عشنا معه مجد أغنياته الثورية. لم يكن يحب كثيرًا أن يُوصَف بمغنٍ سياسي أو ثوري، بل كان يقول: نحن نغني للإنسان، أي إن أغنياتنا إنسانية. لكنني أراها، كما الكثيرين، ثورية بامتياز. تلك النبرة، تلك الصرخة، كانت تأتي من أعماق روحه، كما في قصيدة الشاعر محمد شمس الدين:"إذا عبروا". كانت الجماهير ترفع قبضاتها وتصرخ معنا: "أناديكم"، أو "يا غضب الضفة لا تهدأ، أعلنها ثورة"، ويفرحون حين نغني "يا رايح صوب بلادي". كنا نعود من تلك الحفلات بشعور خاص… مزيج من النضال وجلسة علاجية، نُخرج فيها من صدورنا كل شحنات الغضب. نشعر بحب الجمهور الذي كان أحمد يحاكيه بقصص قصيرة بين الأغاني ليريّح صوته. استمرت هذه الحفلات لسنوات، صيفًا في الجبال وشتاءً في مسارح المدن.
ذات مرة، دُعينا إلى حفل في الجبل. وكالعادة، حملنا آلاتنا الموسيقية، ونقلتنا سيارة باص صغيرة. وصلنا إلى تلك القرية، فاحتفى بنا منظم الحفل، واستقبلنا في بيته. وكانت والدته قد أعدّت لنا ملوخية، تلك الطبخة التي صارت محور حديث طريف، على اعتبار أنها "محرّمة" عند الدروز، وهي، طبعًا، خرافة شعبية لا أساس لها. كانت أشجار الصنوبر تحيط بنا، والأحاديث مع فعبور تزيد من روعة المكان.
المهم، حان وقت التمرين والتأكد من الصوت والمسرح. قمنا بذلك، وجلسنا ننتظر الجمهور… بدأنا نشعر بتوتر المنظمين: ما القصة؟ أين الناس؟
كانت الأجوبة تحاول أن تطمئننا قليلًا: "سيأتون حتمًا".
بعد قليل، تغيّرت الإجابة: "هناك مصارعة على التلفزيون، وبعد انتهاء المباراة سيحضر الجمهور".
التوتر يتسلل إلينا، رغم محاولات أحمد زرع الطمأنينة بالنكات لترطيب الأجواء. لكن سرعان ما تلاشت تلك الضحكات حين اكتشفنا الحقيقة: لا أحد… لم يكن هناك أي جمهور!
بعد طول انتظار، وصلنا إلى نتيجة أن الناس تغيّر مزاجها. لم تعد تريد أن تسمع أغاني تذكّرها بالحرب.
ركبنا الباص عائدين إلى بيروت، بشعور من الانكسار وخيبة الأمل. لكن أحمد خلص إلى نتيجة قائلاً: انتهى دورنا. الناس تريد شيئًا آخر، تريد أن تخرج من الحروب، تريد النسيان… وهذا حقها. تلك الحقبة تلاشى فيها جمهور الأغنية "الإنسانية"، وحضرت الأغاني الأكثر فرحًا ورقصًا.
شهد لبنان بعد تلك الفترة صعود الفن "الساهر"، وبرز نجومه مثل راغب علامة، عمرو دياب، جورج وسوف، وكاظم الساهر في بدايات انطلاقته من بيروت أواخر الثمانينات. ودّعنا قعبور، وقال: "يا شباب، خلص… موفقين. لا حفلات بعد اليوم".
لكن مرحلة البهجة لم تطل. سرعان ما اشتعلت حرب بين "الإخوة"، وكان مسرحها مدينة بيروت، بين حركة أمل والاشتراكي والمرابطون. يومها قال قعبور: "لن أغني للذين أذلّوا بيروت".
غابت أغنياتنا عن المسرح لفترة، لكنها سرعان ما عادت مع جيل جديد أحياها، تزامنًا مع الانتفاضة الفلسطينية، ثم صعود نضال المقاومة الوطنية في الجنوب. تلك الفترة كانت فرصة لمراجعة النظرة إلى المجتمع والحركة الفنية عمومًا.
عاد قعبور، إذ اتخذ مسارًا جديدًا في الموسيقى، متجهًا نحو مسرح الدمى للأطفال، وهو ما كان شغفه في البدايات، وقدم مجموعة من الأغاني ذات طابع إنساني:
"شوارع المدينة مش لحدا"، "بدي غني للناس ولاجيء"، وغيرها الكثير.
بقيت هذه الأغاني ضمن إطارها، ولم تُحدث ما كان متوقعًا منها، لكنها شكّلت مدرسة جديدة ومزاجًا مختلفًا.
قعبور مسرحي وكوميدي بامتياز. نذكره في إطلالة أحبّها الكثيرون مع زياد الرحباني في مسرحية "شي فاشل"، بدور الصحفي اليساري من جريدة "السفير". كما برزت روحه الشعبية في أغنيات تلفزيون المستقبل، التي عبّرت عن نبض المدينة الخارجة من المصحّة إلى الحياة: "لعيونك"، "والشغل ماشي".
لكن يبقى ألبوم "أناديكم" أيقونة الأغاني، وظل يلاحق قعبور، ولم يستطع الخروج منه. دخلت هذه الأغنية الوجدان العربي، حتى صارت نشيدًا نعود إليه كلما شعرنا بالحاجة إلى الانتماء، والوحدة، وكلما اعتلانا الغضب.
(عن فايسبوك)




