صدرت مؤخراً، عن "منشورات المتوسط – إيطاليا"، رواية للكاتب الألماني من أصل عراقي، عباس خضر بعنوان "مزوِّر الذكريات"، وترجمها عن الألمانية المترجم سمير جريس.
هي روايةٌ عن سعيد، لاجئ وكاتب عراقيّ في ألمانيا، يكتشف أنّ الحقيقة حين تثقُل، تحتاج إلى حيلةِ السرد لتُحتمَل. بعد أعوامٍ من الأعمال الهامشيّة والفقر، يبدأ سعيد بإعادة تركيب ماضيه: الأمٌّ التي لا تخلع سوادَها، البيتٌ الذي لم يغادر الحيَّ، جوازُ السفرٍ الذي لا يفارق الجيب. يعبر مسافات، ويتعلّم لغةً تفتح له أبواباً وتُغلق أخرى. كلُّ صفحةٍ محاولةٌ لتدبير ذاكرةٍ جديدة، تُجاور الوثيقةَ ولا تطابقها، وتختبر حدودَ الاختلاقِ حين تصبح النجاةُ فعلَ كتابة. هنا، المنفى ليس جغرافيا فحسب، بل سؤالُ هويةٍ ولغةٍ وبيتٍ؛ والسلطاتُ وجهازُ الأمن مجرّد ظلال على الحافة. يكتب سعيدٌ ليحمي أمَّه من قسوة الذاكرة، وليقايضَ الوقائعَ بسرد يمنحها معنى، ولينجو من صورة الضحيّة دون أن يتنكّر لأثرها؛ فتصيرُ الحكاية بيتاً مؤقّتاً، وتغدو الكلمةُ جوازَ عبور إلى حياة ممكنة، وبهذا كله تُضيء الروايةُ هشاشةَ ما نتذكّر، وتُصغي لنبضِ ما نصنعه لنعيش. باختصار هذه روايةٌ عن شجاعة التأليف: هل ننجو بما حدث فعلاً، أم بما نحكيه لأنفسنا كي نستمرّ؟
من الرواية:
ذكرياته ليست سوى أحداث غير مكتملة، رسوم تخطيطية غير دقيقة لمكان، وأشكال مخفية، ووجوه محجوبة، وكلّها أجزاء من لغز كبير، لا بدّ من جمعها معاً إذا أراد المرء أن يتذكّر. أجزاء عديدة لم تعد موجودة منذ فترة طويلة. لقد اختفت عبر ثقب في الذاكرة، ولا يمكن العثور عليها. إنه يحتاج إلى موهبة التخيّل حتّى يستطيع العثور عليها، وهي موهبة أنعم القَدَر بها عليه. بهذه الطريقة وحدها يستطيع تسجيل حدث منطقي، وسرد حكاية مكتملة، وعليه اختراع ذكريات.
الكاتب:
عبّاس خضر، وُلد في بغداد العام 1973، واعتُقل في عمر التاسعة عشرة بسبب نشاطه السياسي. وبعد الإفراج عنه هرب من العراق، وأقام في بلاد عديدة، وهو مقيم منذ العام 2000 في ألمانيا، حيث درس الآداب والفلسفة في ميونخ وبوتسدام. نشر باكورة رواياته بالألمانية العام 2008 م تحت عنوان "الهندي المزيّف"، وأعقبتها روايات عديدة: "برتقالات الرئيس" (2011)، "رسائل من جمهورية الباذنجان" (2013)، "الصفعة" (2016)، "قصر البؤساء" (2020)، وصدرت روايته "مزوّر الذكريات" العام 2022.
حصل خضر على جائزة "نيلي زاكس"، و"هيلده دومين"، و"أدلبرت فون شاميسو"، ومؤخراً حصل على جائزة برلين للأدب 2025 (Berliner Literaturpreis 2025)، وهي من أبرز الجوائز الأدبية في ألمانيا، وتُمنَح للأصوات التي أسهمت إسهاماً بارزاً في تطوير الأدب الألماني المعاصر.
المترجم:
درس سمير جريس الألمانية وآدابها وعلم الترجمة في جامعتَي عين شمس والقاهرة، ثمّ في جامعة ماينتس بألمانيا. ترجم عن الألمانية نحو خمسين عملاً من الأعمال الأدبية الحديثة، منها: "سدهارتا" لهِرمان هسه، و"الكونترباص" لباتريك زوسكيند، و"دون جوان" لبيتر هاندكه، و"شتيلر" لماكس فريش. وألَّف كتاباً عن الأديب الألماني غونتر جراس بعنوان "غونتر غراس ومواجهة ماضٍ لا يمضي".
حصل على جوائز عربية وألمانية عديدة، تقديراً لترجماته.
