يصدر قريباً عن الدار العربية للعلوم ناشرون، في بيروت كتاب "الرؤية النقدية: أنساق المعنى وانزياحات الوعي" للأكاديمية سُمَيّة طليس.
هنا مقدمة الكتاب بقلم سلمان زين الدين:
منذ القِدم، كان ثمّة تلازم بين الدرسين الأدبي والنقدي، حتّى إذا ما سبق أحدهما الآخر، بضع خطوات، سرعان ما يتبعه صاحبه، ليتمخّض هذا التلازم عن علاقة جدلية بين الدرسين؛ قد يتقدّم الأوّل، فيستنبط الثاني منه أحكامه النقدية. وقد يتقدّم الثاني، فيفتح للأوّل آفاقًا جديدة. واستمرّ هذا التلازم الجدلي، عبر العصور الأدبية المتعاقبة. وإذا كان الأدب يتمظهر، عادةً، في أنواع ثابتة ومعروفة، فإنّ النقد راح يتمظهر في وسائط مختلفة، شفاهية وكتابية، بدءًا بالانطباع الشفهي، مرورًا بالمجالس والأسواق والصالونات ووسائل الإعلام والتواصل، وصولًا إلى الكتب وغيرها. على أنّه، قد تأتي أيّامٌ يُقصّر فيها النقد عن اللحاق بالأدب، بحيث يكثر الأدباء ويقلّ النقاد، كما في هذه اللحظة التاريخية، حتّى بات صدور أيّ كتاب نقدي بمثابة حدث ثقافي يستحقّ الاحتفاء به، وهو ما ينطبق على كتاب الناقدة الأكاديمية الدكتورة سميّة طليس " الرؤية النقدية: أنساق المعنى وانزياحات الوعي" الذي تتقدّم هذه المقدّمة بتقديمه.
وطليس ليست بطارئة على هذا الحقل المعرفي. وهي الحائزة ماجستير في النقد ودكتوراه في نقد النقد. ولديها مساهماتها النقدية في عدد من المنابر الثقافية العريقة. ولها من سعة الاطلاع، ودقّة الملاحظة، ورهافة الحسّ، وسلامة الذوق، وصحّة الأدوات، ما يمكّنها من خوض غمار النقد، وسبر أغواره، والعودة بكلّ طريف نفيس. ولعلّ ما بين أيدينا خير دليل على نقول.
ثمّة جهد نقدي كبير يعكسه الكتاب، ويتوزّع على نقد النقد، بنوعيه التنظيري والتطبيقي، من جهة، ونقد النص، بشكليه الدراسة والمقالة، من جهة ثانية. وهي، في هذا الجهد، تستثمر المهارات الآنفة الذكر، الذاتية والموضوعية، فتنخرط في عمليات القراءة والتفسير والتأويل والتحليل والمقارنة والاستنباط والاستنتاج والخروج بخلاصات معيّنة. على أنّه، خلال ممارسة هذه العمليات الفكرية، تستخدم مناهج متعدّدة، تتراوح بين التحليل الثقافي، والمقاربة الفلسفية، والمقارنة البنيوية، والمنهج الثقافي، وغيرها، وقد تجمع بين عدّة مناهج في البحث الواحد، ما يجعلنا إزاء نقد منهجي، مرصّع بذاتية الأنا الناقدة، يختلط فيه الموضوعي بالذاتي، دون أن يخلّ هذا الاختلاط بالأمانة النقدية. وهذا النقد هو في منزلة بين منزلتين، تُحاذر فيه الناقدة الوقوع في أحد محذورين، فلا تسقط في قعر التقعّر الأكاديمي، ولا تطفو على سطح الانطباعية العابرة. وهكذا، نكون أمام نصٍّ نقدي ناضج، يُفيد تناوله ويُمتع.
في نقد النقد، تركب طليس مركبًا صعبّا، فإذا كان النقد، بما هو نوع من التأويل، مهمّة معقّدة، فإنّ "نقد النقد الذي هو رؤية في مساءلة علم التأويل، ومراجعة آلياته ومصطلحاته وأهدافه، وتبيّن حيّز صدوره" هو مهمّة أكثر تعقيدًا. ومع هذا، لا تتوانى عن النهوض بها، سواء على مستوى النقد التنظيري أم النقد التطبيقي، على ما بين المستويين من تفاوت؛ فعلى المستوى الأوّل، تُفرد طليس البحث الأول من كتابها للجهد النظري الكبير الذي بذله الدكتور علي زيتون، باكتشافه "نظرية الكشف"، ووضعها موضع التطبيق، فتقاربها بوصفها "إحدى أبرز المحاولات العربية المقدِّمة مشروعًا فكريًّا متكاملًا وبديلًا، غايته تحريك الزمن الثقافي المعطّل، وتشريع المسار لتفعيل "الجنسية الثقافية". ويتبيّن، من خلال المقاربة، أنّ الهاجس النقدي عند علي زيتون يتلازم مع الهاجس القومي، وهو ما يُطلق عليه محمد عابد الجابري مصطلح "الجنسية الثقافية". لذلك، ينطلق، في وضع نظريته، من التراث النقدي العربي، وينفتح على مناهج النقد الغربية، دون أن يسقط في تقديس الأوّل أو التبعيّة للثاني. ويُصدّر عن موقع نقدي مستقل، يحترم الذات، ولا يخشى الآخر. وعليه، تؤسّس "نظرية الكشف" "لنقد عربي حديث، ينطلق من خصوصيته دون استنساخ النماذج الغربية، كاشفًا عن الخطاب بوصفه بنية ثقافية منتجة للمعنى"، على حدّ تعبير الناقدة.
على المستوى الثاني التطبيقي، تُفرد طليس البحث الثاني من كتابها للجهد النقدي الذي بذله الشاعر الراحل محمود نون، في كتابه "قلق الذات الشاعرة"، الذي يتناول فيه التجربة الشعرية الأردنية، بين عامي 1921 و2001. وتتلمّس ثنائية البعد التي يثيرها نقده، فترصد التحوّلات في الرؤية الشعرية للنصّ المنقود، من جهة، ومدى تحقّق الحداثة في الرؤية النقدية للنصّ الناقد، من جهة ثانية. وتلاحظ أنّ هذا النقد يعيد طرح مجموعة ثنائيات سبق أن طرحتها مدوّنة النقد العربية، من قبيل: الذات / الموضوع، الأصالة / المعاصرة، التقليد / التجديد، الوعي / اللاوعي، التأسلف / التمغرب، وغيرها. وتخلص إلى أنّ الاكتفاء بتمثّل النظرية الغربية في نقد النص العربي، يترك تداعياته على النص والنقد، في آنٍ معًا، ويستبطن الدعوة إلى الإفادة من التراث النقدي العربي، من جهة، والانفتاح على النظرية النقدية الغربية، من جهة ثانية.
في نقد النص، تتناول الناقدة تجربة الشاعر الراحل محمد علي شمس الدين، باعتبارها غير مكرورة، "لأنّها تشرّع آفاق التأويل التي لا تُحَدّ، خصوصًا مع اتساع الرؤية المقرون بتنامي ثقافة الشاعر". وهي تفعل ذلك، من خلال مجموعتي شمس الدين، الثانية "غيم لأحلام الملك المخلوع" 1977، وما قبل الأخيرة "الغيوم التي في الضواحي" 2006، اللتين تقرأهما، في ضوء المنهج الثقافي، للكشف عن أسس تكوين الوعي الحداثي في شعريته، من جهة، وتبيُّن خصوصية تجربته، من جهة ثانية. وتخلص، بنتيجة القراءة، إلى أنّ وعي الشاعر تنويري، تجاوزي، ضدّي، هو من مقتضيات الحداثة الشعرية، وإلى أنّ خصوصيّته قد تكون ناجمة عن تحدّره من الجنوب المتاخم للاحتلال، وعلاقته الملتبسة بالمدينة، والاغتراب المكاني، واستطرادًا الزماني.
في السياق نفسه، تتناول طليس تجربة الشاعر محمد توفيق أبو علي الشعرية، من خلال مجموعة "ضوع الياسمين"، وتسعى إلى مقاربة تلك التجربة، بوصفها "فضاءً تتقاطع فيه جدلية المرجع والتحوّل، بحيث يتمّ بناء المعنى عبر فعل نقدي يشتغل على تفكيك القول الشعري، وتحويل دلالته من الثبات إلى الحركة، ومن الإحالة المغلقة إلى أفق الرؤية المتحوّلة، بما يكشف عن آفاق حداثية تتأسّس داخل النصّ ومنه، لا خارجه"، على حدّ تعبيرها. وتقوم، في إطار هذه المقاربة، بتقصّي تشكّلات الرؤية الشعرية في "ضوع الياسمين"، القائمة على الإيمان بطاقة الطبيعة، وقوّة الإنسان، وحتمية القيامة، من جهة. وتقوم بتقصّي آليات الترميز في المجموعة، من خلال عدد من الرموز التاريخية والجغرافية، من جهة ثانية.
لعلّ ما يجمع بين البحوث الآنفة الذكر، سواء في نقد النقد أم نقد النصّ، هو أنّ الباحثة تُجاور، في كلٍّ منها، بين التنظير والتطبيق. فتشغل المقاطع التنظيرية بداية البحث ونهايته وتتخلّل المقاطع التطبيقية ما يضفي عليه التنوّع النصّي، ويعكس قدرة الباحثة على التنظير جنبًا إلى جنب التطبيق. وما ينطبق على البحوث ينسحب، بشكلٍ أو بآخر، على المقالات الثمانية في الكتاب، سواءٌ من حيث توزّعها على نقد النقد ونقد النص أم من حيث اشتمال المقال الواحد على التنظير والتطبيق.
وعودٌ على بعد، "الرؤية النقدية: أنساق المعنى وانزياحات الوعي" كتاب نقدي يستحقّ الاحتفاء به، ووضعه موضع القراءة العميقة. وسمّية طليس باحثة رصينة، وناقدة أكاديمية، واثقة بنقدها، متمكّنة من أدواتها، تستحقّ أن نسمع ما تُعلن، ونُصغي لما تُضمر، ففي السمع ما يُمتع، وفي الإصغاء ما يُفيد.
