في تلك المحطة من الشارع أمام البقالة التي تبيع الأغذية والمشروبات المفتوحة على مدار ساعات النهار والليل، يتجمع الغرباء القادمون من كل جهات الأرض من الشمال والجنوب، وقد تعرفوا للتّو على بعضهم كمسافرين في قطارِ المتاهة من غير علامةٍ ولا هدف.
تركوا الحياة الأصلية وراءهم وها هم يعيشون العابر والمنقضي في اللحظة بأخوّة رشيقةٍ ومرحٍ عميق.
***
كل مساء يتوافدون إلى هذا الركن الحميم في منعطف الطريق. يضحكون عاليًا بهستيريا يضحكون لكن بمودةٍ واطمئنانٍ كمن ارتاح بعد رحلة شاقة من وعثاء المسافة بأحلامها والسنين. لا يتذكرون الماضي المستقر إلا لمحًا وبجُملٍ مبتورة، لا شيء يدعو للفخر أو المهانة، فقط ذلك الألم الرابض من المكان القصي... هكذا فقط عبر قطار السنين الضوئية وكأنما برهة يحلمها عابرو سبيل ليصلوا إلى هذا المكان النائي والغريب.
الغرباء القادمون من البعيد يقطفون الزهور من شجرة الفوضى التي نسيها النظام والزمان.
***
ماذا ينتظر الغرباء على قارعة طريق العالم؟ ينظرون أحيانًا إلى الضفاف الهادئة وإلى بحارٍ تُواصل أسماكها وحيواتها كرنفالات الفرح العابر الذي لامس ذات دهرٍ برّيةَ الخلود... ينظرون إلى الحروب البعيدة والقريبة التي تلجم ضوضاؤها أفئدةَ العالم والوجود. الحروب التي شهدت ميلاد الكائن منذ انبثاقه من سديم العدم والغبار، حتى اللحظة التي نعيش في ظلال الطائرات الشبحية وآلهة الذكاء التدميرية الجديدة.
***
رجلٌ يشرب قهوتَه بهدوء، لا يفكر في أحد أو شيء ويعتقد أن لا أحد يفكر فيه، حتى الأشجار السامقة المزهوّة بالينابيع لا تستوقف له نظرًا أو فكرة عابرة، دعك من حشد السياح الذين لا يراهم كما يرى الظلال وأشباح غيوم شاحبة في بلاد بعيدة.. رجل وحيد يشرب قهوته بهدوء لعله كان يفكر بالضفادع والكلاب..
***
امرأة تقرأ كتابًا من ورق وحبر وحروف مخطوفة رغم الصخب المحيط، في ملكوت الكتاب.
كأنما تستجلي في صفحاته وشخوصه الهاربة باستمرار غوامض الغيم العابر والوجود.
ترفع رأسها لترتشف من قهوتها محدقة في دغل الشجر الملتف على عصور سحيقة.
***
فسيلة شجرةٍ أمام بابي
تمنحني الغبطة ووميضًا من أمل،
يانعة مخضوضرة رغم أيام الجفاف التي طالت،
تغالب القسوة والحروب البشرية
المندلعة في الأمكنة والأصقاع،
أليس هذا شهر نيسان أقسى الشهور
وأكثرها يبابًا حسب (إليوت)،
الشجرة الطفلة التي تنمو
في الفضاء الطلق لتصل إلى علوّ أمهاتها والكبار،
تشع بذلك النور الخافت
في أنفاق النفوس وأنساغ الكون
الشجرة الحالمة بالدّغل والغابة..
***
الكورية
(البحر هادئ، لكن الأمواج العالية كالجبال تتكسر في مخيلتي)
كان الطقس مشمسًا كبقية الأيام في مثل هذا الوقت من السنة يتخلله عيد الماء، كنوع من استسقاء بطقوسه وتقاليده الراسخة في هذا البلد الآسيوي الذي لا تجانبه الغرابة والفنطازيا الواقعية بكل صُعُده البشرية والطبيعية.
يوم مشمس لا ترى خلال أيام ولا أسابيع سحبًا أو غيومًا ولو عابرةً حتى لتخال نفسك في عز القائلة لإحدى مناطق الصحارى العربية، خرجت إلى المقهى الفرنسي المجاور كان مزدحمًا وقفت حتى تدّبرتْ لي النادلة طاولة، حيث جلست أمارس طقوس الصباح الاعتيادية كفتح كتاب أو شاشة تلفون كبيرة مصحوبة بالشاي والقهوة… في خضم لغط الزبائن القادمين من كل حدب وصوب يغلب عليهم الآسيويون دخلت عائلة كورية وفق الظن والحدس، جلست في جواري في الطاولة الأكبر…
كانت الفتاة السامقة ترتدي الأسود بكاملها فتشع بأكثر نظارةً وألقًا، جعلني أركز النظر والروح وهي تملأ فضاء المقهى بذلك الحضور المبهج الغامض والأريج. أخذت تأكل من الطبق أمامها خليطًا من الكرز والفراولة والموز مع الحليب برقة لكن بشهيةٍ واضحة ربما كان طبقها الصباحي الأثير دائما. تجلّت بجمالها الذي يتجاوز فضاء المقهى إلى ما يشبه الانتشار الغيمي الممطر في فضاء الشرق الأقصى بأكمله. وحلقتُ معها على جناح الطائر السحري نجوب آفاقًا نائية لامرئية. كانت حين تأخذ بملعقة من طبقها المفضل وكنت أرى قطيع غزلانٍ يتهادى في غاب السلام المؤقت نحو الينبوع المندفع من أعلى الأكمة يرتشف الماء الصافي بمتعة وهدوء، قبل قدوم العاصفة والصاعقة فيهرع إلى ما يعرف من مخابئ وملاذات.
في الطائرة العائدة أتذكر ذلك المشهد الصافي للكورية، الذي لن ينساه الذئب وهو يعدو هاذيًا في فلوات البلاد، لماذا قلتُ بما يشبه الجزم إن تلك الفتاة الغربية بالنسبة لي كانت كورية، حيث أن الآسيويين يتشابهون كثيرًا في السمات والملامح والسُحنات، ولأنني قرأت في حكايات الشرق الأقصى بأن الكوريات أو بعض مناطق اليابان أو معظمها يتميزن بجمال أكثر من غيرهن من مناطق آسيا البالغة السعة والشساعة، تروي إحدى الحكايات أن أباطرة الصين كانوا يأخذون من الكوريات تحديدًا كثيرًا من الجاريات وربما الزوجات لجمالهن الخارق مقارنة بشعوب الصين المختلفة، وكذلك فعل الإمبراطور المغولي قوبلاي خان حفيد المؤسس كنجيز خان حين حكم الصين ووحد مقاطعاتها المتناحرة تحت سيطرة سلطانه الواسع ودولته المركزية في إيثاره الكوريات على سائر نساء آسيا وربما نساء الأرض.
***
تتساقط أوراق شجر العالم في خيال الشعراء قبل أن يأتي الخريف.
تتساقط على مدارات الفصول مع ضياء الشمس حينًا ومع انهمار الأمطار لتشكل تلك الجداول والقنوات الدافقة التي تمد الحياة والإبداع بأنساغ أَبَدِها.
ينظر الشاعر إلى الشجرة الملتفة بحنانٍ على فسائلها ليقرأ نشأة الجذور الفتية ونشأة الكون ومن ثم التساقط والاصفرار، الروح تشيخ وتهرم لتترحل إلى حيوات أخرى تنمو على ضفاف الجذور والمياه.
***
الأرق الذي جرفت وديانه الهادرة لياليك يا صديقي. نوبات فزع تطوح بك مع زحف كائنات مذعورةٍ مرتجفةٍ تطاردها فيالق القتلة الذين يحاصرون المدينة من كل مكان. وحيداً تستيقظ وسط هذا الليل، ليل العالم المحتشد بالهواجس والاحتمالات الأكثر حديّة وخطورة. نوبة هلع تفترس أحشاءك حين تنفجر منها صرخة ألم مدماة مذبوحةٍ وكأنما التكثيف الممضّ لتأريخ الألم البشري في أطواره ووحشيته. تحاول أن تلوذ بشجرة نخيل من طفولة، ساقية فلجٍ أو نهرٍ، لكن لا شجرة ولا طفولة ولا كتب حتى تلك الأقراص التي يزودك بها الطبيب لا تجدي نفعًا أمام هذا الهلع الوجودي المضطرم.
حاول يا صديقي أن تلوذ بالحبّ، بالمرأة، تلك الصحراء المتلاطمة من العتب والغياب.




