قراءةُ قصص الكاتب والشاعر الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس (1899-1986) تضعنا فوراً أمام سؤال جوهري: ما الأدب؟ سؤال غريب بعض الشيء، إذ نادراً ما نقرأ الأدب لنتأمَّل في ماهيّته. نقرأه لنتسلّى، لنختبر مشاعرَ وأحاسيسَ، لنحتكّ بأفكار جديدة، لنعيش تجارب غيرنا من البشر، ولننظر إلى العالم بطريقة مختلفة، مُعتقدين أنّ الأدب يفتح لنا أبواباً على الدنيا لم نكن نعلم بوجودها. باختصار، نقرأه للّذّة، ولاستكشاف الذات والحياة، ظنّاً منّا أنّ المتعة الجماليّة هي السبيل لهذا الاستكشاف المزدَوج.
هذا التصوّر الشائع قائمٌ على افتراض أنّ الأدب يقول شيئاً عن العالم أو الحياة: شيئاً فريداً للغاية لا يستطيع سوى الأدب (وربّما السينما أيضاً) أن يُعبِّر عنه، فيما تعجز أنماط الكتابة الأخرى، كالفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع، عن ذلك. بيد أنّ ما يقوله الأدب يكتنفه غموض شديد، إذ لا قدرة لأحد على تحديده إلّا باستخدام تعابير ضبابيّة من قبيل "التجربة الإنسانيّة"، و"الوجود الإنساني"، و"معنى أن تكون حيّاً".
لكن في قصص بورخيس، لا تجربة إنسانيّة ولا ما يُماثلها. فشخصيّاته ليست مستمَدّة من أيّ واقع، إذ هي أقرب إلى أطيافٍ أو أشباحٍ منها إلى كائنات من لحم ودم. أمّا عوالم هذه القصص، فغرائبيّة وفانتازيّة، لكن ليس بالمعنى المألوف. ذاك أنّ الغرابة تنبع أساساً مِن كون هذه العوالم مصنوعة من أفكار مجرّدة وميتافيزيقيّة، فيما السرد والحبكة، على ما يبلغانه من إتقان نادرٍ يلامس الكمال، ليسا أكثر مِن ذريعة للغوص في تلك الأفكار.
انقطاع العالم البورخيسي عن الواقع والحياة هو ما يُبرِزه الكاتب البيروفي ماريو بارغاس يوسا (1936-2025) في نصوص متنوّعة – مقالات، مقابلات، محاضرات، ومراجعات كتب – جُمِعت في كتاب بعنوان "نصف قرن مع بورخيس" (صدر حديثاً عن "منشورات الجمل" بترجمة عربيّة أنجزها أحمد عبد اللطيف). وهو انقطاع يناقض تماماً الكتابة كما يمارسها يوسا، إذ يصف نفسه كروائيّ مهجوس بالواقع ومفتون بالتاريخ، ويرى في الرواية حيّزاً يستطيع أن يحتوي التجربة البشريّة برمتّها، من الأحاسيس والمشاعر والغرائز إلى الأفكار والسياسة وصيرورة المجتمعات. الرواية، في نظر يوسا، قادرة إذاً على احتواء العالم برمّته، ولذلك فهي تقول شيئاً عن هذا العالم. إنّها، في جوهرها، جنسٌ أدبيٌّ "واقعيٌّ"، لا بمعنى انتمائها إلى تيار الأدب الواقعي، بل بمعنى ارتباطها عضويّاً بالواقع، ولذلك فإنّنا نقرأها سعياً إلى فهم شيء من الحياة ومن أنفسنا.
أمّا بورخيس، فكان ينظر إلى الرواية بشيء من الازدراء. فهي، في رأيه، قائمة على الإطالة والحشو واللغو والإطناب، ويمكن بسهولة اختزال أي عمل روائي إلى صفحات قليلة وتحويله إلى قصّة قصيرة. إلّا أنّ ما يعدّه بورخيس إطالةً وحشواً ولغواً وإطناباً هو في الحقيقة ما يتيح للرواية – بحسب يوسا وكثير من الروائيين الآخرين – أن تنسج شبكةً واسعةً تقبض بها على العالم، فتعيد تشكيله وتضعه أمام القارئ. هذا تحديداً ما كان يرفضه بورخيس رفضاً قاطعاً، وإن لم يُعلِن ذلك صراحةً: زعمُ الأدب، شعراً كان أم نثراً، أنّه يحيط بالعالم ويقول شيئاً عنه. والحال أنّ رفضه هذا لم يكن يخصّ كتاباته وحدها، بل يشمل الأدب كلّه. أي أنّ مَن يعتقد، مثل يوسا، أنّه يقول شيئاً عن الحياة إنّما يكتب – في نظر بورخيس – تحت وطأة الوهم.
في نصوصه عن بورخيس، يُبدي يوسا افتتاناً شديداً بقصص الكاتب الأرجنتيني، فيما يُبرِز بحدّةٍ التناقض بين تصوّر كلٍّ منهما عن الأدب. ومع ذلك، فإنّه لا يُعلّل هذا الافتتان – أي أنّه لا يُحدّد ما الذي يفتنه فعلاً في كتابات بورخيس – ولا يسعى إلى سبر معنى ذلك التناقض.
لعلّ الإجابة عن المسألة الأولى أبسط ممّا يبدو: الافتتان هو وليد التناقض الحادّ. أي أنّ ما يسحر يوسا في قصص بورخيس هو هذا العالم الأدبي المُغلَق على نفسه، الذي ينبذ الواقع والحياة، مُحيلاً أيّ تصوّر "واقعيّ" للأدب ضرباً من ضروب العبث. بكلمات أخرى: ما يجذب يوسا إلى هذا العالم الأدبي الغريب هو تحديداً أنّه يرى فيه فناءَ تصوّره عن الأدب والكتابة والرواية.
غير أنّ السؤال يظلّ مُلحّاً: لماذا قد ينجذب كاتبٌ إلى ما يرى فيه فناءً لتصوّره عن الكتابة؟ لكن لعلّ السؤال الأساسي هو: هل ثمّة حقّاً تصوّران متناقضان؟ أم أنّ ما يبدو تناقضاً ليس سوى وهم؟ فماذا لو كان تصوّر بورخيس عن الأدب هو وحده الصائب؟ وماذا لو كان الأدب، في جوهره، بورخيسيّاً، بحيث تمثّل قصص بورخيس تجلّياً لما يمكن أن نسمّيه "أدباً خالصاً"؟
إذا سلّمنا بهذه الفرضية، أمكننا أن نخلص إلى نتيجةٍ مفادها أنّ الانقطاع عن الواقع والحياة ليس استثناءً في الأدب، بل هو أحد شروطه التكوينيّة. وعندئذٍ يغدو الأدب عاجزاً عجزاً مطلقاً عن قول أي شيء عن "التجربة الإنسانيّة" أو "الوجود الإنساني"، وما إلى ذلك من تعابير ضبابيّة. لكن إذا كان الأمر كذلك، فلماذا نقرأه إذاً؟
الجواب بسيط جدّاً، إذ يستند إلى تصوّر هو أيضاً شائع، لا بل الأكثر شيوعاً، رغم أنّ الكتّاب وعشّاق القراءة لا يحبّذونه عموماً: إنّنا نقرأ الأدب للفرار من الدنيا والحياة. هذه كانت حال بورخيس، قراءةً وكتابةً. فالأدب بالنسبة له ملاذٌ، والتيه فيه ضرورة حياتيّة. فهو كان يشعر، وإن لم يقل ذلك صراحة، بأنّ عالم الواقع سجنٌ لا يمكن إلّا للأدب أن يحفر كوّةً في جدرانه الرماديّة. لذلك يمكن تلخيص نظرته إلى الأدب بعنوان قصيدةٍ نثريّة لشارل بودلير: "أيّ مكانٍ خارج العالم".
لعلّ هذا ما يجذبنا – ويجذب يوسا – إلى قصص بورخيس: أنّها تكشف لنا ماهيّة الأدب – كلّ أدب، وحتّى "الواقعي" منه – وتُجسِّدها في أنقى صورها: مكانٌ خارج هذا العالم. ولعلّ الأدب لا يقول شيئاً عن الحياة لأنّ مَن يكتبونه ومَن يقرؤونه هم على خصومة جوهريّة معها ويسعون إلى الاحتماء منها.
وإذا صحّ هذا كلّه – وهو ليس سوى فرضيّة – غدا بورخيس ممثِّلاً لمفارقة حادّة: فهو الذي قدّس الأدب، ينتهي بنظرته إليه إلى نزع أيّ قداسة عنه، بل إلى التجديف بحقّه. فإذا كان الأدب لا يقول شيئاً عنّا وعن عالمنا، وإذا كان مجرّد وسيلة للهروب والنسيان، فأين الفرق بينه وبين الأفلام التجاريّة أو ألعاب الفيديو؟ فلعلّ الإعلاء من شأنه وهمٌ لتبرير الفرار.




