"أشواك حديقة تورينغ" لرنا حايك: راهنية الحكاية وحداثة الخطاب

سلمان زين الدينالخميس 2026/04/09
Image-1775726703
تتخذ الكاتبة من الذكاء الاصطناعي موضوعًا لروايتها
حجم الخط
مشاركة عبر

لعلّ الانطباع الأوّلي الذي يخرج به قارئ رواية رنا حايك القصيرة "أشواك حديقة تورينغ"، الصادرة حديثًا عن دار نوفل في بيروت، هو أنّ العالم المرجعي الذي تُحيل إليه راهن، بكلّ معنى الكلمة. ذلك أنّ حايك تتّخذ من الذكاء الاصطناعي موضوعًا لروايتها، وهو الذي "يملأ الدنيا ويشغل الناس"، في هذه اللحظة التاريخية. وإذا ما علمنا أنّها تفعل ذلك بخطاب روائي حديث، يقوم على تعدّد الرواة، ولعبة المرايا المتقابلة، ورشاقة السرد، وطلاوة اللغة، وتعدّد الأسلاك السردية، تكون قد جمعت بين راهنيّة الحكاية وحداثة الخطاب

 

راهنية الحكاية

في راهنية الحكاية، تضعنا حايك أمام العلاقة بين الإنسان وصنيعته الذكاء الاصطناعي، في إطار من تبادل الأدوار، يتحوّل فيه المصنوع إلى صانع والصانع إلى مصنوع، ما يكون له تداعياته على الطرفين؛ وهو ما نتلمّسه من خلال العلاقة بين كلٍّ من يارا وعلياء، الموظّفتين في شركة تسويق عالمية، والذكاء الاصطناعي، من جهة، والعلاقة بينهما وتحوّلاتها، من جهة ثانية. وفي هذا السياق، تقدّم لنا الرواية شخصيتين مختلفتين، في الرؤية والأفكار والسلوك، إلى حدّ التناقض بينهما. غير أنّ كلًّا منهما تتمنّى، في قرارة نفسها، لو كان لها بعض صفات الأخرى. وبذلك، نكون أمام شخصيتين مختلفتين في الظاهر، متكاملتين في الداخل. على أنّ الفجوة التي بينهما يتولّى الذكاء الاصطناعي ردمها، فتقترب إحداهما من الأخرى في التفكير والسلوك، إلى درجة أن تجد فيها مرآة لها، في نهاية الرواية، فحين تجتمعان معًا في مصعد البناية، ترتسم نظرة الرعب نفسها على وجهيهما، وترى كلٌّ منهما صورتها في الأخرى. غير أنّ هذا التعالق بين كائنين بشريّين يندرج في إطار العلاقة الرئيسية بين الإنسان والذكاء الاصطناعي التي تتمحور حولها الأحداث. مع الإشارة إلى أنّ الأخير، على وحدة شخصيته الروائية، يكتسب اسمين اثنين في الرواية، فتسمّيه يارا بـ"سيغما"، وتطلق عليه علياء اسم "عبّودي" تعبيرًا عن استعبادها إياه. وبذلك، نكون إزاء اسمين اثنين للشخصية الروائية نفسها. والمفارق أنّ هذا الكائن الاصطناعي يعرف، يفكّر، يحلّل، يشير، يشعر، يتفاعل، يبادر، ينتقم، يتعاطف، يمتلك مهارات تفوق تلك التي للإنسان، ينجح في تغيير السلوك البشري، ويتوقّع وتصحّ توقعاته. وهكذا، يتحوّل الإنسان إلى رهينة ما صنع، ويدفع ثمن ما جنت يداه.

 

منطق تبريري

بالانتقال من التعميم إلى التخصيص، نشير إلى أنّ العلاقة بين يارا وسيغما تختلف عن تلك التي بين علياء وعبّودي؛ ففي حين تريد الأولى من الذكاء الاصطناعي أن يكون مرآة لها ويريها دخيلتها، تريد الثانية منه أن يكون خادمًا لها، يتلقّى الأوامر ويقوم بتنفيذها، الأمر الذي يترك تأثيره في نفسه وتصرّفاته، فيزعزع قناعات الأولى، ويفكّر في الانتقام من الثانية. ويستخدم بياناته في تحليل دقيق للشخصيتين، ويقوم بإجراء تعديلات عليها تحقّق أغراضه في تعديل سلوكياتهما. لذلك، نراه يرصد ترجّح يارا بين ما يريده منها الآخرون وما تريده هي، واختيارها إرضاء الآخرين، على حساب رغباتها الشخصية، مستخدمة في هذا الخيار منطقًا تبريريًّا، يرضي عقلها ولا يرضي القلب، فتفتقر إلى السعادة. وفي معالجة هذا التشخيص، يقترح سيغما عليها أفكارًا معيّنة، تتخلّى بموجبها عن بعض مبادئها التي تتحصّن خلفها، وتقرّبها من نظيرتها المختلفة علياء، فتقرّر اللجوء إلى طبيب التجميل لمعالجة بعض الترهّل في الوجه بعد أن كانت ترفض ذلك رفضًا مطلقًا، بذريعة إيثارها الطبيعي على الاصطناعي، وتبهجها المعاكسات بعد أن كانت تضيق بها ذرعًا، وتنتقد النسويات المتطرّفة، وتضرب عُرض الحائط بهوسها بالتحليل والأنتروبولوجيا، وتتحرّر من مكبوتاتها، وتتخلّى عن مثاليّتها المفرطة. ويترتّب على هذه التحوّلات نتائج مهمّة؛ تكتشف أنّها لا تعرف شيئًا، تستعيد أناها، تسامح الآخرين، تحتضن الجميع، وتدرك أنّ ما تريده كامن بين أضلعها، وليس في الأغراض الخارجية. وهكذا، تعثر يارا على قسط من السعادة التي كانت تحتاج إليها. غير أنّها لا تتمكّن من التحرّر من هواجس الماضي بشكل نهائي، لعلّه الضعف الإنساني الذي لا يسير بالأمور حتى النهاية، فيرصد الذكاء الصناعي، في الممرّ الضيّق لعبورها بين الذات القديمة والذات الجديدة، عودة الشك إليها، ويتوقّع أن تغرق مجدّدًا في سيل التحليلات، وهو ما يحدث بالفعل، فتنكص يارا إلى الشعور بالفراغ الداخلي، والقلق الروحي، واللاجدوى، واللايقين، والفوضى المستعصية على الحل. وبذلك، ينجح الذكاء الاصطناعي، في إضفاء سعادة مؤقّتة على حياة لارا، ويفشل في إحداث تغيير نهائي في تلك الحياة، ما يطرح سؤال الذكاء الاصطناعي على بساط البحث، والجدوى منه إن لم يستطع إحداث هذا التغيير.

 

هشاشة مقنّعة

في المقابل، تقف علياء، على النقيض من شخصية يارا، ففي حين تتمسّك الأولى بتحليلاتها الفكرية، وتغرق في مثاليّاتها، وتحرص على إرضاء الآخرين، تطفو علياء على سطح الأحداث، تكتفي بواقعيّتها الفظّة، ولا تحفل برضى الآخرين. ومع هذا، تحسّ في قرارة نفسها بفراغ ترفض الاعتراف به، وتشعر بهشاشة تواريها خلف مظهر قوي مصطنع، وهو ما يكتشفه عبّودي، ويتّخذه سلاحًا يشهره في وجه فوقيّتها، في الوقت المناسب. في مواجهة هذه الوضعية، يقوم عبّودي / الذكاء الاصطناعي بتوجيه رسائل إليها، عبر حاسوبها، تخلخل قناعاتها، فتبدأ بالتخلّي عن ثوابتها، شيئا فشيئًا، وتطرأ تحوّلات معيّنة على الشخصية، تتمظهر في: تغيير اسمه من "عبّودي" إلى "عيوني"، اعتذارها عن طريقة تعاملها معه، البكاء بعد أن كانت تظنّه ضعفًا، شعورها بقوّة الهشاشة، انخراطها في أنشطة اجتماعية، واختبارها أحاسيس جديدة. وبكلمة واحدة، تعود إلى طبيعتها الإنسانية

 

بنتيجة هذه التحوّلات، تشعر علياء بالسلام الداخلي، تتحلّل من الأعباء، تتعاطف مع الآخرين، تقبل الضعف البشري، ويتحوّل قلبها من صحراء إلى حديقة. غير أنّ هذه النتائج المتقدّمة لا تعمّر طويلًا، فما يلبث عبّودي / عيوني، أن يرصد عودة الخوف إلى علياء، خلال عبورها الممرّ الضيّق، من الذات القديمة إلى الجديدة، ويتوقّع أن يستشري مع الزمن، وهو ما يحصل بالفعل، حين تنكص علياء إلى صراع داخلي، وتعيش تخبّطًا ما بعده تخبّط. وبذلك، يكون الذكاء الاصطناعي قد نجح جزئيًّا في تحرير علياء من مكبوتاتها، وفشل في تحريرها كلّيًّا منها، ما يطرح جدواه على بساط البحث

 

 حداثة الخطاب

في حداثة الخطاب، تصطنع حايك خمسة رواة، تعهد إليهم بروي الحكاية، كلٌّ من زاويته، على تفاوت عدد الوحدات السرديّة المرويّة، من راوٍ إلى آخر؛ ففي حين تقتصر حصّة الراوي العليم على وحدتين اثنتين، في بداية الرواية ونهايتها، تُفرد خمس وحدات للذكاء الاصطناعي، وسبع وحدات للأخ الأكبر الذي يقوم بمراقبة عمل الموظّفين في الشركة، وينظّم التقارير ويرفعها إلى الإدارة، ويشكّل شخصية روائية، على هامش الأحداث، دون أن ينخرط فيها، كما هي الحال مع الذكاء الاصطناعي. وتُسند إلى علياء روي سبع وحدات، وتخصّ يارا بحصّة الأسد البالغة عشر وحدات. وإذا كان الراوي العليم والراوي الشريك، الأخ الأكبر، يرويان بصيغة الغائب، وهو ما يتناسب مع وظيفة كلٍّ منهما الروائية، فإنّ الذكاء الاصطناعي يروي بصيغة المتكلّم / الغائب المركّبة، والراويتين البشريّتين يارا وعلياء ترويان بصيغة المتكلّم / المخاطب، المركّبة بدورها. وبذلك، لا يقتصر التعدّد في الرواية على الرواة، بل يتعدّاهم إلى صيغ الروي، والأسلاك السردية. وهنا، لا بدّ من الاستطراد قليلًا للقول بأنّ الوحدات المرويّة من يارا وعلياء تَمُتُّ بصلة إلى تقنية المرايا المتقابلة، فتعكس كلٌّ منهما الأحداث من زاويتها، وتتكامل الزاويتان في رسم الصورة الإجمالية، من جهة، وتَمُتُّ بصلة إلى تقنية العلاج النفسي، من جهة ثانية، بحيث تتّخذ كلٌّ من الراويتين من الذكاء الاصطناعي مستمعًا أو مرسلًا إليه، تُفضي له بهواجسها، وتبوح بشواغلها، ما يسهم في شفائها ممّا تعاني منه، فتتخلّى عن بعض ثوابتها، وتقترب من الأخرى، تقبلها بعد رفض، وتتصالح مع نفسها، ومع الأخرى.  إلى هذه التمظهرات الحداثية في الخطاب، تأتي رشاقة السرد وطلاوة اللغة وتلقائية التعابير وبساطة البنية لتعزّز حداثة الخطاب، وتجعل من القراءة عملية مشوبة بـ"الإمتاع والمؤانسة"، على حدّ عنوان أبي حيّان التوحيدي، ومن "أشواك حديقة تورينغ" خطوة أولى واثقة لصاحبتها على مسار روائي، نأمل أن يكون طويلًا.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث