رغم الهدنة المؤقتة التي تم الإعلان عنها أخيراً بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر، وحتى من قبل الإعلان عنها، فإن ساكن البيت الأبيض لا يزال يعطي -عن عمد- إشارات متضاربة حول مصير تلك الهجمات، التي ربما لا يعلم أحد إلاه متى تنتهي، وكيف ستؤول الأوضاع بعد توقف أصوات الانفجارات فعلياً في منطقة الشرق الأوسط بوجه عام.
ووسط هذه الأجواء الضبابية ودعاوى التحريض التي وصلت إلى حد المناداة باستخدام القنبلة النووية ضد إيران، لا تستطيع أن تمنع نفسك من السؤال: هل بإمكان ترامب حقا إنهاء الحرب في الوقت الذي يريده وبالنتائج التي كان يأملها حين وجه ضربته الأولى في الثامن والعشرين من شباط باغتيال رؤوس النظام في طهران وعلى رأسهم مرشد الثورة آية الله خامنئي أم أنه في ورطة حقيقية تحت وطأة تحريض إسرائيلي واضح لإطالة أمد الحرب لأسباب داخلية وإقليمية لا تخفى على أحد وقدرة إيران على المقاومة ربما بصورة لم يكن يتوقعها مشعلوا الحرب في واشنطن وتل أبيب؟ لقد أثبتت الحرب الروسية الأوكرانية، ومن بعدها الحرب الأميركية الإيرانية أن ما كانت تظنه القوى العظمى مجرد نزهة حربية هو وهم كبير، وأن ميزان القوى غير المتكافئ لا يعني على الإطلاق قدرة الطرف الأقوى على حسم تلك المواجهات في الوقت الذي يريده وبالكيفية التي يبتغيها، وهنا تتحول النزهة إلى ورطة سياسية، وقرار الحرب - ومن ثم استمرارها - إلى مأزق حقيقي، فماذا عساه أن يفعل الطرف المأزوم لتبييض وجه قراره بدخول الحرب، أولا أمام شعبه، وثانيا أمام محيطه الأقرب الذي كان يظنه - على الأقل - ظهيرا له في تلك المواجهة، فإذا بهؤلاء الحلفاء التقليديون لا يتحمسون للتحليق معه داخل السرب؟
ليس هذا فقط، بل ان الأميركيين الذين بادروا بدخول الحرب هم بحاجة ماسة الآن إلى إكسير استمرارها إن هم أرادوا الإبقاء على جذوتها انتظارا لما تؤول إليه الأمور بعد انتهاء مدة الهدنة في حالة عدم خرقها قبل نفاد فترة الخمسة عشر يوما، وحينما تفشل السياسة في الترويج لفكرة تلاقي الأهداف، وتنتفى القدرة على تبرير الوسائل حتى لو كانت هناك بعض الأهداف المشتركة، وحينما تعجز إغراءات السيطرة على ثروات الخليج في إكساب الحرب قوة دفع دائمة، يصبح الحل الأقرب إلى ذهن إدارة يمينية محافظة لا تتورع عن تبنى أفكار أكثر راديكالية من كل ما سبقتها من إدارات أميركية هو اللجوء إلى العقيدة، أو ما يمكن تسميته بتقديس قرار الحرب، وتغليفه بمشروعية دينية ربما تنجح العقيدة في الوصول إلى ما عجزت عنه السياسة، وهنا تأخذ المواجهات الدائرة على شاطئي الخليج بُعدا آخر، بُعد يريد الأميركي من خلاله أن يكون صراعاً حضارياً وعقائدياً ربما يجدي نفعا هذه المرة، أو قل أنه قد يكون بالفعل الدافع الموازي للمصالح السياسية والاقتصادية الكامنة خلف قرار دخول الحرب، لا سيما في ظل تسارع إجراءات الكونغرس من اجل محاكمة الرئيس الأميركي الذي اتخذ قرار الحرب.
في هذا الإطار يمكن قراءة تصريحات وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيت الذي قال مؤخرا: "ليبارك الرب قواتنا في هذه الحرب، أقول للأميركيين صلوا كل يوم من أجل قواتنا وأنتم جاثون على الرٌكَب، مع عائلاتكم وفي مدارسكم وفي كنائسكم باسم يسوع المسيح" صحيح أن هذه التصريحات من جانب هيغسيت التي جاءت في أجواء أسبوع الآلام تتوافق مع ما عرف عنه من تطرف ديني ووقوفه القوي في وجه علمانية الجيش الأميركي، وتؤكد على مقولته السابقة قبل أيام من تصريحه الأخير عن أن جنوده بحاجة إلى التواصل مع إلههم القدير في هذه اللحظات، مضيفا أنهم يحاربون متعصبين دينيين يسعون إلى امتلاك القدرة النووية من أجل تحقيق نهاية العالم الدينية، لكن إذا مددنا الخط على استقامته باتجاه تصريحات مارك روبيو وزير الخارجية الأميركي الذي وصف القيادة الإيرانية بأنهم رجال دين شيعة متطرفون يتخذون قراراتهم الجيو سياسية بناء على رؤاهم الدينية ندرك أن الامر يتجاوز تصريحات شخصية لوزير حرب عرف عنه تطرف افكاره العقائدية إلى توجه عام في صميم السياسة الأميركية، ويتوافق مع التعميم الذي وصل إلى الجنود الأميركيين في الخليج العربي بأن الحرب جزء من خطة الرب على خلفية آيات من الإنجيل عن معركة "هرمجدون" وعودة المسيح الوشيكة، وأن الرئيس دونالد ترامب قد اختاره الرب لإشعال هذه الحرب كنقطة انطلاق لنهاية الزمان.
ولم يكن استدعاء معركة هرمجدون المذكورة في سفر الرؤيا عشوائيا أو اعتباطيا، وإنما كان تأكيدا على معنى انتصار الخير على الشر في صلب الإنجيل المقدس، ما يؤشر إلى أن ما يحدث في هذه الحرب التي يخوضها الجندي الأميركي هو تمهيد لعودة السيد المسيح ونهاية العالم، ثم يأتي دونالد ترامب الجالس على قمة هرم السياسة الأميركية والمفتون بعظمته ليربط نفسه بالقيامة الدينية مستعينا بالرموز المسيحية وأسبوع الآلام لتقديم نفسه كقائد شبه إلاهي، وذلك من خلال فيديو مدته اربعون دقيقة قيل أنه نشر عن طريق الخطأ على موقع البيت الأبيض، وتم حذفه لاحقا، وكانت المناسبة غداء عيد الفصح الذي أقامه ترامب لمجموعة من القادة الدينيين والسياسيين وُصفوا بأنهم من أقرب المقربين له والداعمين لسياساته، وخاصة لحربه التي تدور الآن على شاطئ الخليج، ويصفون ما يفعله بأنه ينفذ إرادة الله.
هكذا أرادها ترامب حربا دينية، ما دعا الكثيرين إلى اعتبارها بالفعل حملة صليبية جديدة على الشرق بعد نحو عشرة قرون على بداية الحملات الصليبية الأولى، ولئن كانت الحملات الصليبية قديمها وحديثها قد تدثرت برداء الدين فإن هناك فارقين مهمين بين تلك القديمة التي قادها ملوك وأمراء أوروبا نحو الأراضي المقدسة في شرق المتوسط، وبين هذه الحديثة التي يزكي نارها رئيس أميركي كان حتى أسابيع قليلة مضت يبحث لنفسه عن جائزة نوبل للسلام، ويبيع للعالم صورته المثالية عن زعيم يريد أن ينهي الحروب في أوكرانيا وغزة، ويبحث عن حلول لأزمات كبرى مثل أزمة سد النهضة لدول حوض النيل، لكنه في النهاية لم ينه حروبا بالمعنى الحقيقي، ولم ينجز حل أي أزمة، وإنما راح يخطف رئيس دولة، ويغتال قادة دولة أخرى، ويبشر بمعركة قادمة مع دولة ثالثة. الفارق الأول أن الحملات الصليبية الأولى كانت بمباركة بابا الفاتيكان بل وبتحريض مباشر منه، أما البابا الحالي ليوو الرابع عشر ذو الأصول الأميركية فقد أدان الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران واصفا إياها بالعنف المفرط وعار على البشرية، داعيا إلى الوقف الفوري لإطلاق النار وتشجيع ترامب على إيجاد مخرج سلمي لها، ومشددا على رفضه استخدام الدين لتبرير الحروب، ومختتما كلامه بأن الرب لا يستجيب لصلوات من يشنون الحروب، وهكذا أكد البابا بما لا يدع مجالا للشك موقفه بعدم منح تلك الحرب أي مسحة دينية.
الفارق الآخر أن جانبا مهما من تمويل الحملات الصليبية القديمة كان يأتي من صكوك الغفران التي استنها البابا "أوربان الثاني" سنة 1095 في مجمع "كليرمون" من أجل منح الفغران والبركة للمشاركين في هذه الحملات، أما ترامب الذي يريدها هو الآخر حربا دينية على إيران فيطالب الدول العربية في الخليج بدفع فاتورة الحرب وإلا فسوف يتركها تواجه العدو الإيراني وحدها على حد وصفه، ويمكن بطبيعة الحال فهم رغبة ترامب في إطار سعيه لتقويض الآثار السلبية العظيمة للحرب على اقتصاد بلاده، وتجنب غضب دافع الضرائب الأميركي الذي يحتاجه حتما الرئيس الطامح إلى فترة رئاسية أخرى، وتحقيق مجد شخصي له.
