عمّاوس

أسعد قطّانالأحد 2026/04/05
Image-1775374417
عشاء في عماوس لكارافاجيو، 1601
حجم الخط
مشاركة عبر

يكتب الراوية لوقا حكايته عن قيامة المسيح بحبر المهمّشين والمستضعفين في الأرض. شهود القيامة عنده هم الذين يمكثون على الهامش، ويقيمون خارج الصندوق: أوّلاً، ثلّة من النساء يذكر منهنّ مريم المجدليّة ويوانّا ومريم أمّ يعقوب. ومن ثمّ، يمعن في سرد حادثة ظهور المسيح القائم من بين الأموات لتلميذين من خارج بوتقة الرسل الإثني عشر، وذلك في أثناء رحلتهما من المدينة المقدّسة إلى قرية تدعى عمّاوس.

 

بخلاف ما نقرأه لدى بولس أنّ شاهد القيامة "الأوّل" كان سمعان بطرس، صديق يسوع وأحبّ التلاميذ إلى قلبه، تتّفق الأناجيل على أنّ حفنةً من النساء اللواتي أحطن بالناصريّ منذ بدء بشارته وحتّى موته مصلوباً في أورشليم، كنّ أوّل مَن عاين القبر الفارغ وشهد على القيامة. تراءى لهؤلاء النساء، بحسب رواية لوقا، رجلان بثياب برّاقة، وأعلنا لهنّ خبر القيامة. وحين أتين حلقة التلاميذ معلنات الخبر، حُسبت شهادتهنّ "هذياناً". ولا غرو، فالحضارات القديمة في مجملها ذكوريّة الطابع، وتشكّك في صدقيّة النساء. ولا تشذّ ذهنيّة اليهود الذين عاصروا يسوع عن هذه القاعدة. يضاف إلى ذلك أنّ الخبر في ذاته مدعاة للتكذيب. فمَن المخبول الذي يصدّق أنّ رجلاً يقوم من القبر بعد موته الموصوف ودفنه؟

 

"هل أنت الغريب الوحيد في أورشليم" الذي لا يعرف الحكاية؟ هذا كان ردّ فعل أحد تلميذي عمّاوس حين سألهما الرجل، الذي أُمسكت أعينهما عن معرفته، عمّا يتداولان به. تراءى لهما الغريب في الطريق ومشى معهما. وحين استخبرهما عمّا يشغلهما من خطب، "توقّفا حزينين"، على تعبير النصّ الإنجيليّ. ومن ثمّ، انبرى أحدهما، واسمه كليوباس، يقصّ عليه الفاجعة: رؤساء الكهنة وحكّامنا أسلموا يسوع الناصريّ، النبيّ المقتدر في الفعل والقول أمام الله والشعب، إلى الصلب. ونحن كنّا نعلّق عليه الآمال العظام، ونرجو أن يستجلب الفداء لبني إسرائيل.

يطالعنا هذا النصّ بأسئلة كثيرة. أوّلاً، يقال إنّ ثمّة سبع بلدات في فلسطين تدّعي كلّ واحدة أنّها عمّاوس، التي ظهر المسيح على مقربة منها للتلميذ المدعو كليوباس وصاحبه، ولا من يقين. وثانياً، ماذا عن هذا التلميذ الآخر، الذي لا يذكر له الإنجيليّ لوقا اسماً؟ التقليد الكنسيّ المتأخّر في الشرق افترض أنّه لوقا نفسه، أي كاتب الإنجيل. وثمّة جداريّات وفسيفساء في الغرب تتبنّى هذه النظريّة. لكنّ المرجّح أنّ الفرضيّة يمكن عزوها إلى ولع التقاليد بملء الثغرات. فالإنجيليّ لوقا نفسه، في مقدّمة إنجيله، يشير إلى أنّه لم يعرف يسوع شخصيّاً.

 

بينما يسير المسيح مع التلميذين في اتّجاه عمّاوس، يأخذهما بالعقل والمخيّلة إلى مكان آخر. فيبيّن لهما، من الكتب المقدّسة، أنّه كان "ينبغي" للمسيح أن يموت مقتولاً، إذ لا فداء من دون عبور النفق المظلم. يتحوّل المسيح في الطريق، إذاً، إلى المفسِّر والمفسَّر في آن واحد: يفسّر التوراة للمسافرَين، ويعلن لهما أنّه هو، لا سواه، مدخل هذه الكتب ومفتاحها التأويليّ. وإذا بهما يضطرّاه إلى المكوث معهما تلك الليلة. فقد مال النهار، وأقبل المساء بظلمته، وأضحت كلمات الرفيق الغريب هي النور، وهي التعزية.

كان لا بدّ من عشاء بعد هذا المشهد الغرائبيّ الذي يمتزج فيه الموت بالنهايات المفتوحة. فالاشتراك في الطعام، إبّان لحظات الشدّة والأسى العميم، يوطّد الصداقة ويرسّخ التعزية. اتّكأ المسيح مع التلميذين، أخذ الخبز وبارك وكسر. التناصّ واضح لا يحتمل التأويل. فحين سرد الراوية لوقا حكاية عشاء يسوع الأخير مع رسله الإثني عشر، كتب أنّ الناصريّ أخذ الخبز وكسره. تلميذا عمّاوس لم يكونا مع يسوع إبّان هذا العشاء. بيد أنّ فعل أخذ الخبز ومباركته وكسره ارتبط بالناصريّ ارتباطاً عضويّاً في أثناء حياته الأرضيّة، حتّى أضحى أحد أشدّ أفعاله رمزيّةً من حيث تعبيره عن العلاقة الوطيدة التي كانت تجمعه بصحبه وجماعة الذين كانوا يتبعونه.

 

بينما المسيح يكسر الخبز في تلك البقعة المجهولة من فلسطين الرومانيّة، "انفتحت أعين" تلميذي عمّاوس و"عرفاه" عند كسر الخبز. نحن، هنا، أمام تناصٍّ آخر لا يغيب عن العين الثاقبة. لكنّه يأخذنا هذه المرّة إلى أوّل كتب التوراة، كتاب التكوين، إذ نقرأ هناك أنّ آدم وحوّاء، بعد معصية الأكل من شجرة معرفة الخير والشرّ، "انفتحت أعينهما وعرفا أنّهما عريانين". لعلّ هذا الارتباط بحكاية آدم وحوّاء هو ما دفع بعض المفسّرين إلى الافتراض أنّ تلميذ عمّاوس الآخر، الذي لا تأتي الحكاية على ذكر اسمه، يجب أن يكون أمرأة، وذلك كي يستقيم التوازي بين الحكايتين. مهما يكن من أمر هذه الفرضيُة، فالمعنى اللاهوتيّ سهل المنال: قيامة المسيح، التي اكتشفها تلميذا عمّاوس، بعدما رافقهما ثمّ اتّكأ معهما وكسر لهما الخبز، إنّما هي بمنزلة "تصحيح" للمعصية القديمة التي أفضت إلى العقاب والموت. فالقيامة تفتح لنا آفاق حكاية جديدة مع الله والبشر، حكاية يترافق فيها الغرباء على درب مجهولة، ثمّ يكتشفون أنّ القيامة تحوّلهم إلى صحب يتشاركون الطعام ذاته.. والمحبّة ذاتها.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث