رسل الموسوي لـ"المدن" : الشعر زلّة إلهٍ صامت

المدن - ثقافةالجمعة 2026/04/03
Image-1774103042
رسل الموسوي الفائزة بجائزة مرفأ للشعر
حجم الخط
مشاركة عبر

أطلقت دار "مرفأ للثقافة والنشر" جائزتها للشعر العربي في دورتها الأولى في أصعب الظروف التي يمرّ بها الشرق الأوسط عمومًا ولبنان خصوصًا، إيمانًا من الدار والقيّمين على الجائزة بأنّ الأدب شكل من أشكال المقاومة وأن الشعر ما زال قادرًا على إيصال صوته إلى أذهان القرّاء ومشاعرهم عبر أصوات تتحدّى السائد والموجود من التجارب الشعريّة. ذلك من خلال ابتكار تجارب جديدة ومغايرة تعطي للشعر مفهومًا وبعدًا آخر. الشعر وفقًا لإصرار "مرفأ للثقافة والنشر" نبراس لا يهدأ ضوؤه والتجارب التي تقدّمت كلّها إلى لجنة الجائزة تحمل في طيّاتها شغف التطوّر والحداثة. ولأنّ التجربة قابلة للتكرار كانت لـ"المدن" وقفة حواريّة مع الشاعرة الفائزة بالجائزة، رسل الموسوي، من العراق. حول فوزها وأحوال الكتابة وطقوسها وعن مكانة الشّعر اليوم...

***

ماذا يعني لكِ الفوز بهذه الجائزة في هذه المرحلة تحديداً من تجربتك الشعرية؟

 

لهذا الفوز معنيان مهمان: الأول شخصي، والآخر عام، يخص العالم والمهتمين بالفن والشعر على وجه الخصوص.

إن العالم الآن يعاني حالة من الصراعات، حيث يرتفع صوت الموت والأسلحة، وقد أثبتت الكلمة المتكثفة شعراً حضورها، كأن تخبر أن صدارة الشعر تعني أن بوسع الكلمة أن يكون لها نبأ صادق داخل عالم الحروب. 

أما على الصعيد الشخصي، فأنا أمام صورة واحدة اعتمدتها في مساري الشعري والثقافي، وأستطيع اختصارها بالعبارة التي ذكرتها في أحد نصوص هذه المجموعة "أنّ الشعر زلة لسان إله صامت". 

أنا في هذه المرحلة بوابة لهذا الصمت، والحقيقة أنني أقف أمام صمت وضع نفسه في مجهر الصدى، أنا الآن بين الصمت والصوت، بين الفراغ والنقطة أو علامة الاستفهام.

بكل صدق كنتُ أتحاشى المقدمات دائماً في حياتي، ليس خشيةً أو قصوراً، بقدر ما أن هناك ضجيجاً ملحّاً للظهور لكل شيء، ولا بأس بما فيهم الكلمة، لكني كنتُ ومازلت في مرحلة التشكيل والاكتشاف ركزتُ على نفسي كمشروع صامت يحاول اكتشاف نفسه ولغته أولاً. وربما هناك طرفة فيها من الشعرية بما سأذكره، أن أول وآخر مرة كنتُ فيها في المقعد الأول، أنني كنت في الصف الأول للمدرسة، والآن وضعني هذا المدعو بالشعر أمام الشعور المتمثل داخل أغنية "أول مرة" لمحمد حماقي مع التغيير وبتصرف "مثل أول مرة بأول كل شيء" وطبعاً هناك نوع من البراءة والصدق في كليهما. 

بلا شك، صدارة الكلمة تعني أن كل ما مرّ به الكاتب من حزن وألم وخيبة قد انتصر، وأصبح كل هذا في المقدمة، وليس الكاتب تحديداً، انتصرت هذه الأحزان لا على الكاتب إنما على نفسها، وأصبحت صورة من صور الجمال والفن.

 

هل تشعرين أن النص الفائز يمثّلكِ بالكامل، أم أنه لحظة من مسارٍ ما زال يتشكّل؟

 

النص، أو الشعر على أية حال، مثل كل الأشياء التي عشتها وأعيشها، تعاملتْ معي كأنها أداة للتهذيب والتشذيب، فحتماً يمثل كل نص داخل هذه المخطوطة تجربة أو حالة، ولا نستطيع نكران الاجزاء هي الكل في الختام. بإمكاني أن أرى سيرتي وسيرة المرحلة والأماكن، وحتى الساعة التي عاشتني وعشتها.

في الحقيقة مع كل نص أنا أمام فعل "ما زلت". في الشعر شيء من خصائص الماء أو الهواء، اللذين كلما اختلطا بشيء منحاه ومنح لهما صورةً ومعنىً آخر، كأنني أمام مرآة مضلعة محاطة بعدة أشخاص، وكلهم في الحقيقة شخص واحد!

 

كيف وُلد هذا النص؟ هل جاء من تجربة شخصية مباشرة أم من اشتغال لغوي وفكري أطول؟

 

إن كانت لفكرة البداية أهمية، فقد بدأت علاقتي مع الكلمة بتحسسي للأصوات، كنتُ طفلة في عمر الثامنة بوجه الدقة، أغمض عيني وأستمع لأصوات العالم من حولي وأتحسس إيقاع لفظ الكلمة وتأثيرها، إلى أن سحبتني هذه الكلمة إلى كتابة ما يُدعى شعراً.

بلا شك، هناك الاثنان معاً، أنا ممن يحترم المراحل والخطوات المدروسة، خصوصاً أن مجال تخصصي الدراسي لا يخرج من هذه الدائرة، أضيف إلى ذلك العزاء الذي تمنحه الكلمة، فلم أجد شيئاً في هذا العالم استطاع الوقوف معي مثل الشعر.

 

ما الذي كنتِ تحاولين قوله في هذا النص تحديداً، وربما لم يُلتقط بالكامل في القراءة الأولى؟

 

دائماً تولد الأشياء من فقدان التعريفات واحتشاد السؤال، وأعتقد أن بداية هذا العالم كانت من خلال سؤال. أحياناً يكون الكاتب كمن يحفر في ماء، وتارة أخرى يفكك هذا الحفر أو يصيّر الأشياء إلى ماء، وكله معنى بين ما تمنّت الكلمة أن تكونه وبين ما كانت عليه.

أنا حقيقة لا أبحث عن خلود بقدر ما أبحث عن وسيلة تمنح تعريفات وسلوى عند القراءة، وأظن أن الخلود منطقة التحويل ليس أكثر من ذلك، والأمر متروك للقارئ، هو الكاتب الثاني من بعدي، عسى أن يجد أحدٌ في سطر أو نص ما يمثله، وهذا ما سيمنح ولادات متعددة لكل قصيدة.

 

إلى أي حدّ تعتقدين أن الشعر اليوم ما زال قادراً على التأثير، في ظل طغيان الصورة والسرعة؟

 

هناك خاصية مشتركة بين المؤرخ والشاعر، على اختلاف الأدوات والغرض، وهي خاصية الحفظ. الشعر هو الميثاق الذي يحفظ الوقائع وينقلها، ربما بلا سلطة الحاكم، ولا ننكر أن هناك كلمات فيها من التزييف، لكن دعني آخذ الجانب النقي والإيجابي.

الأدب هو إمكانية قراءة ودراسة تاريخ أمة وحقبة بالكامل من خلال شخص واحد جسد هذا الشيء فناً. يقول كاتب الألماني بريخت في أحد نصوصه: "لن يقولوا كانت الأزمنة رديئة، بل سيقولون لماذا سكت الشعراء".

أنا لا أضع المسؤولية بالكامل على الشاعر، بوصفه المثقف الذي يفعل من خلال الكلمة. وأعود إلى البيت الذي ذكرت معناه في أحد الأسئلة: "السيف أصدق أنباءً من الكتب". في الواقع الذي لا يملك فيه الفرد قوة السلاح أو لا يرغب بالتعامل بلغتها، ولا يستطيع الدخول في حرب يعرف فيها أنه سينتصر، رغم أني ضد لغات الحروب بالكامل، يكون للكلمة دور أكثر من السيف؛ هي السلاح الوحيد.

أصل كل الصراعات كانت الكلمة وأن أحدثت خسائر ستنتهي أيضاً بكلمة، كل أشكال الحروب نتيجة.

لحظة إدراك أن للإنسان حقوقاً بدأت حينما شعر هذا الكائن بالظلم، والشعور هذا في أصله عاطفة، ولن تظهر إلا من خلال الكلمة ثم تتطور. والكلمة لكي تنتصر تحتاج أولاً إلى منظومة من الفكر، وقائد يؤمن بهذا الفكر. إذا ذهب الشعر بهذا الاتجاه، فبإمكانه أن يحدث تغيراً كبيراً. الكثير من سلبت حياتهم منهم وآخرين انتصروا بسبب كلمة!  الشعر لا يوضع أمام السرعة والصورة، بوسعه أن يخلقهما كليهما وينجو منهما أيضاً.

 

كيف تتعاملين مع فكرة "اللغة الجاهزة" في الشعر؟ وما هو رهانكِ الخاص على اللغة؟

 

أشعر بالنفور وعدم الرغبة في الاستمرار حينما أجد شخصاً أو مشروعاً يستخدم لغة المفاهيم الجاهزة أو مفاهيم اللغة الجاهزة، ولا أعني نكران المرجعيات والتأسيسات التي تمضي بمسار صحيح.

رهاني هو استمرار هذه اللغة، أو لغتي الخاصة، أو لغة أي كاتب، على التجربة، وأن تُمنح فرصة التعثّر وبناء طريقها الخاص، وأن تعطي مساحة لنفسها لتُسمع وتختبر الصمت والصوت، الصورة وغيابها. أنا مع منح الشيء قدرته على صنع هويته الخاصة بدون جاهزية. 

 

هل ترين نفسكِ امتداداً لتقليد شعري معيّن، أم أنكِ تحاولين القطيعة معه؟

 

يضعني هذا السؤال أمام مفهوم التجديد والحداثة ودوره، وكذلك أهمية التراث. بلا شك أن هناك مراحل تأسيسية، وكل ما سلف من صالح وطالح، من مؤسس ونقيضه، هو ثروة بناء، حتى وإن لم يكن شعراً. لكن في الختام، أي مشروع حقيقي سوف تكون له بصمة تشبه بصمة الإبهام وإن كنا ندور في منطقة من الأفكار والكلمات المعاد تدويرها، والشاعر هو المادة الخام قبل كل شيء لمشروعه، وهو الكائن الذي يفترض أن يعرف متى يصمت ومتى وكيف يتحدث.

 

ما علاقتكِ بالنشر اليوم؟ وهل ما زال النشر الورقي يشكّل لكِ أفقاً أساسياً؟

 

النشر الورقي أشبه بوضع توقيع أسفل كلمة كشاهد عليه قبل غيره، كأن صاحبه يقول: أنا هذا التردد الذي كان يأمل توضيحه وإثبات تحوله إلى نية واقعية عند الكاتب ويليام شكسبير في مسرحية هاملت حيث يردد بطله: "أكون أو لا أكون"، كأن المنديل الورقي يتحول إلى صحيفة، بجانبيها السلبي والإيجابي. أما علاقتي بالنشر، فالحقيقة أن الشعر يكون حيثما يُقرأ ويشعرون به، لا كتابياً فقط، وترتفع جودته في اللحظة التي يتغير فيها مستوى التلقي. المنصة مساحة للاستماع للصدى فقط، والحقيقة كيفما وجد قارئ صادق يبحث عن عزاء داخل النص وخارجه.

 

كيف أثّرت الظروف التي نعيشها (سياسياً أو اجتماعياً) في كتابتكِ، إن أثّرت؟

 

هذه الظروف تدخل بلا تحية، سواء كان الإنسان مستعداً لها أم لا، عنوةً ورغبةً. مثل أي موضوع، ستجدون أن لها حضوراً في كتاباتي. الشاعر ابن واقعه على أية حال، تارةً فيها نوع من الثورة والرفض، وتارةً تُعرّف أنها منعتنا من الحياة أو منحتنا حياة أخرى.

الموت والحرب، السياسة والصراعات الاجتماعية، كلها أعادت تعريف الحياة، وأهمية أننا داخل هذه المرحلة من الوجود لا شيء يضاهي عيشها بكل تفاصيلها ضمن الماهية التي نحن عليها.

 

ما الذي تخشينه على قصيدتكِ أكثر: سوء القراءة أم عدم القراءة؟

 

كل كلمة عدل لا تخرج تخلق حبلاً يدني الظلم من الرقاب، وكل كلمة حب لا تخرج تخلق تجويفاً في عمق الذات. لا أخشى عليها من شيء، أنا أخشى من نفسي أن تمنع خروج ما يستطيع الخروج. الكتابة إحدى صور الحرية، رغم أن مفهوم الحرية شكل من أشكال القيد لكنه المحبب والمُختار. وإن خرجت أي كلمة حقيقية، حينها لن نخشَ عليها من سوء القراءة أو عدمها؛ كلاهما أيضاً مختبر للتلقي ومختبر للكاتب على حد سواء.

 

هل تغيّر شيء في نظرتكِ إلى نصوصكِ بعد فوزها وتلقيها بهذا الشكل؟

 

لم يتغير شيء، سوى أني أصبحتُ فعلياً قارئةً أخرى ضمن جمهور هذه النصوص.

 

ما المشروع الذي تعملين عليه الآن؟ وكيف كانت تجربتك مع مرفأ للثقافة والنشر؟

 

نعم، لدي مشاريع ضمن الشعر أو بأنواع فنية أخرى، إن كان لي عمر وفرصة لتحقيقها، وكذلك مخططات ضمن مشروعي الأكاديمي. العلاقة بين مشروع وآخر أشبه بالعلاقة العاطفية لكي تنشأ بين اثنين، تكون خالية في البدء من أدوات الاستفهام: لماذا، ومتى، وإلى أين إن حدثت هذه الرغبة مع أي مشروع آخر، فسألبيها بلا تردد.

لكن مشروعي الأهم أن أكمل مسيرة السابقين بطرح السؤال، وأدافع عن الفكر المتجمّل بالفن.

هناك بيت عظيم أحبه ويحبه الغالبية للمتنبي: "على قلق كأن الريح تحتي".

تجربتي مع مرفأ تشبه البساط الذي عرّفني بطبيعة التحليق من هذا النوع، وأن الأسماك والكائنات الأخرى لها ما لها مثل الطيور في السماء؛ تغوص وتتنفس وتقلق. وما أعنيه بالتحليق هو معرفة حقيقة وأهمية أن تقترب من الأرض أكثر لا السمو عنها. 

منحتني "مرفأ للثقافة والنشر" التحسس بإمكانية هذه الكلمة المحلّقة والغائصة أن ترى جغرافيا لهذا القلق وتتنفس قليلاً، خصوصاً أن هذه المسابقة كانت مبنية بنسبة تكاد تكون كاملة على الإنصاف، ليس لأني صاحبة المركز الأول، بل لأنهم لم يكونوا يعرفونني من الأساس ولم تكن للمحسوبيات دور، وأن معيارها الحقيقي والأول: لا أهمية أكثر من القصيدة فيها، وربما هذه هي جدوى الفن.

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث