تفتقد هذه السِّيرة(*)، غير المكتملة، إلى مفاصل خشنة (غطَّاها وليد جزئيًّا في مقالاتٍ وخطاباتٍ ورسائل ودراساتٍ ونصوصٍ إبداعيَّةٍ وأعمال فنِّيَّة)، وشتَّان بين المفاصل والفصول، تتعلَّق بواقع الحركة الفلسطينيَّة الأسيرة ومآلاتها بعد انتفاضة الأقصى في العام 2000، والمرض الذي نهش جسده في ظلّ سياسة القتل المتعمَّد بالإهمال الطبِّيّ منذ سنة 2014، والأمل الذي شكَّلته «هبَّة الكرامة» و«نفق الحرِّيَّة» في العام 2021، وخيبة الأمل بإبادة غزَّة والحرب المفتوحة على عموم فلسطين وسحق الحركة الأسيرة في السجون الصهيونيَّة منذ صيف سنة 2023 وحتّى الإعلان عن استشهاده في 7 نيسان 2024. وعلى الرَّغم من ذلك كلِّه، فهي سيرةٌ مليئةٌ بالدروس الإنسانيَّة المستندة إلى قِيَم الاختلاف، والحرِّيَّة، والمقاومة، والصمود، والفداء... التي اشتقَّها وليد من معرفة الذات ومعرفة العدوّ، وصاغها بروح المحارب، منتبهًا جماعيًّا، لا تغادره الرَّغبة في تحويل الواقع القاتم إلى عبثٍ فعَّال، والحزن إلى سخريَّةٍ مضيئة، والمعاناة إلى مرويّةِ صمودٍ لا بدءَ لها ولا انتهاء.
هذه سيرةٌ جُرحٌ، بلا مضافٍ ولا مضافٍ إليه، صار صاحبُها مرآة فلسطين الصقيلة التي تشظَّى فيها الإنسان والزمان والمكان والبيان... وقد كان جمعُها مهمَّةً مكرَّسةً للمِّ الشظايا وضمِّها إلى شغاف القلب، كما كان جمعها تمثُّلًا لتحوُّلات «بائع التذاكر» بين السَّيف والطَّيف ـ بين محطَّة أسر الحياة ومحطَّة أسر الموت في دولة العِرق التي تغلَّب فيها فائض القوَّة الاستعماريّ الصهيونيّ على فائض الحقّ التحرُّريّ الفلسطينيّ. لم يكن جمع «مفاصل» هذه السِّيرة تحريرًا، فهي نصٌّ يحرِّر ولا يُحرَّر، بل كانت محاولةً لفرز شظايا المرآة التي تسري في دم المتلقِّي الأوَّل... وتلك هي محنة الزجَّاج الذي يشدُّ كفَّيْه على الشظايا حتّى تُغرق الدم وتَغرق بالدم ليحوِّل نزف الكتابة الفرديّ إلى نزف القراءة الجماعيّ حين يصير النصُّ ملكيَّةً عامَّة. يمكن للشِّعر أن يصير «أغنيةً يردِّدها الساهرون»، لكنَّ السَّرد، حين يصير الألم ساقيةً بين القلب واللسان، يصبح هو ذاته فعل التَّساقي وفاعله، فيصرخ القارئ الذي لا يرضى بسلام الحياد: أنا خائطُ المرايا الكَسيرة!
لقد كانت كتابة هذه السِّيرة، ثمَّ كان جمعها، سباق مسافاتٍ طويلةٍ مع الموت حتّى لا يسمح وليد للعدوّ «كتابة السطر الأخير»، كما أعلن في مكالمةٍ أخيرةٍ في صيف 2023... وقد أمَّن هذا الهاجس لسيرة «بائع التذاكر» موقعًا متقدِّمًا في قائمة روائع سِيَر الفلسطينيِّين الخالدة، إذ كانت كتابةً: نِثاريَّة، ترحاليَّة، سلاليَّة، تخريبيَّة، لاهثة... وهي كتابة نثاريَّة، لأنَّها تنطلق من انفجار فلسطين الكبير في نكبة 1948، وإليه تنتهي إذ لم تنتهِ المظلوميَّة الكبرى بعد، ولم يأتِ سبت تاريخنا. وهي كتابة ترحاليَّة، لأنَّها سجلٌّ نادر لتَغايُر الزمن الاجتماعيّ والموازي والإباديّ، والمكان الحرِّ والسجنيّ والطَّيفيّ... وتتغاير معها صيغ السرد لتحرير «المستقبل ـ أقدم أسير عربيّ» من ماضي العرب وحاضر العروبة. وهي كتابة سُلاليَّة، لأنَّها تتيح تصادي الأصوات وتناسخ الأرواح وتناتج عوالم الوجود الدائريَّة بين والدة ووليد وميلاد. وهي تخريبيَّة، بالضرورة، لأنَّها زعزعةٌ لليقين القارِّ الذي قاد ذات الفلسطينيّ الفرديَّة والجماعيَّة إلى ثقةٍ مفرطةٍ بالمسار تحرِّم الرجوع وتحظر المراجعة وتتعوَّذ بالهاوية من النظر إلى الخلف خشيةً من مصير امرأةٍ في سدوم زعمت المرويَّات أنَّها نظرت إلى الخلف فصارت عمود ملح. وهي كتابة لاهثة، لأنَّها كتابةٌ فلسطينيَّة ـ واضحة البداية، مشتَّتة الرحلة، مبتورة النهاية، كصلاةِ تعثَّرت في الوصول...
إلهيَ لا أريدُ العتابَ،
والسجنُ ليسَ أحبَّ من أيِّ شيءٍ إليْ.
طائري فرَّ من عُنقيْ، وهو آتٍ إليكَ، قبل القيامةِ.
لقد نال منِّي، في العراكِ الأخيرِ، وعينايَ في مخلبيهْ.
لم أَدرِ، من حُرقةِ النزفِ وجهتَهُ، فالشِّمالُ واليمينُ سيَّان نحوكَ.
لكنَّهُ كان يعلو، وكنتُ أصلِّي من أجلهِ، كما علَّمتني. أرى ما يَرى،
الآنَ، أرى ما تَرى: سماؤكَ خاويةٌ، وبحركَ ساكنٌ، وأرضكَ
موحشةٌ، والقبر دَينٌ، لابنك الطيِّبِ، أَوفِهِ يا ربُّ،
ولتُرجعْ غُرابكَ، فعينايَ هاتان أمانةٌ في يديكْ،
وخَصمي ضيفُكَ... والسلامُ عليكْ.
(*) وليد دقة، بائع التذاكر (بيروت: دار الآداب، 2026)
النص الكامل لسيرة السيرة هنا
