طفولة إيفان وطفولتنا

محمد شرفالأحد 2026/04/05
Image-1775372740
أصبح الموت في هذا البلد سيداً، وكأنه صار أشبه بخشبة الخلاص التي سعى إليها إيفان
حجم الخط
مشاركة عبر

 لطالما خطر في بالي فيلم "طفولة إيفان" (1962)، للمخرج الروسي الراحل أندريه تاركوفسكي، في الفترة الأخيرة. يعود السبب إلى أن محتوى الشريط السينمائي وحوادثه، تتشابه، نسبياً وإلى حدٍ ما، مع ما يعيشه أطفال بلدنا في الوقت الحالي، وذلك بالرغم من اختلاف الظروف وطبيعة الحدث. أمّا موضوع الفيلم فيدور حول الحرب، وما يمكن أن تفرضه من متغيرات ومواقف، وهنا نجد النقطة المشتركة المذكورة، وما تحمله من تماثل أشرنا إليه. 


كنت شاهدت الفيلم منذ وقت طويل، في بلد صناعته روسيا (كان آنذاك الإتحاد السوفياتي) خلال سنوات الدراسة هناك، وبعد سنوات من تاريخ إنتاجه، حين كان تاركوفسكي لا يزال حيّاً يرزق. لم أكن ملمّاً باللغة الروسية كما يجب في تلك الفترة، إذ وقعت مشاهدة الفيلم في بدايات العيش في البلد البارد، المترافق مع عثرات اللغة وصعوبتها. لكن، وكما أفلام تاركوفسكي في معظمها، لا يشغل الكلام والحوارات دوراً رئيساً، قياساً إلى الصورة التي تروي الحدث على طريقتها، وتملىء الفضاء التعبيري، على نحو جعل من المخرج الروسي ظاهرة متفرّدة، خرجت عن الإطار الرسمي الذي حددته السلطات، والذي حاول تاركوفسكي تجاوزه والإحتيال عليه من خلال الرمز، وإشارات لا يدركها تماماً إلاّ من يعرف تاريخ البلد، وطبيعته الإجتماعية.

Image-1775372858


لم أنسَ تلك الواقعة، حين سألني أستاذ مادة الجماليات، خلال الإمتحان وبعد مضي سنوات من الدراسة، عن الأفلام التي أفضّلها؟ أجبته فيلم "ستالكر" لتاركوفسكي. انقلبت ملامح الأستاذ، بالرغم من لطافته المعهودة، وقال ما معناه: هذه الأفلام غامضة ولا تساوي شيئاً، عليك رؤية أفلام سرغي باندارتشوك، فتلك تستحق المشاهدة (وللحقيقة أعتبر أفلام باندارتشوك جيّدة). كيفما، فإن فيلم "طفولة إيفان" هو أول فيلم روائي طويل للمخرج، وهو مقتبس من رواية "إيفان" للكاتب فلاديمير بوغومولوف، ومن بطولة نيكولاي بورليايف، ويروي حكاية المصير المأسوي لأحد الأطفال المجنّدين في الجيش.

Image-1775372937


فيلم حرب سوفيتي، كان من الممكن أن يكون مجرد عمل دعائي، وهو بمثابة تمهيد لمجمل الموضوعات المتكررة في أفلام تاركوفسكي، ويتنبأ بأسلوبه السينمائي المستقبلي: البحث عن أجواء خانقة، الطابع الحالم للصور، الرؤية السوريالية للواقع المُدمجة في السرد، والتناقض بين مثال الطفولة الضائعة وعالم بارد مُجرّد من الإنسانية، والذي ترمز إليه الحرب. ويبدو أن المخرج كان تأثر بشدة بفيلم "المواطن كين" لأورسون ويلز، وذلك من خلال استخدامه التركيز العميق واللقطات المقربة. كما أنه من النادر أن تُعرض منطقة الحرب نفسها، في حين تُبرز عناصرها: الماء (المطر، النهر، الماء المتساقط في الحوض) وغابة البتولا، رمز الروح الروسية الخالدة. الفيلم، الذي يسلط الضوء على التناقض بين أحلام إيفان البريئة ومعاناته التي لا تطاق، بعيد كل البعد عن تمجيد براعة بطل حرب. وتنبغي الإشارة إلى حقيقة تُشابه اللقطة الأخيرة من آخر أفلامه "التضحية"، مع اللقطة الافتتاحية لهذا الفيلم - لقطة بانورامية صاعدة لشجرة، تكشف عن مشهد طبيعي خلاّب، ماعز وفراشات، ووجه الطفل الأشقر، ما يُذكّر بالحلم الأول، وبمثالٍ ضائع. 

Image-1775373041


 العام1944، إيفان، ذو الثلاثة عشر عامًا، يحلم. يتذكر أوقاتًا سعيدة قضاها مع والدته في الريف. قُتلت الوالدة على يد الألمان أثناء ذهابها إلى البئر. يستيقظ إيفان في طاحونة، ويتسلق تلًا مليئًا بالجثث. يسير عبر غابة على ضفاف نهر دنيبر، ويختبئ خلف جذع شجرة لعبور النهر. تلك كانت إشارة البداية لقصة طفولة صبي تمت التضحية به في أهوال الحرب. لقد كان بإمكانه أن يكون بطلاً، وهذا ما رآه فيه الرقيب الروسي، لكنه وحش، لم يعد جزءًا من الجنس البشري، ولا يسعى إلا للانتقام. الفن غريب عنه وعن تصوراته. في محفورات دورر(  Albrecht Dürerفنان ألماني 1471- 1528) "فرسان نهاية العالم الأربعة"، لا يرى إيفان سوى الحضور المرعب لألمانيا النازية. لقد فقد روحه، ولم تعد موجودة، إلا مُكبّرة، في أحلامه الأربعة: الحلم الأول بأيام سعيدة، والكابوس في الخارج ثم في قاع البئر، وحلم الفتاة الصغيرة، والحلم الأخير الذي تخيله، حين يسترجع ألعاب طفولته على الشاطئ. يُبلّغ غالتسيف باعتقال فتى. إنه إيفان، الذي يرفض الحديث. وحده غالتسيف، الملازم الشاب الذي رُقّي إلى قائد كتيبة في سن مبكرة جدًا، يُظهر موقفًا مسؤولًا، فهو لا يريد فقط إبعاد إيفان عن القتال، بل حبيبته ماشا أيضًا. ولأنه مغرم بها، لم يحاول غالتسيف أبدًا استغلال منصبه كقائد في هذه المسألة. يتخذ الجندي العجوز كاتاسونوف موقفًا وقائيًا أيضًا، لكنه يُقتل بشكل مأسوي برصاصة طائشة. يحاول غريازنوف، الذي يرغب في إرسال إيفان إلى المدرسة العسكرية، وخولين، المرح والانتهازي، حماية الطفل أيضًا، لكن دون جدوى.

Image-1775373372


إذ بالنسبة لهذا الطفل المُضحّى به، الذي فقد عائلته، والذي لا يبتغي سوى الانتقام لنسيان موت أمه، يبدو الموت بمثابة خلاص. على الأقل، هكذا فسّره جان بول سارتر، أحد المثقفين القلائل الذين أعجبهم الفيلم عند عرضه. فقد رآه أشبه بنهاية سعيدة: موت طفل مُغترب عن أي نصر. في فيلم "ألمانيا: عام الصفر" للإيطالي روبرتو روسيليني، انتحر إدموند الصغير هربًا من التبعات الأخلاقية لفعله. وحتى في فيلم "الألعاب المحرمة" الأقل شهرة، فُصل الأطفال عن سواهم من خليقة. 
ما ذُكر عموماً، قد يضعنا في أجواء مشابهة، إلى حد ما، لما تتعرّض له الطفولة في الوقت الراهن في بلدنا، مع الأخذ في الإعتبار الظرف التاريخي والمكاني. الطفل الذي فقد والديه وأخاه في القصف الذي طاول منزلهم بمدينة بعلبك، والذي نجا وحيداً من بين أفراد العائلة بإعجوبة، ما الذكريات التي ستراوده، واي مستقبل ينتظره نفسياً وإجتماعياً؟ أطفال آخرون عاشوا، وما زالوا يعيشون، حرباً فُرضت عليهم، سمعوا خلالها أصوات انفجارات وقرقعة زجاج متكسّر وحجارة مطحونة. المدارس التي كان من المفترض أن تقّدم لهم علماً تحوّلت مأوى لأجسادهم الصغيرة، وقد لا يعود الكثيرون منهم إلى بيوتهم المدمّرة إلاّ بمعجزة، تشبه معجزة نجاة الطفل البعلبكي من الموت المحتم. لقد أصبح الموت في هذا البلد سيّداً، وكأنه صار أشبه بخشبة الخلاص التي سعى إليها إيفان(*).

 

(*) - حاز الفيلم على جائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية، واستُقبل في فرنسا كعمل رسمي وجميل من الناحية الإستيتيقية. أما في روسيا، فقد أثار موضوع التضحية بالطفولة إستياء السلطات، التي لم تعرض الفيلم إلا نادرًا. وبعد أربع سنوات فقط، أي في العام 1966، عُرض فيلم "أندريه روبلوف" في "مهرجان كان"، بعد عامين ونصف من اكتماله، وفاز بجائزة النقاد الدولية، وحقق لمخرجه شهرة عالمية.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث