إياد حمودة: عشب الأرض المحترقة في مواجهة اليتم الثقافي

علي سفرالجمعة 2026/04/10
Image-1775809285
إياد حمودة
حجم الخط
مشاركة عبر

قبل أكثر من شهر تداولت أوساط أدبية السورية خبراً عن رحيل الشاعر إياد حمودة إثر نوبة قلبية مفاجئة. ومع تعدد النعوات التي كتبها أصدقاء الراحل، اختفت النعوة الرسمية، إذ لم تقم أي جهة ممن يتنطحون لأداء دور المسؤولية بشكل ما عن الإبداع والمبدعين بتأبينه! وهكذا ظهر كأن إياد نبت غريب في البيئة السورية العامة، عاش عمره (46 سنة) بين آخرين يشبهونه ويكاد عيشهم يقترن بالهامشية! 

 

الشعر الذي كتبه إياد جميل جداً، ويحمل في تقنياته ومضامينه الرؤى الحداثية العامة التي تميز الأجيال العربية التي تكتب قصيدة النثر في انتحاءاتها، وحفرها في الذات الإنسانية وسط الخراب الذي أصاب الإنسان، ليس في الفضاء المحلي أو العربي، بل على المستوى الإنساني. كما ان بقاء الشاعر في سوريا طيلة سنوات الحرب جعل نصوصه تفيض بما يستطيع الشاعر أن يقوله في مواجهة التدمير الذي أصاب البنيان السوري على كافة المستويات، فعلى الأرض التي تشهد موت البشر لا تستطيع الكلمات أن تُكتب دون أن يلمح القارئ على حدود سواد حروفها خيوطاً ناعمة من أحمر الدم أو شفافية الدمع.

يكتب إياد:

"ما الذي ظل..ّ

من البلادِ إذا..ً

ماذا؟

وحلٌ على أحذيتهِم..

هل يملكون غير البكاء"

Image-1775809081

وفي تحليل النسق الذي تدرج فيه نصوصه التي وجدناها في كتابين، الأول: وهو "الشمس لا تشرق من ساعة اليد" وصدر عن دار أرواد في مدينة طرطوس، والثاني: "نبيذ نابليون الأحمر" وهو إصدار إلكتروني خاص. يمكن التوجه نحو عتبة مختلفة عما تداولت قصيدة اليومي التي سادت منذ سبعينات القرن الماضي، فهنا يدمج الشاعر بين المساحة الشخصية وأفعالها وبين الرؤيوية التي تحاول تفسير الأذى الذي يصيب الكائن الإنساني الهش، ويجعل من الشعراء أصحاب الحساسيات العالية أشبه بقبيلة هاربة، تعيش آلام سلالتها:

" إنها سلالات.ٌ.

لا تأبه كثيراً.. بالخلود التاريخيّ

سلالاتٌ ممّن يشربون النبيذ.. يوم الأربعاء

حين ينطفئ العالم..ُ ويضطرمُ الحب

سلالات.ٌ.

ممّن يضاجعون حبيباتهِم على الكَنَبَة..

بعد حديثٍ رائع.ٍ. عن الفن

سلالات.ٌ.

ممّن يزدردون الطعامَ المُعلَّب..

ويبصقون على الجنرالات

/

الأعداء الوحيدون

للتفاهة العالميّة"

Image-1775809645

صورة الشاعر التي قدمها إياد عن نفسه تتشابه مع كثير مما قرأناه لدى آخرين سبقوه في التجريب الشخصي، لكنه يذهب أبعد وهو يشير في كثير مما كتبه إلى الحصار، حيث لا يوجد في المكان شركاء سوى أشياء قليلة:

"أنت شريكي في الرقص.ِ.

أيها الدُخان..

وأنت..ِ أيتها القصائد

عشبَ الأراضي المحترِقَة"

وكما كل شاعر رسم صورة غيابه، في إيجاز ضروري دون تحميل للآخرين أي تبعات يقول:

" اشربوني.. بلا ندمٍ

يا رفاق

يا لتفاهةِ الندَم"

التوقف السريع عند قصائد الراحل إياد حمودة لا يغني عن ضرورة استعادة نصوصه من التشتت وإعادة تقديمها بما يليق بها، وكذلك فإن غيابه وعدم الاحتفاء بالتجربة في الأصل، يقود إلى سؤال أشد قسوة حول نكران المؤسسة الإبداعية لحقوق المبدعين الذين لا ينضمون للتشكيلات الرسمية، ولا يجدون أنفسهم فيها، وحتى إن فعلوا وصاروا أعضاء فيها فإنهم سرعان ما ينكفؤون عن منابرها ويبحثون عن نوافذهم الصغيرة التي يطلون من خلالها على مساحات الإلهام! والأمر ذاته ينطبق على غياب المنابر التي يمكن أن تقدمهم بوصفهم أصحاب نزعات تجريبية للأوساط الأدبية.

في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، أطلقت مجموعة من المثقفين السوريين مجلة "ألف للكتابة الجديدة"، في زمن كانت فيه المنابر الإبداعية المحلية شبه معدومة، باستثناء مجلة "المعرفة" التابعة لوزارة الثقافة، وجريدة الأسبوع الأدبي ومجلة الموقف الأدبي اللتين يصدرهما اتحاد الكتاب العرب، وهي منابر لم تكن مهجوسة بتقديم التجريب وتحافظ على حضور الشعر التقليدي بين قصيدة العامود وشعر التفعيلة. 

Image-1775809383

برزت "ألف" بسرعة لافتة، وقدمت نفسها بوصفها مساحة مفتوحة للتجريب والكتابة المختلفة، لكنها توقفت مبكراً بسبب غياب التمويل والمضايقات الإدارية، ولاسيما الصعوبات المتعلقة بتوزيع أعدادها داخل سوريا وفي البلدان العربية.

هذه التجربة تستحق العودة إليها دائماً. كلما قرأنا عن غياب اسم إبداعي كان يحاول الشغل على النص خارج مألوف المنابر التقليدية، فهي لم تكن مجرد مجلة تنشر نصوصاً جديدة، بل كانت رافعة حقيقية لأسماء شابة، ومنبراً يُقصد لمعرفة ما يتشكل في الهامش الإبداعي. والأهم أنها خلقت عنواناً واضحاً للمبدعين الجدد، عنواناً يمكن العودة إليه لاكتشاف الأصوات المغامرة والتجريبية. ولو استمرت، لربما تحولت إلى مؤسسة رمزية تُقدّم كل جيل جديد إلى القارئ.

 

بعد توقف "ألف"، ظهرت مجلات أخرى حاولت أن تؤدي الدور نفسه، لكنها سرعان ما توقفت أيضاً. ومع ظهور الإنترنت، انتقل النشر تدريجياً إلى الفضاء الرقمي، فتكاثرت المنصات والمجلات الإلكترونية، غير أن أياً منها لم ينجح في تشكيل منبر جامع، يمتلك الشرعية الرمزية نفسها التي امتلكتها "ألف". حيث صار النشر متاحاً، لكن عنوان الهامشيين غاب.

مع الثورة السورية تعمّق هذا الفراغ. إذ أن البلاد لم تكن تمتلك أصلاً منابر إبداعية تحتضن النفس التجريبي، وعندما بدأ التشظي، تراجع ما تبقى. داخل سوريا توقفت معظم المنابر، أو تقلص حضورها، وبات النشر محفوفاً بالخوف من المساءلة. في الخارج، تكاثرت المبادرات الفردية، لكنها بقيت متفرقة. هكذا نشأت فجوة مزدوجة: فجوة بين الأجيال، وفجوة بين المبدعين أنفسهم، بحيث لم يعد كثير منهم يعرف الآخر، ولا يتابع ما يُكتب في الضفة المقابلة.

اليوم تظهر بعض المجلات التي تدّعي تمثيل الكتابة المختلفة، غير أن غياب النقد والمتابعة، وانقطاع الصلة بتاريخ الإبداع منذ نهاية الثمانينيات، يجعل كثيراً من النصوص تدور في حلقة التكرار. تُقدَّم بوصفها مغامرة، بينما هي تعيد إنتاج ما كُتب سابقاً، من دون وعي بالتراكم.

المؤلم أن هذا الغياب لا يبدد النصوص فقط، بل يبدد الأسماء أيضاً. أصوات مهمة بقيت خارج الضوء، وبعضها غادر الحياة قبل أن يُعرف. ورحيل الشاعر إياد حمودة مثال واضح: شاعر كان معروفاً في دوائر ضيقة من الشباب، لكنه ظل مجهولاً لدى أجيال أخرى، قبل أن يجري تداول نصوصه بعد رحيله. هذه الحالة تكشف مقدار الانفصال بين الأجيال، وتُظهر كيف يؤدي غياب المنبر الجامع إلى محو التجارب، أو تأجيل الاعتراف بها إلى ما بعد الفقد.

 

في سوريا اليوم جمعيات أدبية متعددة، لكن لا توجد مؤسسة تتبنى مشروعاً واضحاً للكتابة الجديدة. وربما يفترض واقع الحال أن يطلق اتحاد الكتاب العرب مجلة مخصصة لهذا الدور، بوصفه الجهة الوحيدة القادرة مادياً على تحمّل أعباء منبر كهذا. غير أن الاتحاد لم يثبت حتى الآن أنه الحامي الفعلي للإبداع الجديد، وهو غارق في تصدير نفسه كوزارة ذات كتلة إدارية عملاقة ترعى شؤون المتقاعدين، على حساب جردة النشر الإبداعي التي يفترض به أن يقدمها. 

في المقابل، تحاول مجلة "أوراق" التابعة لرابطة الكتاب السوريين أن تسد جزءاً من الفراغ، لكنها تفتقر إلى الإمكانيات التي تسمح لها بأن تصبح مرجعاً جامعاً.

وهكذا تبدو المشكلة متشعبة، وموزعة بين غياب الإمكانيات، وانقطاع الحرية في الماضي، والتشظي في الحاضر. وفي ظل ذلك، يواصل المبدعون الكتابة، كأنهم يسبقون قدرهم، أو يكتبون بعجالة قبل أن يتدخل القدر في رسم مصائرهم!

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث