كثيراً ما يُشبّه لبنان بقصة الغراب الذي حاول أن يقلّد مشية الحجل ففشل، وبعدما اقتنع بفشله حاول أن يعود الى مشيته الأصلية فلم يستطع لأنه نسيها، فصار يتعثر كلما حاول المشي. لقد أضاع الغراب مشيته الأصلية ولم يستطع أن يقلد مشية الحجل.
كأن "قَدَرنا"، الذي صنعناه بأيدينا، أن نبقى وطن التأرجح والتبعثر والتعثر والضياع منذ نلنا استقلالنا. فالاستقلال الذي قام على "الميثاق الوطني" كأداة تسوية بين اللبنانيين، رسخ هوية لبنان "ذي وجه عربي" من خلال التوازن بين الانتماء العربي وعدم التبعية للغرب، مع ضمان التعايش والسيادة. توافق الزعيمان بشارة الخوري ورياض الصلح على صيغة "لا شرق ولا غرب"، مما جعل لبنان دولة مستقلة ذات طابع عربي، لا تتنازل عن سيادتها ولا تذوب في تحالفات إقليمية، مع الحفاظ على علاقات وثيقة مع الغرب. لكن الواقع كان يفرز الانقسام المجتمعي، خصوصاً في سنوات الحرب...
بعد ستة أعوام على الاستقلال، كتب الصحافي جورج نقاش في 10 آذار 1949، واستشرف بأنّ "نفيَين لا يصنعان وطناً"، وذلك رداً على شعار "لا شرق ولا غرب"، قاصداً الفكرة التي كانت أساس قيام دولة لبنان، والتي التقى حولها المسلمون بتخلّيهم عن فكرة دولة الوحدة السورية، مقابل تخلّي المسيحيين عن الانتداب الفرنسي. لقد أدى، النَّفيَان، أي الابتعاد المسيحي عن الغرب، والابتعاد الإسلامي عن العرب، إلى إنتاج التسوية التي استمرت متعثرة متقلبة مقلقة، تتغير التحالفات التوزانات والنتيجة واحدة. أُدخل جورج نقاش السجن بسبب مقولته، واغتيل رياض الصلح الذي نظّر للبنان "البين بين" أو "لا شرق ولا غرب"، ولم يطُل الوقت حتى دخل لبنان حالة معاكسة لما انتقده نقاش. ففي عهد الرئيس كميل شمعون، دخل لبنان بإرادة أهاليه وزعمائه الكثر، لعبة المحاور وحلف بغداد وعروبة عبد الناصر ووصلت قوات المارينز إلى الرملة البيضاء في بيروت، وكان ما كان.
صحيح أن فؤاد شهاب في عهده، تجنب تحالفات الشرق والغرب، وحافظ على الحد الأدنى من التوازنات الداخلية والخارجية والسيادة الوطنية، على الأقل من خلال "الخيمة السيادية" عند معبر المصنع حيث عُقد اللقاء الشهير بين فؤاد شهاب وعبد الناصر على الحدود اللبنانية-السورية في 8 شباط 1959، أي بعد سنة من إعلان الوحدة بين مصر وسوريا التي أخافت مسيحيي لبنان. لكن النهج الشهابي لم يعجب ما يسمى "العائلات الروحية" وقد انقلبت عليه، وأدخلوا شائعات تماثيل العذراء في الحرب ضده، ولم تمض سنوات حتى تجذر لبنان في المحاور، خصوصاً خلال سنوات الحرب. فئة انغمست في تحالف متين مع المقاومة الفلسطينية، وفئة دخلت في تحالف أمتن مع إسرائيل. كان كل فريق يحلم بدولة على مقاسه، وفشل المشروعان على أيدي السوريين، واغتيل كمال جنبلاط العام 1977، واغتيل بشير الجميل العام 1982، ودخل لبنان في سلسلة حروب أخرى برعاية سورية وأدوات لبنانية ما زالت تحكمنا. وبعد انتهاء الحرب، أبقى النظام السوري على جُملة "السلاح" ملتبسة حول "تحرير الأرض"، لإبقاء الحروب مشتعلة تحت ستار المقاومة، ولمواجهة إسرائيل من خلال الميدان اللبناني.
ويوم انسحبت إسرائيل، شعر النظام السوري بالارتباك. وكان رفيق الحريري، على طريقة رياض الصلح وفؤاد شهاب، يسعى أن يكون لبنان "بين بين"، فاغتيل العام 2005، ودخلنا في جموح الانقسام العنيف، حلفاء النظام الإيراني و"شكراً سوريا الأسد"، وجماعة السيادة والحرية والاستقلال المدعومة من الغرب وبعض العرب. وإذا ما غلب "محور شكراً سوريا"، إذ فرض واقعاً ما على سياسات لبنان طوال سنوات ما بعد 2005، فقد صار لبنان في الفلك الإيراني، بشكل أو بآخر، لكن هذا المسار تعرض لهزيمة بعد اغتيال حسن نصرالله وسقوط نظام الأسد.
واللافت أن مقولة جورج نقاش الثاقبة والاستشرافية، صارت قاعدة لخلق مقولات أخرى، في بلد نسي الثنائية الأساس، أي الجبل والبحر التي نظّر لها ميشال شيحا، ليجترح ثنائيات عجيبة تجعل نهوضه مستحيلاً. فطوال سنوات ما بعد "الطائف"، كنا مدركين أننا نعيش ضمن "دولتين لا تصنعان أمة"، أي الدولة اللبنانية ودويلة حزب الله، وأن "سلاحَين لا يصنعان جيشاً"، وأن "رئاستين (وأكثر) لا تصنعان مؤسسات". وفي المدة الأخيرة، نعيش على وقع أن "عجزَين لا يصنعان دولة"، وقد كتب الزميل طوني فرنسيس أن الدولة اللبنانية تعجز عن مواجهة "حزب الله"، فيما يعجز الحزب عن مواجهة إسرائيل، والنتيجة عجز مزدوج ينعكس على مصير بلد لا يعرف طريقاً للخروج من مآزقه. والآن كتب الزميل منير الربيع أن "سرديتين لا تصنعان وطناً"، فهناك استماتة من فريق الممانعة لإظهار إيران في صورة المخلّص للبنان لأسباب معروفة. وهناك فريق يعتقد، كما اعتقد في السابق، أن سطوة حزب الله لا تنتهي إلا بحرب إسرائيلية، والنتيجة أنه لم يبق من لبنان غير التصدع والركام والمقابر، يعيش في واقع التأرجح: وقف لإطلاق النار ولا وقف لإطلاق النار، نزع سلاح ولا نزع سلاح، دولة ولا دولة، اتفاق ولا اتفاق...




