شمس كامو وظلال الغريب: عمى الجماعة في عبثية الحرب

علي سفرالثلاثاء 2026/03/31
ألبير-كامي.jpg
نحن لا نشاهد عبث ميرسو، بل نختبره بأشكال مختلفة كل يوم.
حجم الخط
مشاركة عبر

رغم أن فيلم فرانسوا أوزون الذي يجسد رواية "الغريب"، يستحق أن تفرد له مقالة نقدية خاصة، إلا أن الموضوع الذي تستدعيه المشاهدة، وفي تقاطعها مع الزمان والمكان، تأخذنا إلى عتبة تتصل بكل الفنون وليس فقط الفن السابع، فنحن هنا أمام واحد من أكبر الأسئلة التي طرحتها البشرية على نفسها، ومازالت إلى هذه اللحظة تترنح من دون العثور على جواب لها.


ما يقدمه أوزون في معالجته ليس قراءة جديدة لرواية قديمة، بل إعادة وضعها في زمننا، حيث لم يعد العبث سؤالاً فلسفياً مجرداً، بل تجربة يومية نعيشها ونحن نشاهد العالم يتفكك من دون أن نجد دائماً تفسيراً مقنعاً لما يحدث. الكاميرا هنا لا تعيد سرد الحكاية، بل تعيد تشكيل إحساسنا بها، وكأن ميرسو لم يعد شخصاً بعينه، بل حالة تتكرر في أكثر من مكان وزمان.

Image-1768292976
"غريب" فرانسوا أوزون

السؤال هنا يتمحور حول معنى الوجود الإنساني في عالم يبدو بلا معنى، ورغم أن عشرات الأعمال الأدبية والفنية حامت حوله خلال مئات السنين، إلا أننا نجد أنفسنا في كل مرة أمام ما يدفعنا إلى تكراره، والذهاب إلى أعمق طبقات التفكير في ما يحصل حولنا! القصة لا تتعلق فقط بالحرب التي تعصر أيامنا وتجعلها جافة بلا أمل، بل تتصل بحقيقة أن ثمة من يدفعنا دفعاً نحو السقوط في هاوية اللا معنى!


قصة ميرسو في رواية "الغريب" بسيطة وتجد ما يشبهها في الحياة، إنها حكاية الإنسان الذي يتصرف على سجيته بلا روادع، فتأخذه المصادفة إلى ارتكاب جريمة، وبدلاً من أن يحاسب على ما صنعته يداه، يتهم بمخالفة الطبيعة وفق تعريف الآخرين لها. ومن موقعه في قفص الاتهام، تلوح الأسئلة للقارئ والمشاهد وربما المستمع على حدا سواء: هل للحياة معنى حقيقي، أم أن الإنسان يعيش في عالم عبثي، وعليه أن يخلق معناه بنفسه؟ ومن هذا السؤال المركزي تتفرع أسئلة أخرى: هل يجب أن نحزن ونحب ونندم وفق ما يتوقعه المجتمع منا حتى نكون "بشراً طبيعيين"؟ وهل نتصرف وفق الأخلاق التي تنبع من فطرتنا الإنسانية أم من تلك المفروضة علينا اجتماعياً؟ هل يُدان ميرسو فعلياً، بسبب جريمته، أم بسبب عدم امتثاله لمشاعر الآخرين؟ وصولاً إلى الأسئلة الأشد عمقاً: هل الوعي بعبثية الحياة يقود إلى اليأس، أم إلى نوع من الحرية؟ هل غياب المعنى عن هذه الحياة يجعلنا صادقين وبلا أوهام؟ أم أنه يقودنا إلى العدم؟


في الفيلم، لا تبدو الكاميرا منحازة أو غاضبة، بل باردة، مراقبة، تترك الأحداث تنكشف كما لو أنها تحدث للمرة الأولى. هذه البرودة ليست خياراً جمالياً فحسب، بل تكاد تشبه هذا العالم الذي يراقب مآسيه دون أن يتدخل، يراكم الوقائع دون أن يمنحها معنى. ما نراه على الشاشة ليس فقط ميرسو، بل طريقة في النظر إلى العالم تتكرر خارجها.


كل هذا الحمل الثقيل من البحث عن الأجوبة يصنعه فرانسوا أوزون من خلال إعادة تشكيل لوحة "الغريب" الذي هو نحن في لحظة ما! غير أنه يتجاوز الحيثيات التبسيطية التي نجبر عليها حين نتماهى مع أي شخصية متخيلة تعيش عبثها، أننا نواجه كل يوم مصيبتنا العبثية الخاصة! الحرب عنوان أساسي في ما يجعلنا مرضى هذه الأيام، لا سيما حين نشهد الغوغائية تصوغ مرحلتها في تأييد هذا الفتك واعتباره انتصاراً، كما أن صحتنا العقلية تتراجع ونحن نرى الجموع تحتشد لتدافع عن رغبتها في إقصاء أي مخالفين لما تراه أنه النموذج الأفضل للحياة.


وإذا كانت الشمس في رواية كامو قد لعبت دورها في دفع ميرسو نحو لحظة القتل، فإن شمس هذا الزمن أكثر قسوة؛ إنها لا تعمي فرداً واحداً، بل تعمي جموعاً كاملة وهي تعيد إنتاج العنف وتبريره، كأن العمى لم يعد حالة طارئة، بل شرطاً للاستمرار في هذا العالم.

Image-1768293125

هنا، لا نستطيع أن نتماهى مع ميرسو حين علقت عيناه بأشعة الشمس فلم يعرف إن كانت رصاصاته قد انطلقت لتقتل الجزائري، أم أنها قتلته بذاته، لأننا ندرك أن اللحظة بذاته قاتلة، وأنك لن تستطيع مواصلة العيش إن لم تواجه هذا الاجتياح الهمجي لكل ما هو عقلاني في الحياة.


في مسرحية "حلم العقل" التي كتبها أنطونيو بويرو باييخو، ليروي اللحظات الأخيرة من حياة العبقري فرانشيسكو غويا، ثمة مونولوج طويل يتحدث فيه الرسام لصديقه أرييتا، عما تفعله الحرب، عما تصنعه الجموع في سياق معاداتها لمن ترى أنه يخون مبادئها، لنجد أن هذا العنوان العريض للعبث يبدأ من خارج الإنسان ثم يتسرب إلى داخله فلا يجد سبيلاً للخروج إلا في الموت. وعلى الإيقاع ذاته يناقش بطل رواية "الغريب"، القس الذي جاء ليعيده إلى حضن الإله، فيمتنع عن قبول أي عظة طالما أنها لا تجيب على الأسئلة الصعبة، وتكتفي بدلاً من ذلك بالإحالة إلى العقيدة.


في هذا المعنى، لا يعود ميرسو مجرد متهم في قاعة محكمة، بل يصبح نموذجاً يتكرر: ليس لأنه ارتكب جريمة، بل لأنه لم يتقن تمثيل الشعور كما يريده الآخرون. وهو ما نراه اليوم أيضاً، حيث لا يُسأل الإنسان عما حدث، بل عن مدى توافق رد فعله مع القالب الجماعي المقبول. لا ينجو الإنسان في وقتنا الراهن -كما حدث في كل الأوقات من هذا الانسحاق أمام غلبة اللا عقل- ومع كل هزيمة يتكشف المشهد عن أثر تملك السلطة لأدواتها في تدمير الأحلام اليانعة.


في النهاية، لا يبدو أن السؤال قد اقترب من جوابه، بقدر ما اقترب منا، نحن لا نشاهد عبث ميرسو، بل نختبره بأشكال مختلفة كل يوم. وما بين عالم يزداد برودة، وإنسان يبحث عن معنى يتآكل باستمرار، تتكشف الحقيقة الأقسى...أن النجاة لا تتحقق بفهم العبث، بل بالقدرة على النظر إليه من دون أن نصبح جزءاً منه.

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث