"إيجار قديم": التاريخ السياسي للسكن في مصر

شادي لويسالسبت 2026/04/11
Image-1775881939
لا يداعب "إيجار قديم" أي نوستالجيا ناصرية، بل يقدم تاريخاً موجزاً وجافاً
حجم الخط
مشاركة عبر

"التقنين المدني الحالي جعل الملكية وظيفة اجتماعية تقوم بها... حيث يتعارض حق مع مصلحة عامة، فالمصلحة العامة هي التي تقدم... حيث يتعارض حق المالك مع مصلحة خاصة هي أول بالرعاية من حق المالك، فإن هذه المصلحة هي التي تقدم.. بعد أن يعوض المالك تعويضاً عادلاً".

 

في المقطع أعلاه يستشهد يحيى شوكت ونادين عبد الرازق في كتابها "إيجار قديم: التاريخ السياسي للسكن في مصر" (دار المرايا، 2026) بالمبدأ الذي وضعه الفقيه القانوني الدكتور عبد الرازق السنهوري في القانون المدني الجديد لسنة 1948 والذي يقر أن للملكية الخاصة وظيفة اجتماعية. أتاح ذلك المبدأ سلسلة من التشريعات المتعلقة بتقدير الإيجارات العقارية أو تثبيتها أو ضبط زيادتها من قبل الدولة أو توريثها، وذلك لإعلاء مصلحة المستأجرين فوق حق الملاك، أو بمعنى آخر إعلاء مصلحة أصحاب الدخول فوق مصالح أصحاب الثروة. وكان من نتاج تلك التشريعات على مدى ما يقرب من سبعة عقود ونصف الظاهرة الاجتماعية والاقتصادية والقانونية المركبة المعروفة باسم "الإيجار القديم"، وهي عقود إيجار بمقابل منخفض وشبه ثابت وغير محددة المدة وقابلة للتوريث.

 

يأتي صدور الكتاب على خلفية صدور القانون رقم 164 لعام 2025، والذي صدق عليه رئيس الجمهورية في 4 آب/ أغسطس من العام نفسه وصار سارياً في اليوم التالي. وبموجب هذا القانون تنتهي العقود السكنية لما يعرف بـ"الإيجار القديم" بعد 6 سنوات من سريان القانون، أي في أغسطس العام 2032، مما سيعرض سكان حوالي 1.6 مليون وحدة سكنية لخطر الإخلاء. ويذكرنا "إيجار قديم" بأن هذه ليست السابقة الأولى لتحرير الإيجارات. فإلغاء قوانين إيجار الأراضي الزراعية في التسعينيات أدى إلى حالات عنف شديد، حيث قاوم المزارعون الإخلاء من أراضيهم على مدار سبعة أعوام، سقط خلالها 344 قتيلا في اشتباكات مع الشرطة، وأصيب أكثر من ألفين بالإضافة إلى اعتقال المئات منهم.

لا يتتبع الكتاب التغيرات التشريعية المتعلقة بالإيجارات فقط بل يشير أيضاً إلى القناعات الأيديولوجية التي صاغتها. اللافت هو أن السوابق التاريخية لتحديد الإيجارات لا تبدأ مع اشتراكية ناصر، بل في العهد الملكي، وبالتحديد أثناء الحربين العالميتين، حيث استنسخت تلك التشريعات القوانين البريطانية المتعلقة بقيود الإيجار والفوائد على الرهن العقاري. وفي العام 1947، أي في عهد الملك فاروق، تم تحويل هذا القوانين المؤقتة إلى تشريعات دائمة. يؤكد ذلك مراجعات تاريخية مؤخراً تشير إلى جذور السياسات الاجتماعية الناصرية في العصر الملكي.

 

بعد شهرين من ثورة يوليو، صدر قانون لتخفيض الإيجارات، وفي العام 1962 صدر قانون لتشكيل لجان لتقدير الإيجارات في كل محافظة، وبعد النكسة بعام واحد صدر قانون لتشكيل لجان "خلو الرجل والمصالحات" وفي العام 1969 تم تأبيد الإيجار للمستأجر وورثته حتى الدرجة الثالثة. يكشف تاريخ التطورات التشريعية المتعجلة ذات الطابع السياسي عن طبيعة الإيجار بوصفه ورقة سياسية شديدة الحساسية والتأثير.
مع تولي السادات للحكم بدأت الخطوات الأولى للتحرير التدريجي للإيجار. في العام 1971، تم تحرير الإيجار من الباب الخلفي حيث أعفى قانون الاستثمار المساكن المنشأة من قبل استثمارات عربية وأجنبية من قانون الايجار. وفي العام 1977، تحل الشريعة بدلاً من الاشتراكية لصياغة تشريع لحل مشكلة السكان. لاحقاً وفي العام 1996، أي في عهد مبارك يتم التحرير الجزئي للإيجارات، بالعودة إلى القانون المدني رقم 133 لسنة 1948، "تماشياً مع اقتصاد السوق، والعودة إلى العلاقات الطبيعية بين الأفراد، وتطبيق قانون العرض والطلب". خلق ذلك القانون نظامين للإيجار، القديم والجديد، في إطار "التكيف الهيكلي" وبرنامج الإصلاح الاقتصادي تحت إشراف صندوق النقد الدولي. وأخيراً يسجل قانون العام الماضي نهاية لقصة الإيجار القديم وآخر علامات الدور الاجتماعي للملكية الخاصة.

 

لا يداعب "إيجار قديم" أي نوستالجيا ناصرية، بل يقدم تاريخاً موجزاً وجافاً أحياناً كثيراً للدراما التشريعية المتعلقة بالإيجار وعجز الدولة الاشتراكية عن توفير السكن الاجتماعي لمواطنيها، وفي نفس الوقت يكشف عن الكيفية التي ساهم بها التحرير التدريجي للإيجارات واقتصاد السوق في تراجع الإيجار سواء على مستوى العرض أو الطلب. السؤال الذي يتركه معنا الكتاب هو مصير بضعة ملايين من المؤجرين سيلاحقهم خطر الطرد بعد خمسة أعوام من الآن.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث