كانت مغادرة الشاعر أدونيس لمجلة شعر، قبل نهاية المرحلة الأولى 1957-1964، ضربة قاسية للمجلة ومؤسِّسها يوسف الخال. علماً أن المرحلة الأولى كانت الأهم على صعيدَي المشروع والتغيير. في حين أن المرحلة الثانية 1967 -1969 كانت صدى وظلالاً ودأباً على الأولى. كما أن الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية راحت تتغير في لبنان والعالم العربي، خصوصاً بعد نكسة 1967 وبدء تراجع المشروع القومي العربي. ولأن النهايات تستدعي البدايات، لنقرأ ما يقوله أدونيس حول تلك المرحلة في كتابه "ها أنت أيها الوقت" (سيرة شعرية ثقافية، 1993):
"التقيت يوسف الخال في خريف 1956 وقبل صدور مجلة شعر بحوالي شهرين. سألني: ما رأيك؟ قلت: أنا معك. وفي مطلع 1957 صدر العدد الأول من مجلة شعر". واعتبر أدونيس في ذلك الوقت أن صدور العدد الأول هو إيذان بنشوء صراع شعري وفني وثقافي شامل. لكن ماذا يقول يوسف الخال نفسه عن دور أدونيس في مجلة شعر؟
نقتطف من كتاب "صدى الكلمة" لمؤرخ مجلة شعر، الأب جاك أماتاييس، دار نلسن. يقول الخال: "أدونيس ركن أساسي في حركة مجلة شعر ورافقني من العدد الأول حين جاء من الشام. وكان العدد الأول في المطبعة وبدأ معي من وقتها. أنه الوحيد الذي اندفع وأعطى كل وقته وخبرته ومواهبه في العمل معي". والسؤال كيف توزعت الصلاحيات والأدوار؟ وكيف كانت آلية العمل والنشر؟ يوضح أدونيس: "في ما يتعلق بنشر النصوص الشعرية التي ترسل إلى المجلة. هذه المهمة كان يسندها إلي بالصيغة التالية: رأي أدونيس في النص هو الذي يرجح نشره، أو عدم نشره، وكان يقول ذلك الجميع".
لكن هذا الأمر راح يتغير مع ازدياد دور الشاعر شوقي أبي شقرا في تقييم النصوص وتحريرها. كان أبو شقرا يسميها "الحدادة والبويا" أو عملياً إنقاذ القصائد. كان يفعل ذلك مستنداً إلى معايير جمالية في التكثيف والضبط والعنونة وحذف التكرار. وهذا ما دفع الشاعر محمد الماغوط إلى القول: "مرشدنا الجمالي في مجلة شعر هو شوقي أبي شقرا". وكذلك كان يوسف الخال يرجح رأي أبي شقرا. هذه الاجواء خلقت حساسية واضحة بين أدونيس وأبي شقرا استمرت طويلاً. وفي هذا السياق ذكر لي الشاعر أنسي الحاج أنه من الصعب جمع شوقي وأدونيس في الاحتفال الذي إقامته دار نلسن في خمسينية مجلة شعر بمناسبة بيروت عاصمة عالمية للكتاب 2009، وبحضور كل أسرة مجلة شعر. وتم تجاوز أمر الخلاف .
في العام 1962، نشر أدونيس آخر قصيدة له في المجلة، تحت عنوان "صقر قريش"، وقرر في تلك السنة الانفصال والانسحاب من مجلة شعر. لكن لماذا؟
سئل أدونيس في حوار صحافي (كتاب في الحوارات الكاملة ص9) عن سبب انسحابه من مجلة شعر فقال: "أما من جهة استقالتي من رئاسة تحرير مجلة شعر فأرجوك أن تعفيني من الكلام لأنني لا أحب أن أسيء لأحد". إلا أنه في كتابه "ها أنت أيها الوقت" يقول: "أعرف أن انفصالي عن مجلة شعر كان ضربة قاسية بالنسبة إلى الخال شخصياً غير أنه في ما بعد، خصوصاً بعد توقف المجلة، تفهم انفصالي وأدرك أسبابه التي لم تكن شخصية أبداً وأعطاني عميقًا الحق". لكنه في الوقت عينه لا يذكر الأسباب الحقيقية
هذا من جهة أدونيس، فكيف رأى يوسف الخال انفصال أدونيس عن المجلة؟
نقتبس من كتاب "يوسف الخال ومجلته شعر" في الصفحة 86 :
"تتمثل في أمرين رئيسيين: أولهما شعور أدونيس أنه كبر على المجلة التي أصبحت تحد من حريته وصارت عائقاً دون التصور والبروز الاجتماعي، ذلك أن سائر المجلات لم تكن تنشر له بسبب ارتباطه مع مجلة شعر، ولما فشل في تطويع المجلة لميوله وتغيير خط سيرها، غادرها. وثانيهما، مسؤولياته الاجتماعية والعائلية الجديدة التي لم تكن تسمح له بالتفرغ للعمل مجاناً في مجلة شعر". والواقع أن أدونيس أسس مجلة "مواقف" العام 1968 أي بعد ست سنوات من انفصاله عن "شعر".
وثمة قصة رواها لنا الشاعر أنسي الحاج في منزل الشاعر أبي شقرا في بيت شباب، بحضور هدى النعماني ومحمود شريح، حول مغادرة أدونيس مجلة "شعر". قال: "أرسل في طلبي يوسف الخال وكلفني بالذهاب إلى أدونيس وإقناعه بالبقاء في المجلة. وإذا أراد أن يكون رئيس التحرير فلا مانع لدي بذلك، وهو أي الخال يكتفي أن يكون صاحب المجلة. وقبل أن أنطلق في مهمتي قال لي يوسف: "سأنتظرك هنا حتى تعود بالخبر اليقين". يتابع الحاج: "بعد ساعتين من الحوار مع أدونيس لم نصل إلى نتيجة". عدت إلى يوسف الخال وأبلغته أن أدونيس أصبح في مكان لا نستطيع لا أنت ولا أنا أن نبلغه. يتبادر السؤال: هل انتهت الصداقة بين الخال وأدونيس؟ وهل كان ذلك الخلاف هو الأول بينهما؟
لأدونيس رأي في الخال ورأي في الخلاف. يقول: "كان يوسف الخال في كل ما يتعلق بالشعر والكتابة، متواضعاً إلى درجة الغياب أحياناً، لكنه تواضع العارف، الواثق في نفسه... وكانت الصداقة بالنسبة له، خصوصاً الشعراء، بالغة الأهمية، لا يجوز التفريط فيها، وكانت صداقة بعضهم، بالنسبة إليه، أكثر شعرية من نتاجهم الشعري ذاته". وماذا عن الخلاف؟..."كنا هو وأنا مختلفين فنياً وفكرياً، نظرة ومعرفة وتقويماً، ولم يعرقل هذا الاختلاف عملنا، أو يبلبل صداقتنا. كان على العكس، يزيدنا ائتلافاً، ويعمق معرفة كل منا بالأخر، ويوثق صداقتنا". وهكذا استمرت الصداقة وضمر الخلاف
وها هو أدونيس في رسالة مؤرخة في 10 شباط 1987، أي قبل وفاة الخال بأسابيع، يكتب إليه: "إنك أعطيت لإغناء الشعر العربي والحياة العربية، فنا وفكراً، ما لم يقدر أن يعطي مثله إلا القلة النادرة من معاصريك. والآن بعد هذا السفر الطويل، أتخيل كأننا تجلس معاً، نحن-رفقاء الأمس في "شعر" جميعاً، نناقش من جديد في الأسئلة التي تبقى: من نحن؟ وما هذا العالم الذي يحيط بنا؟ كيف نخترقه؟ وماذا سنقول؟ ... إنها فتنة الأسئلة. إنها فتنة الشعر. سلاماً، سلاماً.
هذه الرسالة، قالت مها الخال (زوجة يوسف) أنه طلب إليها أن تقرأها مرات ومرات وهو على فراش المرض.
في العام 2010، سأل عبده وازن، أدونيس، في حوار نشر في جريدة "الحياة": اتَّهمك بعضهم بأنك صرت تشعر بأنك أصبحت أكبر من المجلة، وأردت أن تنفرد بمشروعك؟ فقال أدونيس: هذا مجرد تأويل. تركت المجلة بعدما فشلتُ في تطويرها، في جَعْلِها تُعنى، من جهة، على نحو أشمل، بالتراث العربي، والحياة العربية والقضايا العربية، ومن جهة برؤية أكثر جَذرية وأعمق تأصُّلاً في الشعرية الكونية. كانت المجلة أخذت تغرق في مياه العلاقات الفردية السطحية الصداقية، وتخفف من صرامة المعايير الفنية، وتتحول إلى نوعٍ من "التحزُّب".
هل غادر أدونيس أو لم يغادر؟ لعلها أزمة جميع الشعراء. ألم يقل عنترة:
هل غادر الشعراء من متردم / أم هل عرفت الدار بعد توهم.




