كيف عرف السوريون "المجلس النيابي" للمرة الأولى؟

إبراهيم الجبينالأربعاء 2026/04/08
Image-1775637935
أعضاء المجلس الأول
حجم الخط
مشاركة عبر

 

لعلّ إعلانَ الرئيس السوري أحمد الشرع من شاتام هاوس بلندن، قبل أيام، عن اقتراب موعد عقد أولى جلسات مجلس الشعب السوري، الشهر الجاري، مناسبةٌ ملائمة لاستعراض أبرز ملامح فهم السوريين لمعنى البرلمان ودوره السياسي والاجتماعي، والمراد منه، وحدود قدراته على التعبير عن تطلعات الشعب.

 

ويكشف تتبع مسار الحياة البرلمانية السورية عن طبيعة ما اختبأت خلف الذهنية التي تعاطت بها الأوساط السياسية السورية منذ البداية. فأول عهد السوريين بفكرة البرلمان كان في تعرّفهم على ما سمّي بالمجلس العمومي العثماني. وذلك المجلس تم تشكيله تحت وطأة التحولات التي كانت تضرب دار الخلافة في إسطنبول فتنعكس على شكل تنظيمات وإصلاحات. 


كان كل شيء جديد يأتي من الأستانة، ولا ينبثق من دمشق. على الرغم من إلحاح المجتمع الشامي على التغيير، وهو إلحاح لا تجوز الاستهانة به، فهو تعبير عن رغبات تبثّها الشرائح المختلفة التي وُصِمت طويلاً بأنها محافظة وترفض التحديث، فيما قادت في واقع الحال جميع حركات التحديث التي شهدتها الساحة العربية انطلاقاً من دمشق.

 

نموذج مدحت باشا
إذاً كان المجلس العمومي هو النموذج والقالب الذي تفتّحت عليه الأعين. إلا أن ذلك النموذج رُكّب بآليةٍ سترافق مفهوم المجلس النيابي في الأحقاب التالية كافة، بما شابها من تشوهات وما صبغها من علل. فالمجلس الذي أسسه السلطان عبدالحميد الثاني تحت شرعية المشروطية الأولى (الدستور) ظهرت عليه صبغة المحاصصة سريعاً. وكان يتشكّل وفقاً لنتائج انتخابات عامة تنظّم كل أربع سنين، على أن يمثّل كل عضو خمسين ألفاً من رعايا السلطان، ولم يكن يُسمح للنساء بالتصويت في انتخاباته.

 

ولد هذا المجلس في 19 آذار عام 1877. وعاش أحد عشر شهراً فقط ثم تم تجميده حتى العام 1908. ثم عاد المجلس مجدداً بعد ثلاثين سنة، وتوقّف ثانية في 18 من آذار في العام 1920.


ولم يكن غريباً أن تصدر فكرة المجلس العمومي هذه لأول مرة، عن رجل أحبّته بلاد الشام، وعاش فيها وتأثر بمناخها، وترك بصماته في كل ركن منها، وأعني الصدر الأعظم أحمد شفيق مدحت باشا ذاته، رجل الدولة والإدارة وصاحب العمران والتنمية والإصلاحات العديدة خلال توليه ولاية الشام والعراق.


كان مدحت باشا قد وصف للسلطان عبد الحميد حالة سوريا في ذلك الوقت في تقرير وجهه إليه عام 1879 قال فيه "ممّا لا يحتاج للبيان والتعريف لديكم أنّ ولاية سورية أوسع من غيرها من ولايات الدّولة، وأنّ أهلها من العرب والأتراك والتركمان والدروز والنصيريّة والرّوم والموارنة والكاثوليك والبروتستانت والسريان والأرمن. ويتألّف من هؤلاء شعب عدده أربعة وعشرون نوعاً من الملل والأديان والمذاهب، ينضمّ إليهم الجزائريّون والشّراكسة والتتار وغيرهم من المهاجرين. ومن جهة أخرى، فإنّ أطوار وأحوال العربان والعشائر معلومة لديكم، وإنّ إدارة هذه الأجناس المختلفة على قاعدة واحدة، وما تولّده من مشاكل غنيٌ عن التعريف والإيضاح"، الوثيقة كاملة محفوظة في أرشيف اسطنبول تحت عنوان “مدحت باشا أوراق يلديز سراي رقم 966 مغلف 62” والعرفان للصديق الباحث تيسير خلف لتزويدنا بها.


وكي ندرك درجة التقارب والتباعد عن تفكير المنشغلين بالحياة النيابية في هذا الزمان وتلك الأزمنة، علينا أن ننظر في الصورة التي تركّب عليها المجلس النيابي العثماني الأول. فقد ولد من مجلسين اثنين، مجلس الشيوخ أو مجلس الأعيان الذي يبلغ عدد أعضائه 40 عضواً يعيّنهم السلطان، ومجلس المبعوثان المنتخب 275 عضواً، شريطة ألا يصل عدد أعضاء المجلس المعيّنين أكثر من ثلث عدد أعضاء مجلس المبعوثان (لاحظ التشابه مع حالة مجلس الشعب السوري القادم).


الحديث حول المجلس العمومي العثماني واسع، ويكفينا منه اليوم أن نسمع انطباع السلطان عبدالحميد عنه، ونجد ذلك بقوله، في مذكراته، إن الحياة البرلمانية تسبّبت للدولة العثمانية بالتورّط في الحرب لأنها “لم تكن قد وصلت بعد إلى الحالة الضرورية من الرُشد".

 

وهكذا.. ظلّت نظرة السلطة في الشرق إلى رُشد المجتمعات ونضجها وقدرتها على تمثيل ذاتها واتخاذ قرارات تخصّ سيادة الدولة، نظرةَ إشكالية منذ ذلك الوقت وحتى تاريخ كتابة هذه السطور.

 

الشاميون في مجلس المبعوثان
سّمح لبلاد الشام أن يترشّح لتمثيلها في مجلس المبعوثان بدءاً من العام 1908 بتسعة عشر نائباً، 5 نواب عن دمشق، ونائبين اثنين عن كل من حلب، بيروت، وطرابلس، و3 نواب عن القدس، ونائب واحد عن كل من الكرك، حوران، اللاذقية، دير الزور، وحماة.

 

وشجّع انخراط الشاميين في انتخابات مجلس المبعوثان غيرهم من عرب المنطقة، وربما كان لطلب عبدالعزيز آل سعود (الملك لاحقاً) من الدولة العثمانية إجراء انتخابات في نجد وإرسال نواب عنه في مجلس المبعوثان ورفض الأستانة تلبية طلبه، دورٌ في حرف مسار التاريخ.


ويصف زهير غنايم في بحثه الهام المنشور في المنارة العدد 13 بعنوان "التمثيل النيابي وقوانين الانتخابات في الدولة العثمانية وأثرها على الأوضاع السياسية في بلاد الشام في نهاية العصر العثماني" أن انتخابات مجلس المبعوثان، تسبّبت في ذلك الوقت، بمشكلات وخلافات عائلية شتى، كتلك التي نشبت بين عائلتي تويني والبستاني، فعلى سبيل المثال أعلن أحد أفراد عائلة التويني أن "ابن البستاني" لا يُباح له أن يكون مندوباً عن ولاية بيروت؛ لأنه لبناني - أي من سكان جبل لبنان - وليس من سكان بيروت التي كانت منفصلة في التقسيم الإداري عن جبل لبنان آنذاك، كما روى محمد عزة دروزة في كتابه "الحركة العربية الحديثة" الصادر في بيروت عن منشورات المكتبة العصرية، عام 1971. وجديرٌ بالملاحظة أن دروزة لم يكن معجباً بمرشّحي بلاد الشام إلى مجلس المبعوثان، بل إنه وصفهم بأنهم كانوا من غير المثقفين ثقافة عصرية.

 

مما برز أيضاً من آثار الاستعداد للحياة النيابية، آنذاك، تقاربٌ إسلامي مسيحي سُجّلت حالات عديدة منه، كما في اللاذقية التي شهدت تنظيمَ زياراتٍ متبادلة قام بها الأعيان والوجهاء ورجال الدين والكهنة، ورفع لشعارات الأخوة والمساواة في المساجد والكنائس، حسبما يصوّر يوسف الحكيم في كتابه "سورية والعهد العثماني" الصادر عن دار النهار ببيروت في العام 1966.

 

أما المظهر المناقض الآخر، فقد لُحظَ في لبنان، حيث انقسم اللبنانيون في ذلك الوقت إلى فريقين، الأول شجّع على المشاركة في الانتخابات، وقاده شكيب أرسلان وحبيب باشا السعد ومعهما الدروز والمسيحيون الأرثوذوكس، بينما رفض الفريق الثاني تلك المشاركة واعتبرها خطوة إلى الوراء في طريق حصول جبل لبنان على نوع من الاستقلال، وتنازلاً عن الامتيازات الخاصة الممنوحة له. وقاد الموارنةُ الفريق الثاني من دير القمر، وهو الفريق الذي فرض رأيه في نهاية المطاف.

 

في النهاية أجريت الانتخابات النيابية سنة 1908 ولم تلبث اسطنبول حتى شهدت ثورةً مضادةً (سمّيت وقتها ارتجاعية وسمي مناصروها بالارتجاعيين) وكان من نتائج إخمادها خلع السلطان عبدالحميد وحلّ مجلس المبعوثان، فنظّمت انتخابات جديدة في العام 1912، ثم كُرّرت بعد عامين.


وكانت تطغى على مناخ الانتخابات عواملُ عديدة، دفعت السلطات إلى مخالفة قوانين الانتخابات. فعلى الرغم من أن عدد المسيحيين كان عام 1914 في دائرة بيروت أقلَّ من الحد المطلوب لانتخاب نائب عنهم، إلا إن ولاية بيروت تلقّت أمراً من وزارة الداخلية بوجوب انتخاب نائب مسيحي، نظـراً لأهميـة المسيحيين في بيروت ثقافياً وعلمياً واجتماعياً واقتصادياً، وكان ذلك بفعل تدخل البطريرك الأرثوذكسي غريغوريوس حداد الذي زار الأستانة في شباط سنة 1913 واجتمع مع السلطان العثماني والصدر الأعظم وكبار رجال الدولة، وأشار إلى حق مسيحيي بيروت بنائبٍ يُمثّلهم في المجلس العمومي العثماني.

 

ارتباك ثم تحولات
حضور نواب بلاد الشام في مجلس المبعوثان كان مرتبكاً بادئ الأمر، بسبب انعدام خبرتهم بأصول الحياة البرلمانية، غير أن أصواتهم سرعان ما علت، وأخذوا يناقشون قضايا حساسة وهامّة، كما حين قدمت الحكومة الميزانية العامة إلى المجلس في نيسان من العام 1910 نائب دمشق فتدخل شفيق مؤيد العظم، مشيراً إلى ضـريبة الدخـل وقال "إن ما عدَّه ناظرُ المالية نجاحاً لهو عينُ الخراب، فإذا نجح عشر مرات مثل هذا النجاح خَرَبَ البلاد".

 

وكان مما شهده مجلس المبعوثان من المفاجآت، مطالبةُ نواب الشام ممثلين بمبعوث القدس يوسف ضياء الخالدي، ونائب حلب نافع الجابري، ونائب بيروت حسين بيهم، بتقييد سلطة الحكومة وإلزامها بالدستور. كما طالبوا بأن يتم تغيير مواد الدستور عبر مجلس المبعوثان حصراً، وبمحاربة الفساد وتعزيز الفكر والثقافة والمواطنة.

 

أما شكري العسلي فكانت له مداخلات صاخبة في المجلس، لا سيما ما يتعلق منها بحركة الاستيطان اليهودي في فلسطين، محتجاً على العثور على طوابع بريدية عليها صورة ثيودور هرتزل وماكس نوردو، وضرب أمثلة عن توسع الاستيطان بولادة أندية صهيونية تقام فيها الحفلات ونبّه روحي الخالدي، نائب القدس، إلى أن المستوطنين اليهود يسعون بشكل واضح إلى إقامة دولة في فلسطين.


وناقش نواب بلاد الشام، خلال فترات نيابتهم في المجلس، مسائل أخرى مثل العملية التربوية، والتعيينات الحكومية، ودافعوا عن حقّ العرب في العمل في دوائر الدولة، وكان مما قاله العسلي في إحدى مداخلاته في المجلس "أيها السادة بحثتُ في الأمس في كتاب السالنامة (حولية الحكـومة)، واستقصيـت أسمـاء المـوظّفين المنشـورة فيـه، فلم أجد، بعد البحث، إلا أسماء قليلة جداً لا تتجاوز عدد أصابع اليد من أبناء العرب الذين منهم نصفُ هذه السلطنة؟". الغريب وقتها أن بعض النواب العرب لام العسلي على طرح هذا الموضوع، واعترض عليه في المجلس!

 

أما شفيق المؤيد العظم فقد هاجمه النواب الأتراك في المجلس، وحاولوا النيل من نزاهته وكتبت ضدّه صحيفتا "طنين" و"نير" مقالات تطالب بمحاكمته وبإحالته إلى ديوان القضاء العرفي.


ما الذي أحدثته الحياة النيابية؟
غيّرت الحياة النيابية من فهم السوريين للولاء للدولة، ونقلتهم من قاعدة السمع والطاعة إلى دائرة الصراع من أجل البرامج الحيوية التي تمس حياتهم ومستقبلهم، بفضل مشاحنات مجلس المبعوثان، وقبل ذلك وبعده أخذوا يتنبّهون إلى ما أعطاهم الدستور من حقوق مصانة، وقد لعبت صحف بيروت دوراً هاماً في تلك المعارك المحتدمة، بعد أن ارتفعت أصوات تنادي بنبذ النزعات القومية والمحافظة على الرابطة الإسلامية بين جميع العثمانيين من الترك والعرب، فاحتج المسيحيون واعتبروا أن الدعوة لتقوية الجامعة الإسلامية عاملٌ من عوامل التفرقة بين الطوائف العثمانية، الأمر الذي يتنافى مع أحكام الدستور. بينما عبّرت الصحف في بيروت عن تأييدها لمطالبات نواب بلاد الشام في مجلس المبعوثان، وقالت "نحن أعلم الناس بأن التفـرقـة بين العـرب والترك مضرّة جداً، ومن العجب أن تُعدَّ المطالبةُ بالحقوق تفرقة"، وقد سجّلت صحيفة "المؤيد" تلك الوقائع ووثّقتها في عددها الصادر يوم 15 نيسان عام 1911.


وبلغت أصداء جدالات نواب بلاد الشام الصحافة المصرية فكتب، الناشر والكاتب الدمشقي محب الدين الخطيب في "المؤيد" منتقداً الصحف التركية التي حاولت استهداف نواب بلاد الشام، وقال "رمت (طنين) كبار رجالنا والمتعلّمين منّا بأنهم جهلة أغبياء، وزعمت (أقدام) أننا نبيع بالدراهم أعراضنا، وأفرغ عبيد الله كل ما في قاموس اللغة من حمق وسباب وتحريض ووشاية، لينتقموا من دفاعنا عن لغة القرآن، وتمتّعنا بما منحنا الدستور من حقوق الحرية وليبذروا بيننا وبين لغتنا بذور الشقاق". 


وهكذا نشّطت معارك نواب بلاد الشام في مجلس المبعوثان الحياة الصحفية، فتأسّست صحفٌ جديدة في دمشق، وبيروت، وحلب، وحيفا، والقدس، وضخّت الصحافة بدورها الدماء في حركة تأسيس النوادي والجمعيات العربية في سوريا، فكانت تلك التفاعلات دائرة من التأثير أشرعت أبوابَ السياسة والنضال من أجل نيل المزيد من الحقوق.


كان ذلك كلّه مشهداً بالأبيض والأسود، مقتطعاً من زمن التعارف الأول الذي جرى ما بين أهل بلاد الشام والحياة البرلمانية، ولم تمنعهم حداثة عهدهم بهذا الهيكل الجديد (المجلس النيابي) من أن ينخرطوا فيه، ويستثمروه إلى أبعد حد، حتى لو كان ذلك الهيكل مبنياً على انتخابات مركّبة بشكل مسبق وغير مفتوح، كحال انتخابات مجلس الشعب السوري الجديد.
 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث