الانتصارات في المفهوم الممانع أو الثوري أو القومجي، هي مثل عنوان جريدة "السفير" عام 1982 "بيروت تحترق ولا ترفع الراية البيضاء"، أو مثل أقوال ميشال عون "يستطيعون سحقي ولن يأخذوا توقيعي" أو أغنية "إن عشت فعش حراً، أو مت كالأشجار وقوفاً"، وإن ترافق ذلك مع هروب وتشرّد وتيه.
في المفهوم الأميركي، تبدو الانتصارات كما لو أنه سيناريو سينمائي، أو ما يشبه فيلم "إنقاذ الجندي رايان" لستيفن سبلبيرغ. والحرب إن لم تكن سينمائية يبحثون لها عن سردية سينمائية، عن شيء يبهر الرأي العام، ويرضي نرجسية دونالد ترامب (أو غيره)، الذي يبدو أنه يستمتع بمشاهد القصف من خلال الشاشة العملاقة، مثلما استمتع باعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو مباشرة على الهواء.
في حرب "الغضب الملحمي" الأميركية - الاسرائيلية على إيران، بعد سقوط طائرة f-15 الأميركية في إيران، وإنقاذ أحد طياريها والبحث عن الآخر. من خلال كثرة التحليلات والتعبئة الإعلامية وحرب الصور والسرديات، بدا للرأي العام كأن المعركة يحددها مصير الطيار المفقود. أميركا حرّكت جيشها وطائراتها واستخباراتها وإعلامها لإنقاذه، وإيران شغلت شرطتها وحرسها الثوري (الباسدران) وقبائلها لأسره، عرضت مبالغ لمن يقبض عليه.
في ساعات قليلة عشنا الكثير من السرديات والأوهام والبطولات المزيفة وسط في حرب مدمرة وفاتكة، لوهلة بدا أن اسقاط أو سقوط طائرة يغير موازين الحرب ويكسر المعادلات ويدحض التصريحات الأميركية الترامبية، لكن مع تحليق الطائرات المروحية الأميركية على علو منخفض في سماء إيران، أعطى انطباعاً أن بلاد الصواريخ الباليستية، فقدتْ السيطرة على الفضاء أمام الغزاة، وبدا لافتاً أن الشرطة تطلق النار على المروحيات من المسدسات والأسلحة الخفيفة، وبدا لافتا أيضاً مشهد آخر لطائرتين مروحيتين، تتزودان بالوقود بكل طمأنينة في السماء، والناس يبحثون عن الطبار في البراري والجبال الوعرة.
مشهد البحث عن الطيار كأنه يرسم صورة مصغرة لفيلم أميركي هوليوودي. السردية الأميركية، تقوم على القوة والانتصار والبطل المفتول العضلات. الطيار المصاب تحول رامبو جديداً، صعد جبلاً من سبعة آلاف قدم واختبأ في شق صخري لساعات لتجنب دوريات الباسدران والقبائل المحلية التي كانت تبحث عنه. وأرسل الإشارات لإنقاذه ولم يكن بحوزته إلا مسدسه. وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أنّ القوات الخاصة الأميركية التي كانت تقترب من مكان وجوده، أطلقت النار لإبقاء القوات الإيرانية بعيدة عن الموقع. ويكتمل سيناريو "الغضب ملحمي" الهوليوودي في الحديث عن الخسائر التي مني بها الجيش الأميركي لإنقاذ الطيار، فقدت ذكرت "نيويورك تايمز"، أن الجيش الأميركي دمر طائرتي نقل تابعتين له علقتا أثناء مهمة إنقاذ الطيار المفقود، فبعد إنقاذه علقت طائرتان نقل كانتا ستنقلان الكوماندوز والطيارين إلى بر الأمان في قاعدة نائية بإيران. ولذلك قرر القادة إرسال ثلاث طائرات جديدة لإجلاء جميع أفراد الجيش الأميركي والطيارين، وقاموا بتفجير الطائرتين المعطلتين بدلاً من تركهما في أيدي الإيرانيين.
وفي تصريحات لترامب، وصف العملية بأنها "واحدة من أكثر عمليات البحث والإنقاذ جرأة في تاريخ أميركا"، وكتب موقع "الجزيرة" هل استوحى ترامب وصف إنقاذ الطيار الأميركي من فيلم "فجر الإنقاذ"؟ هذا الفيلم الأميركي الحربي الدرامي، الصادر عام 2006 من إخراج السينمائي الألماني فرنر هرتزوغ، يروي قصة الطيار الأميركي ديتر دنغلر الذي أسقِطت طائرته خلال حرب فيتنام، ليقع في الأسر داخل معسكر قاسٍ في الأدغال، قبل أن يخطط للهروب ويخوض رحلة شاقة من أجل النجاة وسط ظروف بالغة القسوة.
في المقابل بدت طهران كأنخا تسرد سيناريو فيلم أشباح حول العملية، ركزت على أن الطيار كان مصاباً وقد يموت، وقالت إنها قصفت اجساماً طائرة واسقطتها، واعتبرت "ما يسمى عملية الإنقاذ العسكرية الأميركية، المخطط لها كعملية خداع وهروب في مطار مهجور في جنوب أصفهان بذريعة استعادة طيار طائرة تمّ إسقاطها، كانت فشلاً ذريعاً".
في القراءة العامة لمشهد انقاذ طيار التسليح الأميركي، كل يغني على ليلاه.




