كانت منطقة الشرق الأوسط في حالة غليان وحروب في آذار 2026، عندما وطأت قدماه "التراب السوري" من جديد بعد غياب طويل. فهو، كمبشر أميركي، كان قد شهد ويلات حرب 1860 في المناطق الجبلية البعيدة من بيروت، وشارك في أعمال الإغاثة ومساعدة النازحين والأرامل واليتامى. كانت المنطقة بحاجة ماسة للعلم ونشر ثقافة الوعي والمحبة والإيمان. فقرر لاحقاً مع مجموعة من المبشرين الانجيليين تأسيس مدرسة في عبيه كخطوة أولى. ثم كُلف بجمع الأموال من حول العالم لتأسيس كلية في رأس بيروت على أرض تخضع للسلطنة العثمانية.
في صبيحة ذاك النهار، ظهر فجأة على صهوة جواده الأبيض في شارع بلس، والحرب في المنطقة مستعرة وتهدد السلام ودول الخليج ومنابع النفط والغاز، بين دولة اسمها اسرائيل ومعها أميركا، ضد إيران التي تمكنت من اغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي، والتسبب بأزمة طاقة عالمية. فهم ذلك كله من أحاديث الناس على الرصيف، ومن صندوق مضاء يصدر أصواتاً، ويبث صوراً من مناطق الحرب والقصف والغارات!
من صهوة حصانه الأبيض، رأى الأشجار الخضراء الوارفة، ولو من بعد، فتنفس الصعداء. أحس بضيق في صدره كما لو أن الشارع من حوله سينهار في أي لحظة. "على الأقل بقي الحرم صامداً وسط غابة الأبنية الشاهقة التي تكاد تحجب زرقة السماء ونور الشمس". صدمه المشهد والزحام من حوله.
سيارات كثيرة أشكالها غريبة، ودراجات منظرها وتكوينها أغرب، وأصوات أبواق وبشر كثر يتحدثون بأصوات مرتفعة؛ يمشون بسرعة فوضوية. تذكر يوم قرر ورفاقه المبشرون، ذبح خاروف وتقطيعه الى أربعة أجزاء تركوها في مناطق متباعدة من رأس بيروت. عادوا بعد أيام، فلم يجدوا إلا قطعة واحدة في المكان الذي قرروا فيه لاحقاً بناء كليتهم على قطعة أرض مرتفعة، ملئية بالصبير والأشجار، وتطل على البحر والمدينة قرب المرفأ.
سأل نفسه: "هل هذه رأس بيروت التي عرفتها؟ أين أشجار الصبير، والخضرة، والتربة الحمراء، والبيوت القرميدية؟ أين الهواء العليل، وزرقة البحر؟ أين اختفى الهدوء، وما هذا الضجيج وخليط الأصوات الذي يكاد يثقب أذنيّ؟".
حتى فرسه المطيع بدا متوتراً متردداً. بالكاد كان الفرس يخطو ببطء الى الأمام نحو الجامعة الأميركية في بيروت. يجفل أحياناً لمرور دراجة نارية أمامه بسرعة وتهور، ويستغرب القس الأشيب السلوك المشين. يكاد يلعن، فيلجم غضبه، ويلجم حصانه، وهو يتلفت بعصبية، يميناً ويساراً، غير مستوعب العالم والمشاهد من حوله كأنه في كوكب آخر.
انحرف يساراً، فبدا أمامه الشارع الطويل كنفق متناقض بين جهة اليسار واليمين. بدت الى يمينه الأبنية القديمة للجامعة بأسطحها القرميدية. ظهر مبنى الكنيسة (الأسمبلي هول)، العزيز على قلبه، حيث كانت تقام القداديس والصلوات بحضور الطلاب والأساتذة. غار قلبه، حين استعاد ذاك الاجتماع العاصف داخل القاعة بين المحافظين والتجديديين بعد إضراب طلاب صف الطب، وأزمة تدريس نظرية داروين. "كم كنت على صواب في وقوفي مع المحافظين؟ مسكين الدكتور فاندايك، كان عاطفياً ومتعاطفاً مع السكان المحليين أكثر من اللزوم. كان قلبي معه وعقلي ضده".
الرصيف الى جهة اليمين، بدا شبه خال سوى من بضعة شبان وصبايا يدخنون، يضعون قطعة معدنية في الأذن، ويتحدثون مع أنفسهم! يضحكون، يتوترون، يتحدثون مع تلك الأجهزة بحجم كف اليد، كما لو أن شبحاً يقيم داخل تلك الأجهزة! "أين أنا؟ هل وصل التطور العلمي الى هذه الدرجة؟".
كلما عبر القس الأميركي على فرسه أمام مقهى أو محل على الرصيف المكتظ الى يسار الشارع، كان المارة يتلفتون صوبه، ويشيرون بأيديهم نحوه كأنه آت من سيرك. يضحكون، ويتهامسون، ويلتقطون له الصور ويلتقطون صور "السلفي" قرب حصانه الأبيض. شعر أن هؤلاء الشبان والصبايا هم طلاب الكلية المقابلة خلف السور الحديدي والأشجار الوارفة. عليه أن يستوعب الزمن ليفهم أكثر. عليه أن ينصت أكثر لأحاديثم، ولو تضمنت الكثير من الشتائم والعبارات المعيبة في زمنه.
بدت أشكالهم وثيابهم مختلفة وغريبة بالنسبة له وللزمن الذي عاش فيه في رأس بيروت. في أيامه، كانت الناس، خاصة النساء، يرتدين ثياباً محتشمة، وكان اللون الأسود والألوان الداكنة هي السائدة. لفته تنافر وكثرة ألوان الملابس التي لم تعد فضفاضة، بل ملتصقة أشد الالتصاق بالأجساد. بدت من تحتها النهود ومؤخرات الصبايا كأنهن عاريات، وبانت بطونهن الملساء... كان عليه أن يغض الطرف، وينظر الى الرصيف الآخر جهة اليمين، حيث الأشجار الوارفة المتمايلة مع الريح كما لو أنه في زمن متمايل يتحرك ويرقص على موسيقى القبائل.
أدرك القس، صاحب الرؤية والثقافة الواسعة، أنه وسط هوة زمنية منذ حطّت رحاله ورفاقه هنا في رأس بيروت التي كانت تضج باصوات "الواوية" خلال الليل. وفهم أن كل المحال والمطاعم والمقاهي على طول الرصيف الشمالي من الشارع، قد نبتت وتكاثرت وتنافست بفضل الجامعة ومشروعها وطلابها الى أقصى اليمين خلف السور الحديدي الأسود. مطاعم ومقاه كانت تقدم شتى المأكولات والسندويشات والحلوى، ما عدا المشروبات الروحية! "ممتاز"، أعجبه الأمر. الطلاب إما جلسوا على الطاولات يحتسون القهوة الأميركية ويتسامرون، أو كانوا ينتظرون دورهم للحصول على ساندويش أو منقوشة زعتر "ع الواقف"، (عرف ذلك من رائحة الزعتر).
"أين اختفى الترامواي والسكة الحديد؟ وأين ذاك الشاب البيروتي الذي كان يبيع الكعك الطازج أمام رصيف الكلية؟
وما هذا السيارات والأشياء الصغيرة المتحركة التي تصدر أصواتاً مزعجة وتلوث الهواء من الخلف. وما هذا الصراخ؟ لماذا يتحدث الناس هنا بأصوات مرتفعة؟"
أخيراً، رأى يافطة كتب عليها اسم عائلته: "بلِس دور"، ففهم أن الشارع صار يحمل اسمه. توقف أمامه ليتابع الحركة في الدكان: زبائن يطلبون القهوة والنسكافيه من ماكينة يعمل عليها موظف مبتسم، لطيف والكل يناديه باسم مصطفى. داخل الدكان كل شيء مرتباً على الرفوف وداخل خزائن زجاجية تبقي القناني في داخلها باردة. رأى أن الناس صارت تدخن كثيراً، وتشتم أكثر، وتتحدث في السياسة بطريقة سوقية هجومية تفتقد احترام الرأي الآخر. وفهم أن حرباً تدور في جنوب البلاد وفي الشرق الأوسط كله، بين أميركا التي جاء منها مبشراً، ومعها دولة اسمها اسرائيل من جهة، وإيران ومعها حلفائها من جهة أخرى، حول السيطرة والنفط والغاز. سمع الكثير من التحليلات حول إغلاق "هرمز"، والكثير من الشتائم طاول الرئيس الأميركي ترامب، تلتها شتائم طاولت إيران وجرّها البلد الى حرب شبه عالمية. يقولون إن الجامعة مهددة؟! مَن يهدد جامعة، أي جامعة؟ بل مَن هو الجاهل المَعمي بجهله الذي يهدد الجامعة الأميركية في بيروت؟ ولماذ؟!!
"ترى من يكون ترامب؟ وإيران؟ وماذا حل بالسلطنة العثمانية والترك (رجل المنطقة المريض؟)"، سأل نفسه قبل أن يقرر الانتقال إلى الجهة المقابلة ويدخل الكلية عبر البوابة الرئيسية التي يعرفها جيداً. رغم دهشتهم للمشهد، إلا أن الحرس ورجال الأمن لم يحاولوا منعه من الدخول على صهوة جواد أبيض. ربما بسبب تجمهر الطلاب والطالبات حوله والتقاط الصور، معتقدين أن الأمر له علاقة بحفلة أو مناسبة ما في الجامعة.
هبط وفرسه على الدرج العريض ليصل الى الساحة الفاصلة بين البوابة الرئيسة ومبنى "الكولدج هول" الغالي على قلبه. الى يمينه، رأى الأسمبلي هول، والى يساره، خلف الأشجار، عرف أن الطريق تؤدي الى منزله القديم أيام التأسيس الأولى. غمرته الفرحة والغبطة لرؤية الحرم يعج بالطلاب والطالبات من كل الجنسيات، ولنمو الأشجار الضخمة التي زرعها والأساتذة والطلاب منذ عشرات السنين.
رؤية الحرم مليئاً بالخضرة والأزهار أثلجت قلبه. لم يزعجه تجمهر الطلاب حوله وعدم توقفهم عن التقاط الصور كأنه مخلوق فضائي. أدرك القس الطاعن في السن، صاحب الشعر الأبيض والنظرات الجدية، أن ثيابه السوداء وركوبه الخيل بدا أمراً مستغرباً في هذا الزمن الذي حل فيه. شعر بالطمأنينة لوجوده في حرم الكلية التي شارك في تأسيسها وكان أول رئيس لها. قرأ في لوحة رخامية مثبتة على حائط بناء "الكولدج هول": 1873.
الى اليسار، ينتصب تمثال رخامي أبيض بطول أمتار، يشبهه تماماً. ترجل عن صهوة فرسه الأبيض، واقترب من قاعدة التمثال ليقرأ اللوحة المثبتة على القاعدة:
"دانيال بلس، دكتور في اللاهوت، الرئيس الأول للمدرسة الكلية السورية الانجيلية، 1863 – 1903
أقام هذا التمثال تلامذة المقيمون في مصر والسودان، 1904.
عادت به الذاكرة الى طفولته الفقيرة والمحرومة في فيرمونت-جورجيا، حيث اضطر لترك مدرسة "أمهرست" باكراً لضيق الحال والعمل في تقطيع الحطب. ودرس اللاهوت في "أندوفر" حيث عمل في حلب البقر وجمع حطب التدفئة للطلاب كي يجني مصروفه ويدفع تكاليف دراسته. واستعاد تلك الليالي العاصفة والخطرة على متن السفينة الشراعية "سلطانة"، التي اعتبرها القبطان من أخطر الرحلات التي قام بها. تذكر كيف تسربت مياه البحر الى غرفته وزوجته فتبللت ثيابهم وحاجياتهم. تذكر البدايات في عبيه، ورحلاته الى الولايات المتحدة وبريطانيا لجمع الأموال لتأسيس الجامعة التي افتتحت بشكل رسمي العام 1866 "لتكن لهم حياة، ولتكن حياة أفضل".
يقف تمثال دانيال بلس شامخاً أمام مدخل "الكولدج هول" في الجامعة الأميركية في بيروت، وعلى الحائط المقابل، ثبتت لائحة بأهم المتبرعين الكبار للجامعة.
تبسم بلس وهو يمتطي جواده ليكمل رحلته. لقد جمع الأموال من أنحاء المملكة المتحدة، وبعضها من وطنه الأم الغارق وقتها في حرب أهلية.
"يتغير الزمن... وتستمر الحروب".
