كأن الحياة في علبة سردين

محمد حجيريالجمعة 2026/04/10
Image-1773926511
دمار الجنوب صور قادة حزب الله وإيران (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ذكرى الحرب 13 نيسان هذه السنة، والتي صارت دافعاً للكتابة "الفلكلورية" في كل مرة، تأتي في خضم حرب أشدّ قسوةً ومرارة ولعنة. فوق أزماتنا الاقتصادية والاجتماعية والترهل والانقسام. الطائرات الحربية الإسرائيلية تزعق في سمائنا، تنتج الخراب المديد في القرى والبلدات الجنوبية والبقاعية وبيروت والضاحية ومختلف المناطق. صارت الأرض مجرد يباب، القذائف طحنت البشر والشجر والحجر. الغارات الجحيمية جعلتنا مجرد أنغوغراف أو أرقام يومية في الصحف والمنصات والمنابر والوزارات. قتلى وجرحى وأيتام وأرامل ومراكز إيواء وصناديق تغذية. كـأن الحياة في علبة سردين، كأن السياسة في القسطل. الدولة "صوت صارخ في البرية"، لا دور ولا قدرة على المبادرة، والناس كائنات مجبولة بالخوف والولاء والعماء، تنتظر لعبة الموت الجماعي. وكائنات تسكنها لعبة المغامرة، تتسابق على تصوير لحظة الهروب، أو لحظة القصف المدوي. وفوق المآسي والقتل والموت تأتي لعبة الفرز ولغة التخوين وفحص الدم وأسطوانة "صهيوني صهيوني"، وفصام الجماعات، وهناك أصوات تتوهم أن "المخلّص" يأتي من دول الجوار.


حياة في علبة سردين، ومن أقدارنا أننا أمام مشهد، حتى في ذروة وجود التفاؤل فيه، يدعو إلى التشاؤم والإحباط وتجليات الخوف واللاستقرار. فنحن أمام ميتافيزيقيتين: ميتافيزيقا "المقاومة" والسلاح، ذلك أن حزب الله بات متجذّراً في البنيان المجتمعي الشيعي، يرتبط عضوياً وعقائدياً بإيران، وزادت سنوات الحروب والسلاح والدم من تجذره في الصميم، بمعنى آخر، السعي لاقتلاع مشروع سلاح حزب الله راهناً من الأوهام، فهو ينام لاشهر ويستيقظ من جديد، القضية شديدة التعقيد ومتشابكة عقائدياً وإقليمياً. والحزب لا تعنية العبر والدروس والتجارب، لا يقتنع أن حركات والتحرّر والمقاومات تولد في مراحل الشدّة وتنتهي حين تحقق غايتها. لا يقنع أن مشروعه بات مصدراً للشرخ والتصدع والواقع المعلّق، لا يقتنع أن ما يفعله الآن، فعله غيره سابقاً ودخل في التيه والانزلاق، لا يقتنع أن إدارته لحروبه لم تكن موفقة، بل ذهب معظم قادته وبيئته ضحيتها. 


حياة في علبة سردين، وسياسة في القسطل، ولا ضير إن قلنا، أن أي تغيير جذري في سياسة سلاح الحزب، يرتبط أيضاً بمكان المنشأ والمصدر، وتصريحات أركان الجمهورية اللبنانية وأن كانت ضرورة وواجبة، لكن لا شيء يطمئن، أو يدعو للتفاؤل، لطالما اشتهرت السلطة اللبنانية بالتسويات والبحث عن الميثاقية وجنس الملائكة والتكاذب والنفاق والزواج المصلحي الذي يكثر القمامة تحت السجادة. قالت السلطة إنها عاجزة عن تصليح القسطل، فكيف بالحري أن يكون تعاطيها مع الأنفاق الحربية.

في المقابل هناك ميتافيزيقيا أو أسطورة الأمن الإسرائيلي. كأن إسرائيل وجدت من أجل أمنها. وإسرائيل في مشهدها كأنها حاملة طائرات عملاقة ومصنع صواريخ، وتبحث عن حروب دائمة. "أنا أحارب إذا انا موجود" يقول بيغن، مع تزيين الحروب بأسماء من أسطورة التوراة والبعد الديني. وبين أسطورة السلاح واسطورة الأمن أي حياة نعيشها.


حياة في علبة سردين، وذكرى الحرب 13 نيسان هذه السنة، كأنها نوستالجيا جماعات بالمعنى السلبي. ذاكرة تكتنز بالأحقاد الدفينة والأوهام القاتلة. تحنّ مجموعة إلى 6 شباط باعتبار أن زعيمها انقلب على الدولة وفرض شروطه مدعوماً من الأغيار والغرباء، نفذ أجندات الحروب من أجل الآخرين. وتحنّ مجموعة أخرى إلى 17 أيار باعتبار الاتفاق الذي يخلصنا من عناء المقاومات والميلشيات، وتريد الثأر لسقوطه أو اسقاطه. وتحنّ مجموعة أخرى مع معتوه إلى النظام الأسدي. ويحنّ صحافي إلى الرائد سعد حداد باعتباره صانع السلام مع العدو في الجنوب، وثمة من يحن إلى الجنرال أنطوان لحد باعتباره "رجل السيادة والاستقلال"، وهناك من يدعو إلى الاعفاء عن إتيان صقر الوطني. ويبوح قيادي في حزب الله بالوعيد والتهديد لحكومة فيشي، ويعود زعيم ماروني إلى "خطنا وخطهم". وخلق التصدّع السياسي الراهن أنماط أخرى من الإعلاميين، كانت موجودة لكن ليست بهذا الجموح، الكلام النابي العاري بات مألوفاً، والكلام الذكوري على قدم وساق، وأيضاً القدح والذم. الخطير أن هناك دعوات علنية إلى الصواريخ والمجازر والفتك. هناك اعتراف علني من أركان حزب الله بأن الحرب تخاض ثأراً لإيران، هناك دعوات علانية من البعض إلى الأسرلة والتطبيع.
لبنان، للأسف هو بلد ذاكرات الأحقاد والعود الأبدي، وتتصل فكرة العود الابدي بفلسفة الحتمية في أن الناس محكوم عليهم الاستمرار في تكرار الأحداث نفسها مرة بعد أخرى إلى ما لانهاية. في إحدى تعليمات فيثاغوروس (570-495 قبل الميلاد) أنه "بعد فترات محددة، الأحداث نفسها تحدث مرة أخرى" وإن "لا شيء هناك جديداً بالكامل".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث