من المثير للاستغراب أن تتحوّل أجساد النساء إلى جبهة مشتعلة، جبهة من نمط آخر تلوكها ألسنة البذاءة والانحطاط من كل حدب وصوب. فأن تنخرط مجموعة ضخمة من الألسنة في جبهة موحدة متراصة شديدة المتانة والبنيان، ضد أجساد الصحافيات وغيرهن من ناشطات صفحات التواصل الاجتماعي، بسبب مخالفتهن لسياسة الممانعة وجرّ البلاد إلى حروب العبث والأخذ بالثأر، فإن الأمر عندئذ يغري المرء بالتأمل والقراءة ومتابعة خفايا هذه الألسن إلى آخر الشوط.
فأن تتحوّل أجساد النساء إلى ساحات معارك حامية الوطيس حيث التعرّض شبه اليومي لهذه الأجساد عبر صليات الكلام المشين وكمائن انحطاط التعابير وصولاً إلى خنادق البذاءة فإن الأمر يستدعي أن يحاول المرء الولوج إلى كهوف ناس هذه الألسن والعمل قدر المستطاع على تقصّي خلفياتها والتمعّن في الترسبات الذهنية العفنة التي استدعت كل هذا القصف البذيء وكل هذا القرف المنتشر.
لقد عوّدتنا جماعة الممانعة أن الرفعة والتفاخر والزهو بالنفس هي بوصلة فعلها وقولها وجملة حروبها فما هو من ثم ذلك التفاخر الذي يسوق هؤلاء لأن يحوّلوا أجساد النساء إلى مجرّد استعارات تشي بكل ضروب العدوان بل وبكل ضروب الجريمة؟!! يكاد الواحد من هؤلاء أن يقول لهذه التي تخالفه الرأي أو تلك أن جسدك يا أيتها ال... هو عبارة عن عبوة ناسفة وكل ما عليّ فعله هو تفكيك هذه العبوة عبر لساني الذي يطفح بكل ما يسيء إليك.
إن اللسان البشري بعامة هو في بعض منطوقاته ربيب ماض شديد الوطأة والحضور وليس ترك جماح اللسان ينطق بكل ضروب البذاءة في لحظة بعينها إلا تعبيراً عن الحاضر المأزوم لهذه اللحظة. إن التنفيس عن مكبوتات "بدّا حلم الله" عبر تشريع اللسان لنفسه أن يستبيح أجساد النساء عبر تصويرات جنسية فاقعة الغرابة والجنون ينطوي – هذا التشريع – على سعي في غير محله إلى الهيبة والرجولة وتكريس مفاهيم خاصة للعنفوان والعزة والكرامة. يبدو أن رحلة السعي إلى الهيبة بشكل خاص تسوق هذا الساعي التعيس (أو المْرِتّ) إلى أصناف متنوعة من الألسن وعلى رأس هذه الأصناف ذلك الصنف الذي يتفنن بكيل الشتائم وتسفيه أجساد النساء ولا سيما أجساد تلك اللواتي قد يقع بهنّ الظن إنهن ضد ذلك السعي إلى تلك الهيبة الرجراجة.
ربما تلك الراجمات التي تجهد بغية الحطّ من شأن النساء عبر إطلاقها تلك الشتائم الصاروخية تدغدغ ما يتجاوز الأسباب المباشرة لذلك الإطلاق. فالتاريخ الفردي أو الجماعي ليس بالمادة الخام طبعاً وجلّ الكلمات التي ينطقها ناس هذا العالم بالإجمال تقتات بالأصل على تاريخهم الفردي أو الجماعي، الواقعي أو المتخيّل، المحذوف أو المُتشبّث به فضلاً عن أنماط أخرى من التواريخ لا تسعفني الحيلة في هذا المقام للاستطراد حيالها. إن الكلمات هي في بعض مضامينها مفاتيح الماضي ورغبة الحاضر وآداة النظر إلى المستقبل، وليست ألسنة جماعة الممانعة من المختصين بقصف النساء عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلا مسيّرات تقذف بكلمات حاضرهم المزعزع ومستقبلهم المجهول وماضيهم المجيد كما قد رتّبوا هم المجد داخل دهاليز أذهانهم وأنفاقها. لست أدري، ربما هنالك من يرى أن أيام هذه الألسن كما نتابعها على وسائل التواصل الاجتماعي هي بدورها أيام مجيدة من أيام المقاومة.
على الرغم من فحولة تلك الألسنة وشدة انتصابها وبأسها تراني محلّ إعجاب شديد بلا مبالاة تلك الصحافيات ومقدمات البرامج والناشطات الفيسبوكيّات بكل تلك الزفرة النتنة وكأني بتلك النساء قد أدركن أن مقذوفات تلك الألسن هي مجرد "فافوش" بخس في سوق البذاءة الشاسعة، كأني بهن قد وعَيْن أن عدة تلك الألسنة لا تتجاوز أن تكون مجرد ذخائر بالية داخل أنفاق أذهان صدئة. يبدو أن تلك النساء على يقين تام أن لأجسادهن تلك القدرة الهائلة على الإضاءة على ترسبات العفونة التي تداخل أحشاء بعض أصناف الرجال حيث ذلك "الدكر الفحل" الذي يقوم وجوده اليوم في العالم على محض لسان طويل يمدّ جبهة البذاءة والانحطاط بكل أنواع الصواريخ والرشقات القذرة. يبدو أن التاريخ لن يكفّ عن تذكيرنا أن حاجة بعض المجتمعات للحطّ من شأن النساء المخالفات في الرأي تتزايد كلما أرادت هذه المجتمعات أن تعظّم أو تبخس نمطاً معيناً من العلاقات مع الذات ومع الآخر.
تحت عنوان "اللعب والحرب" يخبرنا المؤرخ الهولندي يوهان كوتسينغا في كتابه "ديناميكية اللعب" أن رجال بعض القبائل البدائية كانوا يعمدون لدى اضطرارهم إلى مجابهة النساء إلى حفر حُفر تضمهم حتى حدود الخصر استخفافاً منهم بالنساء بعامة. وعلى الرغم من أن المعركة غالباً ما كانت تنتهي بالإجهاز على هؤلاء الرجال فإن تأصّل هذه العادة في تلك المجتمعات حال دون إلغائها.
يبدو أن رجال جبهة البذاءة والانحطاط قد ارتضوا بدورهم المكوث داخل حفرهم الخاصة لدى تصدّيهم للنساء إنما إذا كانت حُفر أولئك البدائيين قد سمحت للجزء الأعلى من أجسادهم بالظهور فإن حُفر جبهة البذاءة تراها قد طمرت كل قامات رجالها عبر وابل بذاءاتها.
