"أغالب مجرى النهر" رواية الأحوال الجزائرية

بشير البكر الاثنين 2026/04/06
239528.jpeg
سعيد خطيبي
حجم الخط
مشاركة عبر

 
تنافس رواية الكاتب الجزائري سعيد خطيبي المعنونة بـ"أغالب مجرى النهر" على جائزة البوكر للرواية العربية، التي من المقرر إعلان نتيجتها النهائية في التاسع من الشهر الحالي في احتفال افتراضي، بعد أن تعذر حضوريا، بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وقد صدرت الرواية في العام الماضي عن "دار نوفل" في بيروت، ونالت اهتماما واستقبالا ملحوظين من قبل النقاد، ما زاد في رصيد كاتب أخذ يعزز حضوره داخل المشهد الروائي العربي.

 

تدور أحداث الرواية في مدينة بوسعادة في الجزائر. ومن دون مقدمات يجد القارئ نفسه وسط تداعيات وأسئلة، تطرحها الموقوفة عقيلة تومي، طبيبة العيون، في أول يوم من احتجازها في غرفة السجن. تتحدث عن لحظات صعبة عاشتها، بدءا من تعريتها من ملابسها على يد الشرطية "كأني تعريت من روحي". يفترسها قلق انتظار المحقق جمال درقين الذي حضر في اليوم الثاني.

 

وفّرت فكرة التحقيق البوليسي أساسا متينا لبناء رواية ثرية لجهة تعدد الشخصيات التي تعيش صراعات داخلية وخارجية، وتوترات وصراعات بينها تشكل حبكة العمل. والبداية من الزوج مخلوف تومي الذي يعمل طبيبا شرعيا، ومن ثم مينة ابنتهما التي تعيش ضحية مقولة والدها "كل زواج لا ينجب ذكرا لا يعول عليه". الشرط الأول للطبيب الشرعي أن يلتزم الكتمان، وعلى هذا كتم مشاعرة تجاه زوجته. يربطهما العمل أكثر من أواصر الزوجية، تحل محله أحيانا في المشرحة لمعاينة بعض الجثث، يتشاركان المتاجرة بقرنيات عيون الموتى، وهذا سوف يوقعها في مأزق كبير، ويقودها للتحقيق، لأنها تقوم باقتلاعها بطريقة غير شرعية من عيون متوفين وتزرعها في عيون آخرين. مخلوف حسب وصفها "خواف" لا يستطيع فعل ذلك ويعتبره حراما، لكنه يقبض ثلاثة أرباع ثمن القرنية التي تدعي أنها مستوردة من الخارج، في حين أن الدولة عاجزة عن استيراد الغذاء.

 

والد مينة ترك لها خيار التخصص، بينما عارضته أمها. كانت تريدها طبيبة فقط، وهي أحبت التخصص بالعيون، متأثرة بأستاذها الذي كان يقوم باستبدال القرنية التالفة بأخرى صناعية، كأنه قائد فرقة موسيقية. الأب جندي سابق في الجيش الفرنسي قاتل على الجبهة الإيطالية، وحين عاد من الحرب كرمته فرنسا بوسام وتعويض، مكنه من شراء شاحنة نقل بضائع وبيتا قبل أن يتزوج، بينما عمل صديقه المدعو بودو على جبهة القتال تحت راية فرنسا صحافيا، وهو حكاء موهوب. شقيقها ميلود يعمل ممرضا في عيادتها، ولذا تصيبه تهمة المحقق بأنه شريك في أعمالها.

 

حكايات كثيرة، وإشارات لا يمكن تأويلها، كوكايين يختفي من العيادة، وتضطر لشراء بديل عنه بما يعادل مرتب أسبوع، سيارة رينو 4 تراقبها، تظنها تابعة للشرطة، ولكن يتبين لاحقا أنها سيارة الزوج. اغتصاب فتيات بين أهاليهن. محاربو حرب التحرير يتحولون إلى خونة. المدينة كل شوارعها تحمل أسماء رجال. الحب من أوجه الخوف، حين يتعلق الأمر بتزويج الفتيات مبكرا. النساء يتزوجن عادة عند وقوعهن في الحب، بينما تزوجت هي إثر جفاف في الحب. قتل الزوجات، من يعجز عن الانتصاب يقتل زوجته، وكذلك من يرتبط بعشيقة أو يفقد عمله أو يطلق زوجته أو يخسر في القمار. لا سبيل أمامها كطبيبة أن تواجه عنف وإهمال زوجها سوى التفكير بقتله، وهنا حبكة العمل المركزية، رغم أنه مات في حادث سير، لكنه تعرض للتسميم قبل ذلك.

 

رواية الجزائر التي يتشابك فيها الحاضر المعقد الغني بالتجارب والأخطاء، والذي ولد من زمن الاحتلال الفرنسي والعنف المتأصل في الاستعمار. وسواء رحل ذلك الكابوس الطويل أم لم يرحل، ليس هو الأمر المهم، طالما أنه لا يزال يلقي بثقله على بلد المليون شهيد، الذي يرزح تحت الانكسار والفقر والفساد والتفكك الاجتماعي، وما يفرزه من عنف في الخطاب والسلوك بين العائلة الواحدة، وبينها وبين المجتمع ومع السلطة، التي لا تزال تتاجر بتاريخ الجهاد ضد فرنسا، وتحوله إلى نظام للسطوة والحكم والنهب.
 

تتجلى أسلوبية خطيبي في حرفية بناء شخصيات الرواية. رسمها الكاتب قبل أن ينقل تفاصيل ملامحها الخارجية إلى الورق، واشتغل بعد ذلك إلى خلق حياة داخلية لكل منها، كأنه كان يريد لها أن تقف على خشبة مسرح مفتوح، وقد تطلب ذلك العمل بدقة على الجوانب النفسية، المخاوف، نقاط الضعف، بناء خلفية حكائيه متماسكة، وتجسيدها من خلال مظهرها وصوتها وسلوكياتها المميزة. وعلى هذا الأساس رسم المسار السردي ليسمح لها بالنمو أو التغير خلال الرواية. وقد تطورت الشخصيات المفتاحية داخل منظومة تتحكم فيها رغبات متضاربة، ومعضلات أخلاقية، ونقاط ضعف تشكلت ضمن وسط اجتماعي مضطرب يعاني من شروخ كثيرة. وفي حال طبيبة العيون لم يهمل تفصيلا يجعلها تشد القارئ من مظهرها الخارجي، الطول ولون الشعر والبشرة، ونمط الملابس، والوزن، وحتى شكل الأنف. لم يترك شيئًا للصدفة.
 

ثمة مسألة أخرى ذات وزن، تتعلق باللغة التي يبدو أن الكاتب تصرف بها باقتصاد، وقد أراد من التكثيف أن يتحكم بالإطار العام الذي وضع في داخله كل شخصية، وهنا يتضح أن الكاتب رسم البنية العامة للشخصية انطلاقا من عالمها النفسي. ورغم أن أغلب شخصيات العمل قلقة وتتحرك وسط عالم رجراج متحول وغير مستقر، فإنها تبدو منسجمة داخل حيز كل منها، وتتقاطع ضمن آلية أواني مستطرقة، لترسم خارطة بنيوية للمجتمع في منطقة بوسعادة، وهي مصغرة عن الجزائر كبلد.
 

العمل متماسك بنيويا وسرديا، حبكة قوية ومتحولة، ظاهرة وخفية مشتتة بين شخصيات متنافسة، تتوزع بين أسلوب نصي يتراوح بين السرد الشفهي والكتابي، حسب ما يميله السياق. وعند التدقيق في بنية العامة، نلاحظ تفاعل بنى اللغة، المرتبطة بشبكات محاكاة محلية واجتماعية، مشدودة بخيوط التواصل السردي، سواء كان حواريا أو خطابيا أو تأويليا، وأخيرا، الأدوات النحوية وغيرها، التي تلبي احتياجات التماسك للنص، على وجه الخصوص، شكله السردي الجيد، أو الإضافة التي يقدمها للسرد باعتباره قطيعة، لأنه في الواقع لم يعد ينظر إلى النص على أنه بنية موضوعية وثابتة، كونه لا يوجد إلا من خلال تجربة الكاتب نفسه. وعلى هذا فإن النص مُركّب، بغرض توظيف استراتيجيات دقيقة ومُربكة في آنٍ واحد، لتمثيل وإخفاء ديناميكية العمل الروائي نفسه، الذي يبدو في جانب منه مثل لعب غميضة ذات خلفية بوليسية، فيها قدر واضح من التحايل على التقريرية، وجمود السرد وتكراره.
 

تنتمي الرواية إلى تيار من السردية "ما بعد الكلاسيكية" التي ظهرت في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، وهي كتابة لا تنفصل فجأةً عما يُسمى بالسردية "الكلاسيكية" التي ينبغي لنا، أن نُقدّر تنوّعها الكبير، بل واختلافها، في نهاية المطاف، وأن نقرّ بأزمتها كما بإنجازاتها. ويعد خطيبي من جيل ما يمكن أن نسميه الخيال الجديد في الرواية العربية، أو الواقعية الجديدة، التي يمتاز فيها سرد الحكاية بأنه يحمل في جانب منه استمتاعاً بالسرد وتلاعباً في الوقت نفسه بآلياته التقليدية، وفي ذلك إعادة تشكيل لأساليبه على أساس وجود سلطة سردية، تُفهم قبل كل شيء على أنها سلطة الصوت السردي التي لا تعتمد بالضرورة على مصداقية الراوي، ولا على حضوره الأكبر أو الأصغر في العمل، بل، وبشكل أساسي، على صياغة فريدة لقواعد وأنواع المحاكاة المختلفة المستخدمة، والتي تعيد اكتشاف القوى المفقودة للخرافة والخيال وقوة اليومي المعاش، وهذا ما يجعلنا نحس القوة الجاذبة للسرد، سواء في الروايات أو الأفلام أو المسلسلات التلفزيونية، ليس من منظور ثقافي فقط، بل مما يجعل الناس مهتمين بنوع معين من الخيال في عصر وبيئة اجتماعية معينة وسر الانجذاب لرواية القصص، وهذا ما يعيدنا إلى الجملة المفتاحية في الرواية المسجلة على لسان يمينة مشاكرة " نحن نروي حكايات تؤنسنا، لأننا نجهل أنفسنا".

 

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث