كريم دكروب: شو فيه ورا هالجبل؟ جُملة غيّرت حياتي!

المدن - ثقافةالأربعاء 2026/04/01
Image-1775025805
دور البومة في مسرحية "بدنا الشمس"، جعل ايمان بكداش تكتشف جانباً جديداً في شخصيته
حجم الخط
مشاركة عبر

كثر الحديث بعد رحيل الفنان أحمد قعبور عن قيمته الكبيرة في مجال الأغنية التي تتطرق لقضايا السياسة والمجتمع والإنسان، لكن من المهم الإضاءة على جانب أساسيٍّ من مسيرته يتعلق بمسرح الأطفال، بدأ مع بداية مسيرته الفنية.


في هذا السياق، يسأل كثيرون عن هذا السرّ الذي يكمن خلف التناغم العضوي بين موسيقى أحمد قعبور وأعمال مسرح الدمى التي أخرجتُها على مدى 33 عاماً. للحقيقة أنه ليس سرّاً، بل هو تاريخ، يعود الى جملةً قالها الأرنب "زنبق" الذي مثّل دوره أحمد قعبور الشاب منذ خمسين عاماً: 
شو فيه ورا هالجبل؟… 
جملةٌ غيّرت حياتي!

 

الجملة في مسرحية "زنبق والجبل"، لفرقة السنابل بإشراف غازي مكداشي وتأليف جماعي شارك فيه أحمد مع حسن ضاهر وعبيدو باشا وغيرهم. تحكي المسرحية قصة أرنب يقف على باب القفص الذي يعيش فيه مع أسرته، ينظر الى البعيد ويسأل جدّه: شو في ورا هالجبل؟ ينهره الجدّ (السجين أيضاً) قائلاً "فوت نام قبل ما يجي القمر وياكلك". لكنّ زنبق يتمسّك بالبحث عن إجابةٍ على سؤاله ويهرب من القفص ليصل بعد مغامرة خطرة ومرهقة الى رأس الجبل ويطلّ على عالم رحبٍ لا ينتهي...

 

شكّلت هذه المسرحية، على بساطتها تحوّلاً مهماً، إذ من النادر جداً أن نرى في العالم العربيّ في تلك الفترة قصةً أو مسرحيةً للأطفال يهربُ بطلُها من أهله الى رحاب الحرّية دون أن ينال عقابه ويتحوّل الى عِبرَةٍ للأطفال المشاهِدين. كل ما أراده "زنبق" هو الخروج عن سلطة أهله وقومه بهدف اللعب والاكتشاف، بشكلٍ يُذكِّر بثورة المراهِق على السلطة الأبويّة لتكوين هويته وبناء تجربته الشخصية المناقضة أحياناً لتجربة الأهل.

 

شغلني هذا السؤال وكنت بعمر ثماني سنوات، فصمّمت على البحث خلف الجبال والاشتغال بالمسرح، عبر أنشطة مع الراحلة مها نعمة في النادي الثقافي العربي، وعبر العمل الميداني خلال الحرب الأهلية وصولاً الى الدراسة الجامعية. تعرفت على أحمد حين كنت طفلاً، وهو يكبرني بـ 14 عاماً، عبّرت له عن اعجابي به وتصميمي على العمل بهذا الخطّ الفنيّ، شجّعني آنذاك كما يشجّع أي طفل طموح. كبرت، وسافرت الى موسكو لدراسة المسرح، ثم توطّدت العلاقة خلال زياراتي الى بيروت، الى أن بدأ مشوار العمل الفني المشترك في مسرحية "الطنبوري" عام 1992 برفقة الفنان الصديق فائق حميصي، ثم في مسرحية "شو صارب كفر منخار" التي لا تزال تعرض حتى الآن منذ عام 1993.

في كلّ أعمالي المسرحيّة كنت أبحث عن هذا الصوت تحديداً، صوت الأرنب زنبق، الطفل المتمرّد الذي يقدّس حريّته قبل أي شيءٍ آخر. وكانت لي تلك الهديّة الثمينة من زنبق نفسه، هديّة لازمتني ثلاثة عقود، وطبعت هويّتي الإبداعيّة. هديّة أحمد التي تمثّلت بتأليفه الموسيقي لمعظم أعمالي المسرحية، ترسّخت يوماً بعد يوم، عملاً بعد عمل، حين كان يصرّ على أداء الأدوار الغنائية في المسرحيات بصوته، وكنّا نختار بعناية تلك الأدوار، الشخصيات التي تعبّر عن تطلعاتنا التي أصبحت مشتركة. مرجان الذي يسأم من حكايات الأطفال ويبحث عن حكاية يصنعها بنفسه، عبد اللطيف أستاذ التاريخ الذي يصرّ على إصلاح العالم الذي يحمله على رأسه، الصوص الذي يبحث عن هويته ويبنيها بمغامراته الخطرة، عنتر الذي يناضل للوصول الى القمر، سلّوم الذي يكتشف إحساس الفرح فيناضل لكسر الجدار الذي يفصله عن الحريّة، وأخيراً يوسف صاحب اليد الخضرا والروح الحرّة.... شخصيات كثيرة بأسماء متنوّعة، باطنها واحد اسمه زنبق يغامر بحثاً عن الحريّة.


في العودة الى مسرحية زنبق والجبل، لا بد من الإشارةِ الى شخصية القمر الذي صوّرَه الأرنب العجوز (جدّ زنبق)، على أنه وحشٌ مخيف يأكل الأرانبَ التي تفكّر بمخالفةِ التعليمات. هذا الآخر المجهول الذي نخاف منه لمجرد أننا لا نعرفه. هو مخيفٌ بقدر ما هو غامض وبقدر ما يعمل الحرّاسُ على بناء صورة مشوّهةٍ له (فوت نام قبل ما يجي القمر وياكلك). لكن لقاء "زنبق" بالقمر قَلَب تلك الصورة، فقد اكتشف أنه لطيف، تؤدي دوره ممثلة أنثى بصوتٍ أمومي (بينما هو مذكّر باللغة العربية)، وهو يساهم بإنارة الطريق بدلاً من افتراس الارانب. هذا القمر رافقَنا فيما بعد في كل أعمال مسرح الدمى اللبناني، إذ لا يخلو أي عملٍ من ظهورٍ للقمر، بأشكالٍ مختلفة وبمناسبات متنوّعة، وكأنه الملاك الحارس، الشاهد على أسس تكوين هذا المشروع الفني الذي دام 33 عاماً حتى اليوم.


مع السنوات نشأ بيننا تيارٌ ابداعيّ فريد، لغةٌ ضمنيّة لا تترجم بالكلمات، إنما بالإشارات وتوارد الأفكار، أطرح عليه فكرة مسرحية فيجري نبعٌ من الأفكار، نحضّر المسرحية سوياً على مدى أشهر، يتدخّل أحمد في النص وتفاصيله وتوجهاته الدرامية والفكرية، وأتدخّل أنا بتفاصيل التسجيل والتوزيع والميكساج. 
ما هو الرابط بين مساهمة أحمد في مسرح الأطفال والسياق الواسع لأعماله الفنية على المستوى الإبداعي والسياسي والإنساني؟

****
أطلق أحمد قعبور أغنيته الأسطورية "أناديكم" عام 1975 في إطار فرقة "الكورس الشعبي".


الكورس الشعبي، فرقة أسسها وقادها غازي مكداشي مع مجموعةٍ من الشباب أمثال أحمد قعبور، عبيدو باشا، حسن ضاهر، أسامة غندور، وغيرهم من أفراد عائلة مكداشي، للمساهمةِ في "النضال" السياسي والاجتماعي عن طريق الفن الغنائي في بدايات الحرب اللبنانية عام 1975، مع عمله التطوّعي في مدرسة "البرّ والإحسان" التي حوّلتها "الحركة الوطنية" الى مركزٍ للأنشطةِ الاجتماعيةِ المدنية. في هذا الإطار، يذكر مكداشي أنه أقنع مديرَ مستشفى "المقاصد" بإقامةِ حفلةٍ للجرحى في الباحة الداخلية للمستشفى، بين غرف الجرحى، فكانت الحفلة الأولى تحدّياً كبيراً، حيث لم يكن أحد يتقبّل هكذا فكرة من قبل. يذكر مكداشي "كيف صار الجرحى يخرجون مع المصل للمشاركة في الحفلة، بعضُهم بكى من شدة التأثر". بعدها انتشرت الفرقة وغنّت في المستشفيات، والمستوصفات والخنادق والمدارس، والمسارح، وفي القرى البعيدة والجامعات. كانت أبرز الأغنيات التي أداها الكورس الشعبي "سجّل أنا عربي" للشاعر محمود درويش، وهناك، غنّى أحمد "أناديكم" للمرة الأولى.


ذكرت إيمان بكداش زوجة أحمد، أنّ أحد الصحافيين سألها عن الشرارة التي جعلتها تقع بحب أحمد، وتوقّع الصحافيّ أن تشير إيمان الى أغنية "أناديكم"، لكنها أجابت بأنّ أداء "أحمد" لدور البومة في مسرحية "بدنا الشمس"، جعلها تكتشف جانباً جديداً في شخصيته، مناقض لصورة "أحمد" الخجول والصَموت، حيث خرجت منه فجأة "هضامة غير متوقعة" حسب تعبير إيمان. 


توطّدت العلاقة بين أحمد (22 عاما) وإيمان (18 عام) عند تسجيلهما الحوار الغنائي التهكمي والطريفِ بين الأرنب "زنبق" و"البومة" في مسرحية زنبق والجبل، والذي يبدأ على الشكل التالي:
"زنبق (أحمد): انتي ليش عيونك متل الطنجرة؟ البومة (إيمان): أنا عيوني متل الطنجرة يللي دينيك متل الأنتين".

بعدها يبدأ حوارٌ غنائيّ طريف بين الشخصيّتين يتجاوز كلَّ الضوابطِ المدرسيةِ التي كانت قائمةً في ذلك الوقت في مسرح الأطفال، حيث يتجرأ المؤلفون على جعل شخصياتهم تسخر من أشكال بعضها البعض وتَكيلُ الانتقادات اللاذعة: "عيونك متل الفحمة سود، كل دَيْنة متل العامود، سنانك متل سنان الفار...". هذا المشهدُ يكسر قواعدَ تُعتبَر غالباً محرّمةً، من قِبَلِ الأهل والمدرسة، في لغة التواصل بين الأطفال، وهنا تكمن حيويته. كما نلاحظ بشكل واضح اعتماد اللهجة البيروتية في تمرّد على اسلوب "اللهجة البيضاء" الذي كان سائداً في المسرح وفي الغناء، وهذا الأمر مقصود، بل فيه موقف سياسي واجتماعي واضح. من الجميل الإشارة الى أنّ أصدقاء أحمد وإيمان من أعضاء الفرقة بثّوا خلال زفافهما تسجيلاً للحوار الغنائيّ المذكور.


يبرز السؤال هنا، ما هو الرابط بين "أناديكم" و"زنبق"، بين الكورس الشعبي وفرقة السنابل؟

في العام 1977 بدأ غازي مكداشي يشعر بأنه يعمل لغايات حزبية و"لإحياء مناسبات حزبية بدل العمل النضالي الذي كنا نحلم به". في ذروة النجاح، وفور انتهاء حفلة مهمة في الجامعة الأميركية (عزف فيها زياد الرحباني على البيانو)، جمع مكداشي "الشباب" في بيته ليقول لهم: "ما بقى فيني طيق الكبار"! "علينا أن نتجه للعمل الفني للأطفال"! استغرب الجميع هذه الفكرة واستنكروها كونهم لا يملكون أيَّ تصورٍ عن العمل مع الأطفال. فقال لهم: "منتعلّم". هكذا ولدت فرقة السنابل، كمشروع فني ذو طابع نضالي سياسي بديل عن الأغنية السياسية المباشرة. 


سألت أحمد يوماً عن رأيه في هذا "النزوح" من الأغنية السياسية المباشرة الى مسرح الأطفال، ففسّر ذلك بأسباب أربعة:
القرف من سطوة الأحزاب، والابتعاد عن المباشرة أو بتعبير قعبور "الفصل الموضوعي بين العمل المباشر والعالم الرحب".

 

اختلال الرؤية السياسية: فالمشروعُ السياسيّ (تبعاً لأحمد) كان واضحاً خلال حرب السنتين (1975 – 1977)، حيث نشط "الكورس الشعبي"، وبالتالي فإنّ الخطاب كان واضحاً. بعد حرب السنتين ودخول الجيش السوري بدأ المشروع يتفرع ويتشعب ويتحول الى صراعات داخلية و"تناتش" مصالح بين الأحزاب والزواريب. 


"التخفيف من وطأة الأيديولوجيا": خاصةً وأنّ الأيديولوجيا كانت قد بدأت تُفجِّر الفرقة من الداخل، تماماً كما بدأت تتفجر الصراعاتُ داخل المناطق التي كانت تسيطر عليها الحركة الوطنية.

الانكفاء الى العائلة، حيث ضاق مكداشي وأعضاء الفرقة (منهم أحمد) ذرعاً من المؤسسات الكبرى التي بدأت تنهار، والقضايا الكبرى لم يعد لها قيمة أمام القضيّة الإنسانية الأسمى، المتمثلة باستمرارية الحياة، فانكفأوا الى العائلة، المؤسسة الأصغر، والأكثر قدرةً على التكيّف مع التحوّلات الكبرى. ومن خلال العائلة قامت التجربة الجديدة.

 

قدّمت فرقة السنابل عروضاً على مدى سنوات حتى بداية التسعينيات، في المستشفيات والمخيمات وأماكن النزوح والتجمعات الشعبية. أخبرني أحمد عن عرض في منطقة "سوق الغرب" بدعوة مدفوعة من أب مقتدر لإحياء عيد ميلاد ابنه. كانت المرة الأولى التي لا يهيّص فيها الأطفال المتفرجون عندما "حررنا الشمس". لم يتحرك أحد من الأطفال، مما دلّ على أهمية التوجه السياسي الاجتماعي والطبقي لمضمون المسرحية. 


دخل أحمد مع غازي والآخرين في المشروع الجديد البديل، لكنه تابع في الوقت ذاته مشروعه الشخصيّ للأغنية السياسية، وواجه كباقي أعضاء الكورس الشعبي محاولات لاحتوائه ووضعه تحت جناح المؤسسات الحزبية التي كانت تتصرف بأسلوب سلطويّ وكأنها تقترب من استلام السلطة!


لم ينتسب أحمد يوماً الى الحزب الشيوعي كما يعتقد البعض، بل كان خارج الحزب وقد دفع ثمناً لخياره هذا. 
كان يناضل في مراحل شبابه الأولى من خلال منظمة العمل الشيوعي وكان اسمه الحركيّ "ارنستو"، ثم أكمل مشواره الفنيّ بعيداً عن تلك التصنيفات. كان يشكو التهميش من قبل الحزب ومؤسساته الثقافية والاعلامية خلال السبعينيات والحديث هنا يطول. الى أن نشأت اذاعة صوت الشعب في الثمانينيات، فأعطته وأعطاها. وقد لا نبالغ إذا قلنا إنه أعطاها أكثر مما أعطته. حتى اضطرّ للنزوح الى تلفزيون المستقبل في بداية التسعينيات.


كان متمايزاً وتعرض للكثير من الانتقادات والمضايقات، لكن بوصلته الأساسية كانت فلسطين.

أحمد (أو زنبق)، خرج من كل سجونه، خرج من الأحزاب الى الفضاء الرحب، خرج ليرفع صوته عالياً، أعلى من سقوف النضال المعتمدة، خرج نحو الذات، نحو الانسان في تفاصيل حياته اليومية، في قضاياه البسيطة التي هي أعمق من الشعارات الكبرى...
كيف كان يعيش أحمد الإنسان هذه التجربة، وكيف أخرج هذا الطفل في داخله وتفاعل مع مسرح الدمى اللبناني؟


(*) مدونة نشرها المسرحي كريم دكروب في فايسبوكه
 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث