ثمة مفارقة تسكن قلب التجربة الفلسطينية كلها، وقد آثر الكاتب المبدع محمود شقير أن يجعل منها مشروعه الأدبي بأكمله، وهي أن المحتلَّ يملك القوة، لكن من يملك الرواية يملك الوجود. وقد آمن شقير، على امتداد أكثر من ستة عقود من الكتابة، بأن المدينة التي تُروى بحب وإخلاص لا يمكن أن تُمحى، وأن السرد ليس توثيقاً للحياة بل هو الحياة ذاتها حين تُسرق الأرض وتُغلق الأبواب.
لم يكتب شقير عن القدس من الخارج كما يكتب الشعراء عن المنافي، ولم يُحوّلها إلى رمز بلاغي أو استعارة وطنية جاهزة. ولكنه كتبها من داخل نسيجها الحيّ، من امرأة تساوم على الخضار في سوق البلدة القديمة، ومن عائلة بدوية تحزم بيوت الشَّعَر وترحل نحو تخوم المدينة، ومن حارة تتبدّل ملامحها بطيئاً تحت وطأة الاحتلال. هذا الإصرار على اليومي والمحسوس والإنساني، على حساب الملحمي والتصريحي، هو ما يجعل مشروعه السردي أشد فتكاً في مواجهة النسيان من كل خطاب.
ثلاثة ثيمات كبرى تشكّل العمود الفقري لهذا المشروع، الأولى هي القدس بوصفها كائناً حياً لا مجرد مكان، والثانية العائلة الفلسطينية بوصفها المرآة التي تنعكس فيها تحولات التاريخ كله، وأما الثيمة الثالثة فهي المرأة بوصفها شخصية كاملة ذات إرادة وتمرد، لا رمزاً للأرض ولا هامشاً في حكاية الرجال. حول هذه الثيمات الثلاث نسج شقير أكثر من ستين كتاباً، وأسس بذلك مشروعاً نادر الاتساق في الأدب العربي الحديث، وجديراً بأن يُقرأ اليوم بعيون جديدة في زمن تُحرق فيه المدن وتُمحق الذاكرة.
شخصية العام الثقافية
في الخامس عشر من آذار/ مارس 2026، أعلنت وزارة الثقافة الفلسطينية أن الأديب والروائي المقدسي محمود شقير هو شخصية العام الثقافية لعام 2026، وتوّج الإعلان مسيرةً أدبية تمتد على أكثر من ستة عقود متواصلة من الكتابة والشهادة والمقاومة بالكلمة. لم يكن هذا الاختيار منحةً تُقدَّم لكاتب في شيخوخته، بل كان اعترافاً متأخراً بضمير ظلَّ يقظاً طوال هذه العقود، يكتب القدس كما لو أن الكتابة وحدها هي ما يحول دون طمس المدينة من الوجود.
وُلد محمود شقير عام 1941 في بلدة جبل المكبر جنوب شرقي القدس، تلك المنطقة التي تطلّ على المدينة المقدسة من علوٍّ يجعل النظر إليها فعلاً يشبه الصلاة. ترعرع في أسرة تنتمي إلى عشيرة الشقيرات ذات الجذور البدوية، وهي التفصيلة التي ستتحول لاحقاً إلى نسغٍ يجري في عروق ثلاثيته الروائية الكبرى. درس الفلسفة وعلم الاجتماع في جامعة دمشق، وتخرّج منها عام 1965 حاملاً أدوات نظرية ستُغذّي رؤيته السردية لاحقاً، من دون أن تُثقل نثره بجهاز المصطلحات الأكاديمي. عمل في التعليم والصحافة، وتولّى مسؤوليات تحريرية في منابر مثل مجلة الطليعة وصوت الوطن، وكان حاضراً في الحياة العامة بمعنى كامل وغير مريح، إذ اعتُقل عام 1969، ووُضع تحت الإقامة الجبرية عام 1972، ثم أُبعد عن القدس عام 1975 بسبب نشاطه السياسي.
تلك السنوات الثماني عشرة من المنفى، التي قضاها متنقلاً بين بيروت وعمّان وبراغ، لم تكن انقطاعاً عن القدس بل كانت تعميقاً للعلاقة بها. ثمة مفارقة قاسية يعرفها كل من أُبعد عن مكانه، وهي أن المدينة التي تُمنع من العيش فيها تتضخم في الداخل وتصير أكبر من حجمها الجغرافي، تصير فكرة وهاجساً وموضوع كتابة لا ينضب. وحين عاد شقير إلى القدس عام 1993 بعد توقيع اتفاقيات أوسلو، عاد إليها بذاكرةٍ مضاعفة، إنها ذاكرة من عاشها وذاكرة من حلم بها في المنافي.
المشروع القصصي
نشر شقير أولى قصصه عام 1961، وعُرف في البدء قاصاً من طراز رفيع، وقد تأثرت قصصه الأولى بالنكبة الفلسطينية عام 1948 وما أحدثته من جرح في الوعي الجمعي الفلسطيني. ثم جاءت رحلته التجريبية تدريجية، من الواقعية الكلاسيكية في بداياته نحو أشكال سردية أكثر تقطيعاً وتوتراً وتناصاً مع المشاهد البصرية والمفارقة الساخرة. غير أن الثابت في كل هذه التحولات الأسلوبية بقي واحداً، وهو تصوير تفاصيل الحياة الفلسطينية في يوميتها الكثيفة، من شوارع القدس وأسواقها وأحيائها القديمة وأناسها العاديين الذين يحملون في روتينهم اليومي ثقل التاريخ كله.
بدأ شقير مشروعه الأدبي قاصاً قبل أن يصبح روائياً، وظلّ قاصاً حتى حين صار روائياً كبيراً. منذ مجموعته الأولى "خبز الآخرين" عام 1975 مروراً بـ"الولد الفلسطيني" و"طقوس للمرأة الشقية"، فقد رسم شقير مساراً تجريبياً نادراً في القصة الفلسطينية، إذ انتقل من الواقعية الكلاسيكية الأولى نحو القصة القصيرة جداً التي جعل منها شكلاً أدبياً راسخاً في المشهد العربي. ولم يكن هذا الانتقال تخلياً عن الحكاية بل كان تكثيفاً لها، إذ استبدل الحبكة التقليدية بـ"قصة الحالة"، تلك اللقطة الوجدانية المضغوطة التي تقترب من الشعر في إيجازها وتحتفظ بالسرد في صميمها.
وما يميز مشروعه القصصي أنه لم يتوقف عند شكل واحد، بل تطوّر نحو ما يمكن تسميته المتوالية القصصية، وهو بناء تتشكّل فيه القصة القصيرة جداً وحدة صغرى ضمن كتاب قصصي متكامل تجمعه رؤية واحدة وفضاء مشترك. ويعدّ كتابه "القدس وحدها هناك" بمئة وخمس وخمسين مقطعاً، ومجموعاته "احتمالات طفيفة" و"مدينة الخسارات والرغبة"، نماذج على هذا البناء المركّب الذي يجعل القارئ يتنقل بين قصص مستقلة تبدو وكأنها تتنفس من رئة واحدة. وقد ترجمت قصصه إلى أكثر من عشر لغات، وهو اعتراف عالمي بأن ما كتبه عن اليومي الفلسطيني في القدس ليس شأناً محلياً، وإنما هو الشكل الإنساني الأكثر عمقاً لسؤال الهوية والمكان والبقاء.
القدس وحدها هناك
يُمثّل كتابه "القدس وحدها هناك" واحداً من أكثر الأعمال العربية المعاصرة إخلاصاً لفكرة التوثيق الشعري للمكان. يتألف الكتاب من مئة وخمس وخمسين مقطعاً سردياً قصيراً تتعاقب لتشكّل صورة نابضة لمدينة تتشابك فيها سيرة المكان مع سيرة الناس، مدينة لا تستكين لأن ثمة من يرويها. لكن العمل الذي يمثّل ذروة مشروعه السردي ويكشف عمق رؤيته الروائية هو الثلاثية العائلية المؤلفة من "فرس العائلة" و"مديح لنساء العائلة" و"ظلال العائلة". تبدأ هذه الثلاثية من التاريخ الاجتماعي لعشيرة بدوية فلسطينية، تلك التي تحمل في سيرتها شيئاً من سيرة أسرة شقير نفسها، ثم تتتبع انتقالها نحو القدس وتصوير التحولات الاستعمارية والاجتماعية التي طالتها عبر عقود، لتبلغ في جزئها الأخير أسئلة العيش تحت الاحتلال وما يرافقه من شتات داخلي وتبدلات في القيم والعلاقات الإنسانية.
في "مديح لنساء العائلة"، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية عام 2016، اعتمد شقير أسلوب تعدد الأصوات ليُعطي المرأة الفلسطينية موقعها المركزي في السردية التاريخية، مُعترضاً على الأنماط الروائية التي تجعل المرأة هامشاً في حكايات الوطن والنضال. والحقيقة أن المرأة في روايات شقير ليست رمزاً للأرض أو استعارةً للوطن بالمعنى البلاغي المبتذل، بل هي شخصية كاملة بتناقضاتها ورغباتها وتمرداتها الخاصة على ضغوط مجتمع ذكوري ومحتلّ في آنٍ واحد. وفي "ظلال العائلة"، آثر الراوي بضمير المتكلم الذي يجعل القدس المعاصرة هي المكان المركزي، مستكشفاً التبدلات التي طرأت على المجتمع الفلسطيني في ظل الاحتلال المديد.
شرط الجمال والنضال
لم تكن الكتابة عند شقير ترفاً أو لعبة جمالية خالصة، وإن ظلّ الجمال شرطاً لا تنازل عنه. كانت الكتابة موقفاً وجودياً ينبع من قناعة راسخة بأن السرد شكل من أشكال النضال، وأن حماية الذاكرة مسؤولية أخلاقية لا يمكن التنازل عنها أمام إرادة المحو الاستعماري. ما يميز شقير عن كثيرين كتبوا عن القدس هو أنه لم يكتب عنها من خارجها، بل من داخل نسيجها الحيّ، من شوارع يعرف حجارتها وأسواق يعرف باعتها وأحياء تسكن في خلاياه. حتى في المنفى، ظلّت القدس هي المكان الأول والأخير في مخيلته.
حاز شقير عدداً من الجوائز المهمة خلال مسيرته، من بينها جائزة محمود درويش للحرية والإبداع عام 2011، وجائزة القدس للثقافة والإبداع عام 2015، وجائزة دولة فلسطين للآداب عام 2019 عن كتابه "سقوف الرغبة"، وجائزة فلسطين للآداب عن دورة 2023 تكريماً لمجمل أعماله. وقد ترجمت قصصه ورواياته إلى أكثر من عشر لغات، لتدخل الأدب الفلسطيني إلى قراء العالم بما تحمله من حرارة المكان وكثافة اللحظة الإنسانية. أصدر على امتداد مسيرته أكثر من ستين كتاباً بين القصة والرواية وأدب اليافعين وأدب الرحلة والسيرة الذاتية والسيناريو التلفزيوني، مؤسِّساً بذلك مشروعاً أدبياً متكاملاً نادراً ما تجد له نظيراً في الأدب العربي من حيث الاتساق الرؤيوي والتنوع في الأشكال.
اختيار محمود شقير شخصية العام الثقافية لعام 2026 يحمل رمزيته الكاملة في سياق ما تمر به فلسطين اليوم. فحين تحترق غزة وتُهدَّد القدس وتُمحق حياةٌ بأكملها، يصبح الاعتراف بكاتب آمن طوال حياته بأن المدينة التي تُروى بحب وإخلاص لا يمكن أن تُمحى، اعترافاً بالكتابة ذاتها بوصفها فعل مقاومة. بعد خمسة وثمانين عاماً من الحياة، وأكثر من ستين عاماً من الكتابة، يقف محمود شقير شاهداً على أن القدس لا تزال هناك، وأن الكلمة وحدها هي ما صمدت حين لم يصمد شيء آخر.




