فصل في الجحيم

محمد شرفالاثنين 2026/04/13
Image-1776069833
أوتو ديكس - الحرب
حجم الخط
مشاركة عبر

تشتق كلمة أو عبارة جحيم من الكلمة اللاتينية *infernus* (أي ما هو أسفل)، وهو، وفقًا للعديد من الأديان، حالة من العذاب الشديد - للجسد أو الروح بعد انفصالها عن الجسد - ألمٌ يعانيه بعد الموت أولئك الذين ارتكبوا جرائم وذنوبًا في حياتهم الدنيوية. لذا، فإن التفكير في الجحيم يعني تعريفه كمكان موجود بالفعل؛ وإلا فإنه يفقد جوهره، ويتحول إلى مجرد خيالٍ باهت. عندها يصبح الجحيم مجرد عالمٍ وهمي لا قيمة له ولا حقيقة سوى الخيال. إن ما جرى في العاصمة اللبنانية، وما نتج منه من مجازر وكوارث، ليس سوى أحد أشكال الجحيم، كما نتصوره في أذهاننا، أمّا الحرب نفسها فليست سوى أحد أسباب هذا الجحيم.

 

بحسب فيكتور هوغو، الجحيم هو الرتابة؛ الجحيم هو فشل الحب. فما الجحيم إلا سجنٌ؛ سجنٌ داخل الذات، داخل الذكريات، والمخاوف، والرفض، والشعور بالذنب... أما مقولة سارتر الشهيرة: "الآخرون هم الجحيم"، فيمكن أن تُفهم على أساس أن الآخرين هم أهم شيء بالنسبة لنا، ولذلك يصعب علينا تقبّل هذا الحكم. فمن خلالهم، ندرك وجودنا، ومن خلال نظراتهم وما يترتب عليها من شعور بالخزي، نعي عواقب أفعالنا.

Image-1776069947

حديقة المسرّات

كانت هناك محاولات عديدة في الفن التشكيلي لتصوير هذا "الجحيم"، الذي يصعب تصوّره كحدث واقعي يمتلك مواصفات واضحة. لوحة "حديقة المسرات الأرضية" (يرجح تاريخها ما بين 1490 و 1500)، التي تُعد من أشهر أعمال الفنان الهولندي هيرونيموس بوش، تمتاز، عدا عما تتضمنه من تصاوير، بثراء زخارفها، وبغموضها. لقد كان هذا العمل الثلاثي (يتألف من لوحة مركزية ولوحتين جانبيتين) موضوعًا للعديد من التأويلات الباطنية في الماضي. أما نظرية المؤرخ الألماني فيلهلم فراينجر (1890- 1964) التي تزعم أن هذه اللوحة رُسمت لطائفة مثل الأدميين أو جماعة الروح الحرة، فلم تعد مقبولة، إذ يتفق مؤرخو الفن على تفسير للعمل بناءً على غرضه: إنه عبارة عن "مرآة زفاف"، تستخدم لتعليم المتزوجين حديثًا أهمية احترام روابط الزواج.

 

يُقرأ العمل بترتيب زمني: تُصوّر اللوحات الخارجية خلق العالم؛ وتصف اللوحة اليسرى اتحاد آدم وحواء، الذي دبّره الله في صورة المسيح، في الفردوس؛ وتمثل اللوحة المركزية البشرية الخاطئة قبل الطوفان؛ بينما تقدم اللوحة اليمنى رؤية للجحيم، حيث يعاني الخطاة عذابًا شديدًا.

Image-1776070342
بوش - حديقة المسرّات

تندرج كل لوحة من اللوحات الثلاث المفتوحة ضمن تقليد موضوعي راسخ، وبصرف النظر عن اللوحة المركزية واليسرى، فإن اللوحة اليمنى تتطرّق إلى موضوع الجحيم، الذي يُصوَّر تقليديًا كمكان للعذاب والتعذيب. يُكمل بوش هذا التيمة بموضوع "النزل البغيض". وفقًا لهذا الرأي، الذي كان شائعًا في هولندا، فإن النزل مكان يؤدي التردد عليه إلى الخطيئة، لأن السكر والعربدة والشهوة والفسق تُشجَّع فيه، لا سيما من خلال المقامرة والموسيقى. يُطور الفنان هذا النقد من خلال رؤية جحيم تُستخدم فيه الآلات الموسيقية، أو معدات الألعاب كأدوات تعذيب. ومع ذلك، فإن أحد جوانب تصويره للمكان أكثر أصالة: جحيم بوش هو مكان يسوده البرد. يظهر هذا بوضوح خلف جذع الشجرة، حيث تتحرك أشكال عارية ترتجف على المياه المتجمدة لبحيرة؛ حتى أن بعضها سقط في حفرة تشكلت في الجليد، وكافح بلا شك مياهًا متجمدة. قد يكون هذا تذكيراً بكتاب الجحيم الذي ألفه دانتي (1265-1321) بين عامي 1303 و1304. 

 

ويمكن ملاحظة تطابق واضح مع وصف الراهب الأيرلندي ديفيد أوبير للجحيم في رؤى توندال، التي يعود تاريخها إلى حوالي العام 1149. في هذا العمل، يرى البطل، الفارس توندال، أثناء وجوده في الجحيم، وحشاً هائلاً "على بركة مليئة بالجليد" و"يُعيد ولادة أرواح الملعونين في البركة المتجمدة"، الذين "عانوا هناك عذاباً جديداً". ومع ذلك، فقد ثبت أن هذين العملين ظلا شائعين للغاية في شمال أوروبا حتى بداية عصر النهضة، وكانا موضوع ترجمات مطبوعة في بوا لو دوك، مما يسمح لنا بالاعتقاد بأن بوش ربما كان على دراية بهم.

Image-1776070029
غويا

فرنشسكو غويا – كوارث الحرب

استُلهم موضوع الكوارث من رسوم الفنان الإسباني فرانسيسكو دي غويا (1746-1828). فقد ابتكر سلسلة من المطبوعات الغرافيكية بعنوان: "كوارث الحرب"، والتي تُصوّر الفظائع التي ارتُكبت خلال الاحتلال النابليوني لإسبانيا لذا، فإن تصوير عواقب الحرب واضحٌ تمامًا في هذه السلسلة. يُعدّ تصوير قبح الحياة موضوعًا شائعًا في الرسم الإسباني، كما في تصوير دييغو فيلاسكيز للأقزام؛ وقد استمر هذا النهج لاحقًا مع بابلو بيكاسو ولوحته "غيرنيكا" عام1937. تعتقد كاتبة السيرة مارغريتا أبروتسيزي أن غويا، في سلسلة "كوارث الحرب"، يُصرّ على أن تُرى الحقيقة... وأن تُعرض للآخرين؛ حتى لأولئك الذين لا يرغبون في رؤيتها... وعيون الأعمى لا ترى إلا ظاهر الأشياء، فتُشوّه هذه المظاهر الخارجية، وتُحرّف حتى تُفصح عمّا تريد قوله". وبشكلٍ أوسع، تُشكّل هذه السلسلة جزءًا من تقليدٍ فني أوروبي يُصوّر الحرب، ويتساءل عن عواقب الصراع بين الشعوب، وهو تقليدٌ كان غويا مُلمًّا به، لا سيما من خلال مطبوعاته.

 

يقدّم العمل الفني، بعنوان "هذا أسوأ"، مثالاً صارخاً على تصوير وحشية الحرب: إذ يُصوّر جثة جندي إسباني مُشوّهة مُصلّبة على شجرة، مُحاطة بجثث جنود فرنسيين. استُلهم هذا العمل جزئياً من تمثال بلفيدير، وهو بقايا تمثال هلنستي يُنسب إلى أبولونيوس الأثيني، لم يتبقّ منه سوى الجذع والفخذين. كان غويا قد درسه باللون الأسود خلال زيارته لروما في أواخر ستينيات القرن الثامن عشر. يستلهم هذا العمل الفني الزخارف الكلاسيكية لتصوير الحرب، لكنه يُضخّم قتامة هذه الزخارف من خلال خيارات تركيبية مثل الغصن الذي تُصلّب عليه الجثة، والالتواء الشديد لعنق الشخصية، ووجوده في مقدمة العمل. وبالمثل، اختار غويا تصوير الرجل العاري في إسبانيا في القرن التاسع عشر، حيث كانت محاكم التفتيش لا تزال نشطة، وقد شكل هذا الاختيار تجاوزًا حقيقيًاً للظرف السياسي.

Image-1776070149

أوتو ديكس - جحيم المعارك

لوحة "الحرب" (بالألمانيةJ( Der Krieg) هي لوحة ثلاثية الأجزاء (predella) رسمها الفنان الألماني أوتو ديكس بين عامي 1929 و1932. تنتمي هذه اللوحة إلى حركة الموضوعية – الواقعية الجديدة. استلهم ديكس تصميم عمله من لوحات المذبح، وهي مستوحاة من لوحات عصر النهضة الثلاثية، التي كانت تصور الحياة على الأرض في اللوحتين العلويتين، والموت والجحيم والفوضى في الجزء السفلي.  وهكذا، نلاحظ في لوحة ديكس هذا التناقض، حيث يصور في الجزء العلوي الجحيم في الجزء المتعلق بالحياة، والراحة والسلام في الجزء السفلي.

 

كان أوتو ديكس شارك في معارك الحرب العالمية الأولى. انضم إلى الجبهة في خريف العام 1915. وفي عام 1916، تلقى تدريبًا على استخدام الرشاشات، وشارك في العديد من المعارك في شامبانيا والسوم وروسيا، ونجا منها رغم إصابته بجروح عديدة. دوّن ديكس يومياته، ونفّذ العديد من الرسومات التي تصوّر الصراع في دفاتره. بعد الهدنة، واصل توثيق أهوال الحرب، تاركًا نحو 600 رسم ولوحة مائية وغواش حول هذا الموضوع. بعد عام 1918، رسم لوحة "الخندق"، وفي العام 1924، جمع محفوراته في ألبوم بعنوان "الحرب".

Image-1776070260
الجحيم بوش

انتظر أوتو ديكس أكثر من عشر سنوات بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى ليُنجز لوحته الثلاثية "الحرب". أمضى ما يقارب ثلاث سنوات في إنجازها. لم تكن اللوحة الثلاثية بتكليف، بل كانت جزءًا من عملية أوتو ديكس في التعبير عن ذكرياته عن الحرب العظمى، التي تأثر ديكس بها بشدة. عندما سُئل عن سبب رسمه "الحرب"، أجاب: "أردتُ التخلص من كل شيء!". وكان استعان بشهادات من المحاربين القدامى، وصور نُشرت في الصحف. العمل، وهو تصويري بالكامل، أبعاده: 204 × 204 سم للوحة المركزية، و204 × 102 سم للوحات الجانبية، و60 × 204 سم للوحة السفلية. أما التقنية المستخدمة في العمل هي التمبرا Tempera على الخشب (طلاء أساسه مستحلب البيض)، وهي تقنية قديمة تُستخدم غالبًا في اللوحات الدينية. لجأ الرسام إلى مجموعة ألوان محدودة من الألوان الداكنة جدًا، وكلها مرتبطة بالموت والدمار: ألوان باردة (الأخضر، الرمادي، الأبيض) للجثث المتحللة، والسماء المشبعة بالغاز...أما فيما يخص الدمار، فالألوان دافئة، مثل الأحمر والبرتقالي، التي تستحضر ألوان النار والأصداف والدم.

 

اللوحة ديناميكية: يتبع اتجاه القراءة من اليسار إلى اليمين، مسار الجنود، الذي ينتهي بالموت في الأسفل. ترتيب الشخصيات دقيق: خطوط الجثث والأسلحة في اللوحة اليسرى متناظرة مع تلك الموجودة في اللوحة اليمنى. تشكل كومة الجثث شكل حرف V كبير، ويعكس المنحنى فوق الموتى منحنى الجثة في أعلى اللوحة المركزية. لقد كان هدف الفنان تصوير الواقع الدرامي للصراع، وإثارة الصدمة من خلال التفاصيل المروعة.
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث