يعرّف المفكر الفرنسي آلان تورين، الديموقراطية، بأنها "لا تقتصر على مجموعة من الضمانات القانونية أو على سيادة الغالبية، بل، هي قبل كل شيء احترام التطلعات الفردية والجماعية". وهي "نظام سياسي سهل الانعطاب، فيمكن أن تتحول إلى لعبة في أيدي القوى الاقتصادية التي ترى فيها مجرد وسيلة سياسية لتحقيق المنفعة، وتوظف من طرف سلطة حاكمة لممارسة أفعال لا ديموقراطية كالاستبداد والتحكم في الأفراد، والهيمنة على الفضاء العمومي".
والدليل على كلام تورين يتجلى في النازي أدولف هتلر الذي وصل إلى السلطة ديموقراطياً، وقضى على الديمقراطية في 53 يومًا، إذ استخدم الدستور لتحطيم الدستور. أيضاً في الديموقراطية الأميركية التي أنتجت متهوراً ومتعجرفاً ونرجسياً جشعاً ولئيماً مثل دونالد ترامب. إذ يسأل المرء القاطن في العالم الثالث كيف لأمة تتسيد العالم عسكرياً واقتصادياً وسينمائياً وثقافياً وتنتج تطوره، أن تنتج رئيساً مثل هذا؟ بالطبع ما نقوله ضرب من الضروب المثالية والمتخيل، ذلك أن كل شي قد ينتج القباحة واللامتوقع، الثورات قد تنتج نظام الملالي باعتبار أنها "يخطط لها الدهاة أو المجانين، وينفذها الشجعان أو العقلاء..ويجنى ثمارها بكل الأحوال بعض الانتهازيين".
حتى التعددية اللبنانية التي يتغنى بها العالم، تسهل إنتاج حروب الأغيار وجحافل السلاح غير الشرعي، من السلاح الناصري إلى الفلسطيني إلى الإسرائيلي والسوري والإيراني في لبنان، ولا نعرف غداً من في الطريق. الأديان تنتج تنظيمات إرهابية مثل داعش، وشخصيات مجرمة مثل نتناياهو. والشيوعية تنتج شخصيات فاتكة مثل ستالين، وكذا العروبة والاشتراكية والانتدابية الاستعمارية.
على أنّ ما يفكر فيه الأميركي في الداخل، يختلف عما يفكر فيه القاطن على ضفاف المتوسط أو في أي مكان في العالم. في ما يخص جولات الحروب، كل رؤساء أميركا على منوال ترامب، حتى العقلاء منهم. هم أحياناً شرطي العالم، وأحياناً أخرى كاوبوي في فيلم ويسترن، لكن ترامب في الواقع تفوق على نفسه في أنماط السلوكيات والتصريحات والحروب والصفات وتجاوز أي أعراف وقوانين. خطف رئيساً وقتل آخر، ويطلق تصريحات احتقارية عمّن يريد، ويوزع إعجاباته يساراً ويميناً، وكذلك عدم رضاه عن الدول والكوكب والكون وحتى الآلهة.
السمات المستخلصة من مؤشر ميلون لأنماط الشخصية، تبين أن السِمات الأساسية لشخصية ترامب هي: الطموح/الانتهازي (الذي يميل إلى الاستغلال)، والساعي للسيطرة/ التسلط (الذي يميل إلى العدوانية)، والمنفتح/الاجتماعي (الذي يميل إلى التهور). وهناك أدلة موحية، وإن كانت غير قاطعة، على ظهور ميولٍ ناشئةٍ من عدم الثقة/الريبة والتقلب/عدم الاستقرار، مع ميل إلى تحريف الحقيقة والتحايل على القانون (أي أنه لا يخشى شيئًا).
أحسب أن ألف صورة لترامب، تتعدد بتعدّد تصريحاته، مع كل تصريح نسأل كيف يفكر هذا النرجسي المتعجرف? مرة يعلن شماتته بموت موظف، ومرات يسرد حكاية عن أن الحرب تجعل أميركا مبهرة، وفي لحظة ينزلق للحديث عن خلاف ماكرون مع زوجته، أو يطلق تصريحات عنصرية ضد باراك أوباما، أو تحقيرية ضد غيره من الرؤساء، أو يتحدث عن جينات ابنه المتفوقة، يتصرف كممثل ويتوقع أنه تحت الأضواء في كل حركاته وسكناته. بإزاء هذا أسهب الخبراء بدراسة ترامب من الناحية النفسية، مثل البروفيسور دان ماك آدمز، في كتابه "حالة دونالد ترامب الغريبة: دراسة نفسية".
حاول آدمز الاستفادة من الأحداث الجارية لدعم رؤيته لمفاتيح شخصية ترامب وكيف لا يمكن التنبؤ بما سيقوم به. فهو لا يرى نفسه كشخص عادي مثل البشر، غير معصوم وخاضع للمعاناة. يقول آدمز: "لا، ترامب ليس شخصاً بهذا المعنى. بل هو أشبه بشيء كبير، رائع، يعرف ويفهم كل شيء. لم يعترف بأي فشل على الإطلاق، لأن الاعتراف بالفشل سيجعله يرى أنه لم يعد مثالياً وقوياً ورائعاً، وبالتالي، لم يعد جديراً بالحب. لا يمكن لترامب أن يخسر لأنه إذا خسر (في ذهنه) فلن يكون قادراً على حب نفسه، وحياة ترامب كلها تتعلق بحب نفسه".
وفي تحليل آخر يقول جاستن فرانك، وهو أحد أبرز علماء النفس الذين كتبوا عن شخصية ترامب، أن الأخير نشأ في بيئة عنيفة، مما يجعله مالاً إلى السلوك التسلّطي والاندفاعي. ووصف ترامب بأنه "مشوّش داخليًا، يحاول دائمًا إثبات أنه الأقوى في الغرفة".
ترامب مكيافيلي. يعاني انعدام ثقة كبيراً بالآخرين، وثقة عالية في النفس. وبحسب بعض الدراسات، هو متناقض للغاية حيال هذا الوضع. فمن جهة، يتباهى بذكائه، بل ويتباهى أكثر بذكاء عمه الذي يبدو أنه درّس لسنوات عديدة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. لكنه، من جهة أخرى، يصرّح قائلاً: "أنا أحبّ قليلي التعليم". لا دليل يُذكر على أنه يقرأ بتأنٍّ وتأمل، أو حتى أنه رجل أعمال بارع، بل هو مجرد متلاعب ماهر بنظام العقارات في مختلف المجالات. مثلما يتلاعب بخطاب الحرب الآن.
يقول هوارد غاردنر، عالم النفس الأميركي: "توصلتُ في دراساتي إلى أن القادة الفعالين يظهرون خاصيتين: فهم يروون القصص بشكل مقنع ويجسدون تلك القصص في حياتهم الخاصة. لا شك أن ترامب روائي بارع. فهو، على سبيل المثال، ينقل ببراعة ما يعنيه أن يلاحقه القانون، وما يعنيه أن تكون 'أميركيًا حقيقيًا'، وأن 'تجعل أميركا عظيمة'". بالطبع، يشكك كثيرون في صحة رواية ترامب الشخصية. لكن، كما قال الصحافي دانيال شور ساخرًاً ذات مرة: "الصدق: إذا استطعت تزييفه، فقد حققت النجاح".
وفي كتابها "برج الأكاذيب"، تسرد باربرا ريس، وهي مسؤولة تنفيذية بارزة عملت لفترة طويلة مع ترامب، صفات من شخصيته استخلصتها خلال فترة عملها معه. أبرزت ريس أن العنصرية ومعاداة السامية والتشبث بالرأي وإلقاء مسؤولية الأخطاء على الغير، كانت من أبرز السمات الشخصية لترامب. إلى جانب قدرته على "الكذب بشكل طبيعي للغاية" بحيث "إذا لم تكن تعرف الحقائق الفعلية، يمكنه أن يمرر معلومة غير حقيقية من دون أن تلحظ ذلك".
ترامب رجل أعمال بالدرجة الأولى، عاشق صفقات. وفي حساباته، ينظر دائماً إلى ما يأخذه من الجانب الآخر. كانت نظريته أنه سينهي الحروب، فإذا به يغرق في حرب كبيرة، ما زالت مجهولة النتائج والمسار، أو كما قيل: جعل العالم في عنق مضيق هرمز والكذب.
