجمة نيرمين الشرقاوي)، هو كائن يتراوح حضوره في العالم بين الوجود والعدم.
ليس إنسان الحروب كما تعالجه هذه الرواية ذلك الكائن المكتفي بنفسه بالحد الأدنى، ذلك أن فورة الرموز تسوقه ليكون إنسان الرموز بإطلاق، من رموز النصر إلى رموز الهزيمة مروراً برموز الرغبة في الشهادة أو الرغبة في النجاة وصولاً إلى – وهو ما تركّز عليه هذه الرواية بشكل خاص – رموز الاحتضار.
لا يتطرّق فالادا في عمله الاستقصائي هذا إلى دوي المدافع وأصوات الانفجارات وزعيق الرصاص وجدار الصوت وأزيز الطيارات، فالحرب التي يتعيّن على قارئ هذه الرواية خوضها هي تلك التي تعتمل داخل النفوس والأذهان، نفوس ناس هذه الحرب واضطرابات أذهانهم وصولاً إلى العته والجنون. لا جنود في "وحيداً يموت الإنسان" إلا في ما ندر، ذلك أن مساحة القصّ في طول هذا العمل الضخم وعرضه (860 صفحة) يحتلها المدنيون من أهل مدينة برلين فضلاً عن محققي الغستابو حيث حروب التنصّت على كل من هم ضد سياسة ألمانيا النازية وحروب هتلر التي عرّت ألمانيا والألمان بشكل خاص. ليس الخوف من الحرب في رواية فالادا مجرد شعور ينتاب المرء لحظة قصف هذا الحي من أحياء المدينة أو تلك الضاحية، بل ترى أن الخوف كما يبثّه السرد هنا هو بمثابة عدسة مكبّرة يحدّق المرء من خلالها في مساحات العالم.
بصرف النظر عن الحدث الرئيسي الذي تحاك حوله أحداث الرواية، والمتمثّل في توزيع منشورات سرية ضد هتلر في برلين بواسطة رجل خمسيني يدعى أوتو جفانجل وزوجته آنّا، يخبرنا فالادا في "وحيداً يموت الإنسان" أن إمكان تجنّب الحرب يقع في باب المستحيل، فلا الابتعاد عن أماكن سقوط القذائف يجدي في هذا السياق نفعاً، ولا تجنّب سماع أخبار الحرب يزرع الطمأنينة في القلوب. إن الحرب كما صوّرها فالادا عبر الناس العاديين جداً، تراها في بعض مآربها وقد تحوّلتْ إلى واقعة بيولوجية. فعبر عديد شخصيات "وحيداً يموت الإنسان" نجد أن الحرب لا تكتفي بالهيمنة على شرود العيون ولا على فجوات الآذان أو ارتجاف الأطراف وتلعثم الألسن، بل تراها تداخل بكل سلاسة وخفة، جريان الدم داخل الأوردة والشرايين. إن قدرة الحرب على اقتلاع الإنسان من خصوصيته – شاء ذلك أم أبى – لا تضاهيها أي قدرة حسب هانس فالادا.
فالحرب، كما صيغت عبر كثير شخصيات الرواية، تملك تلك القدرة الهائلة على نزع الإنسان من أفق بديهيات المشاعر ليكون هذا الإنسان عندئذ محل اعتمال مشاعر أخرى غريبة عنه لم يخمّن أنها قد تداخله يوماً. ثمة علامة استفهام ضخمة تفرضها الحرب على الناس العاديين، فإذا بالحب والكره والتعاطف والشجاعة والجبن والكذب والصدق والنفور والتقزز وجهر الصوت والكتمان... كلها أقرب إلى الدروب المعتمة في العلاقة مع الآخر ومع الذات... مع الحياة وما بعد الحياة.
لا تستوي الحرب كما يشرّحها هانس فالادا عبر ألسنة ناس روايته وصمتهم، في أفق دلالي بعينه. ولا يمكن استيعاب الحروب بعامة، عطفاً على معنى معيّن أو غاية محددة، بصرف النظر عن خطابات سادة هذه الحرب أو تلك، حيث الكذب هو سيّد القول وتاجه. فعلى الرغم من قدرتها على استنفار الحواس والعواطف والغرائز، تبقى الحرب كما فهمها بعض ناس "وحيداً يموت الإنسان"، نبعاً لا ينضب من الكذب والتلاعب، وتراني في هذا الصدد تحديداً محل حيرة حيال ما قد يقوله فالادا عن الحروب في حضرة الذكاء الاصطناعي!
على الرغم من دويّها الذي يصمّ الآذان، وصوتها الذي يفرقع في كل اتجاه، فإن للحرب هسيسها الخبيث الذي يجيد اختراق الأعماق. لا تسدي النصح إزاء هذا الاختيار أو ذاك، فهي عبر هسيسها النزق، تحدد كل الخيارات لدى جماعات الحروب وناسها، حيث نصرهم على الدوم بالمرصاد. ولم يتورّع فالادا، على طريقته الخاصة وبشكل غير مباشر، عن الكلام عن نزاهة الحرب ووفائها في توزيع الجريمة التي تقتات على وعي الأشقياء ممن يتبنون الحروب كوسيلة حضور في العالم ووسيلة نجاة. إن قدرة الحرب على التدقيق في ملامح الناس ثم في رسم هيئاتهم يجعلها سيدة، ليس الكلام فقط، إنما أيضاً سيدة الصور والأشكال... سيدة القلوب والوجوه والأمزجة، وصولاً لأن تكون سيدة لا مبالاة القادة بناس مدنهم وجندهم المبعثر في الجبهات. إن الحرب لا تسمح بالشرود إلا وفقاً لشروطها الخاصة، ولا تسمح بالصمت إلا وفقاً لاحتياجاتها. وهي في فجورها الوقح، لا تسمح حتى بالبكاء إلا وفق مزاجها الخاص. الحرب لدى فالادا، في بُعدها الأعمق، سيدة حتى أولئك السادة والجنرالات والقادة الذين أشعلوا نيرانها أو الذين يُعدّون منذ سنوات وسنوات لهذا الاشتعال.
يبثّنا فالادا في هذا العمل الرائع، الكثير من الأخبار التي تشي بأن الحرب لا تشيخ. فمن المستحيل أن يتخلل شباب الحرب أقل علامات الشيخوخة. فهي تلك التعويذة السحرية التي لا ينتابها التعب وترى شبابها الدائم في إغراق العالم في بحر الدماء والدموع (صفحة 127). كما تستمدّ الحرب شبابها الدائم من احتقار عادات الناس وألفة يومياتهم، بل تراها تزداد زهواً عبر ذلك الاستحضار العبثي لأمل أن تنتهي الحرب.
إن الحرب تحدّق ملياً، يقول ناس "وحيداً يموت الإنسان" ممن لا يؤمنون البتة بكل حروب هتلر، وليس المرور بتجربة معايشتها إلا تمريناً على نشوب مزيد من الحروب. ومع هذا، وفي لجة المآسي والموت والحطام، ترى الحرب في كل عصر ومكان، محل خوف وارتعاد من أولئك الذين في غمرة الحرب تراهم يسعون لإسباغ المعنى على كل سطر من سطور كتاب حياتهم، كما بثّنا الأمر فالادا عبر بعض ناس برلين الهتلرية وغيرهم من ناس الحروب. فلا الفوهرر يملك سطوة نزع المعنى عن الحياة، ولا القائد أو الزعيم. وفي حالتنا اللبنانية، وعطفاً على حربَي الإسناد، لا المرشد ولا أذرعه في لبنان سينجحون بدورهم في شطب المعنى من داخل كتاب حياتنا.




