سمير صنبر يقصّ حكايات راس بيروت

سلمان زين الدينالأحد 2026/03/29
Image-1774773832
مجموعة قصصية رشيقة، تجاور بين الجدية والسخرية
حجم الخط
مشاركة عبر

منذ نيّفٍ ونصف قرن، أصدر سمير صنبر مجموعته القَصَصِيّة "ناس من راس بيروت"، في طبعتها الأولى، واتّخذ من تلك المنطقة عالمًا مرجعيًّا، ينطلق منه ويحيل إليه، فنتعرّف معه إلى شخوص من ذلك العالم، ومسارات سلكوها، ومصائر آلوا إليها. اليوم يُصدر صنبر المجموعة نفسها، في طبعتها الثانية، عن دار نلسن في بيروت، مصدّرًا إيّاها بمقدّمة جديدة، يشير فيها إلى احتضان راس بيروت الثقافة والسياسة والصحافة والاقتصاد والاجتماع، وهي الحقول المعرفية التي يمتح منها شخوصه وحكاياتهم، ويدخلهم في مختبره القَصَصي، ويجعلهم أبطالًا على الورق. وعلى تنوّع الحقول ثمّة قاسم مشترك يجمع بين أبطال القصص الاثنتين والعشرين التي تشكّل المجموعة، هو أنّهم يؤولون إلى مآلات قاتمة. تتراوح بين العزلة والفشل والإفلاس والخيبة والتهميش والتخلّي والاحتجاز والهرب والتفاهة والبطالة والخيانة والفقر والموت وغيرها. وهذه المآلات تشكّل نقاط تحوّل في مجرى أحداث لم ترهص بها، تفاجئ المتلقّي بما لم يتوقّع، وتحقّق قَصَصِيّة القصّة.

 

الجامعة
الحقل الأوّل الذي يمتح منه القاصّ بعض قصصه هو الجامعة. يرصد سلوكيات بعض الطلاب الجامعيين، في مواقف معيّنة، تتراوح بين الانعزال والاحتيال والامتثال؛ ففي قصّة "أنا نجيب"، يصرّ الطالب على التمايز عن رفاقه، في كلّ شيء، فيُخالفهم في القول والفعل، ويعيش وحده على هامش الحياة الجامعيّة موهمًا نفسه بتمايزه عنهم، حتى إذا ما نظّموا تظاهرة، ذات يوم، ينأى بنفسه عنهم، وينصرف إلى ممارسة لعبة التنس، وحين تقوم الشرطة بالقبض على المتظاهرين، بعد رشّهم بمياه الإطفائية، متّخذة من بلل ثيابهم دليلًا على التظاهر، يتزامن ذلك مع عودة نجيب من الرياضة وقد تبلّلت ثيابه بالعرق، فيتمّ القبض عليه، وتسند إليه تهمة تنظيم التظاهرة، ويدفع الثمن الأغلى. إنّها سخرية القدر ممّن يظنّ نفسه متمايزًا عن الآخرين. وفي قصّة "الأستاذ الأطرش"، يحتال عمر على بعض الأساتذة الصمّ الذين دأبوا على تعليمه، فيتظاهر بالإجابة عن أسئلتهم دون أن يرفع صوته، ويقوم بتطفيشهم، حتى إذا ما خضع لامتحان شفهي في كلّية الحقوق وظنّ أنّ الأستاذ الممتحن أصمّ، بدوره، يلجأ إلى الحيلة نفسها، ويجاريه الأستاذ في لعبته متظاهرًا بالصمم، وحين ينتبه إلى ذلك، يكون السيف قد سبق العذل، يسقط ضحية احتياله، فيبوء بالفشل ويرسب في الامتحان. وفي قصّة "اللعبة الخطرة"، يتعرّض الطالب الجامعي الذي يقف على ناصية الشارع، ليرشد المتسابقين إلى باب ادريس، لسوء استخدام السلطة، من قبل الرجل التحرّي، ويُضطرّ إلى الامتثال لأوامره، تحت وطأة التهديد، حتى إذا ما اكتشف التحرّي خطأه، يخلي الطالب في حال سبيله، ولكن بعد أن يدفع ثمن سوء استخدام السلطة.

 

السياسة
الحقل الثاني الذي يمتح منه صنبر بعض قصصه هو السياسة. ولعلّ جرعة السخرية الزائدة في قصص هذا الحقل هي ما يميّزها عن قصص الحقول الأخرى؛ يرصد ضحالة بعض النوّاب، وتفاهة بعض البكوات، وسخافة بعض الأتباع، وتطييف حقوق الأفراد؛ ففي "أمنية الطفولة"، يسخر الكاتب من نائب فاشل وصل إلى النيابة بماله، وأمنيته الوحيدة أن يختلي بفتاة جميلة في شقّته، يرفّه بها عن نفسه بين الأعمال التي يزعم القيام بها، وهو الذي لا يفعل شيئًا. وحين يحقّق الأمنية، يصطحب صديقيه إلى صبحية في الشقّة ليفاجأوا بصديق الفتاة عاريًا فيها، فيقوم بطرده دونها. غير أنّ الأخيرة تغادر احتجاجًا، وقبل أن تفعل تعيّر النائب المخدوع بعجزه وشكله وصلعته. وفي "نظّارات البك"، يتنافس الأتباع على حمل البك العجوز القادم من السفر إلى السيارة، ثم يتشاجرون على الركوب معه فيها، وحين يخطب فيهم يصغون له ليتبيّن أنّ الخطاب هو سؤاله عن نظّاراته، باعتبارها نظّارات الأمة، التي سقطت بين أرجل المتنافسين. وبذلك، نكون إزاء جنازة حامية الميّت فيها كلب. وفي "حقوق الطائفة"، يعتبر رجل المقهى الذي تقتصر طقوسه اليوميّة على شرب القهوة والويسكي فيه، والمقامرة في مقهى مجاور، وإكمال السهرة في بار، أنّ المبادئ والآراء الوطنية طقّ حنك، وأنّ الوطن والعائلة والطائفة والأخلاق والدين والشهداء والأنبياء لا تساوي شيئًا...، حتّى إذا ما أعرضت عنه "البارميد" واهتمّت بغيره لأنّ الحظّ في المقامرة لم يكن في جانبه، فلم يستطع شراء كأس أخرى لها، يعتبر أنّ حقوق الطائفة مهضومة. وحين يتمّ سوقه إلى المخفر، بعد قيامه بتكسير محتويات البار، ولا يجد فيه مفوّض بوليس من طائفته يطلق سراحه بلا تحقيق، يزداد شعوره بغبن الطائفة، فحقوق الفرد هي حقوق الطائفة. ويا للسخرية!

 

الصحافة 
وغير بعيد عن السياسة وحقلها، الصحافة التي تشكّل الحقل الثالث الذي يستقي منه الكاتب قصّتين اثنتين. يسخر في إحداهما من خفّة بعض الصحافيّين، ويُعرّض في الثانية بمزاجية بعضهم الآخر وجبنه؛ ففي "الخبر الأخير"، يظنّ الصحافي الناشئ أنّه يكبر حين يأتي بخبر كبير. فيستأجر شقّة مطلّة على بيت مسؤول كبير، ويقوم بمراقبته ليلًا لعلّه يحظى بضالّته، وإذ يهمّ بالنوم وقد فشل في الحظوة بها، يرى المسؤول يتسلّل من غرفة نومه إلى الغرفة العليا، فيظنّ أنّه على وشك تحقيق هدفه، وأنّ المسؤول سيجتمع سرًّا بشخصية مهمّة، حتى إذا ما أضاء القمر المكان، يكتشف أنّه يجتمع سرًّا بخادمته. فيعود بأذيال الخيبة. لقد تمخّض الجبل فولد فأرًا. وفي "موعد مع الوزير"، يؤثر الصحافي موعدًا غراميًّا طارئًا على موعده المقرّر سلفًا مع الوزير، فيرافق الفتاة الحسناء في سيارة التاكسي التي تقلّها إلى بلدتها الجبليّة، حتى إذا ما أدركا البلدة، تحذّره من أن يراه أخوها وتطلب إليه انتظارها حتى تعود، وحين يتذكّر أنّ أهل تلك البلدة يستعملون بنادقهم للدفاع عن الشرف، يعود إلى بيروت متخلّيًا عن موعده الغرامي، ويفوته الموعد الآخر مع الوزير. فيصيبه ما أصاب كلاب دمّر، بحيث لم يعيّد في الشام ولا في دمّر أدرك العيد، على حدّ تعبير المثل الشعبي المأثور.

 

الاجتماع والاقتصاد
الحقل الرابع الذي يحيل إليه الكاتب في مجموعته هو الاجتماع والاقتصاد. يرصد في قصص الاجتماع خطأ شراء السمك في البحر، وعدم تلازم المظهر والمخبر، وهامشية البديل. ويتناول في قصص الاقتصاد صعوبة تغيير العادات، وتأثير الوضع الاقتصادي في منظومة القيم، وعبثيّة الرهان على الحظ. ففي "مستقبل جان جاك"، يراهن بطل القصة العاطل عن العمل على الثروة التي ستؤول إليه من جدّته الثمانينية الغنية، وينظّم حياته على أساس هذا الرهان، فيتديّن المال ويبذّره ليثبت أنّه غني، ويساير الجدة، ويتعمّد كيل المديح لصورة الجدّ المعلّقة في صدر بيتها، ويقيم لها مأتمًا لائقًا بعد موتها، ويرفض فتح الوصية قبل مرور أربعين يومًا على وفاتها، حتى إذا ما فعل، يكتشف أنّ حصّته من الثروة الطائلة هي صورة جدّه فقط. وفي "يا حكيم"، يكتشف سائق التاكسي، بعد أن يدفع ثمنًا غاليًا، أنّ النظّارات لا تصنع الحكيم. وفي "ابراهين"، يستنتج بطل القصّة أنّ التظاهر بالملاءة المالية، وهو معدم، لا يؤمّن له ثمن سكرة صغيرة. وفي "حنا الريزيرف"، يخلص بطل القصة، الذي يتّخذ من الاستعداد مهنة، ومن الانتظار طريقة حياة، إلى أنّ البديل لن يكون أبدًا بمرتبة الأصيل. وفي "رزق البحر يا بحر"، يصرّ صيّاد السمك أبو سعد الدين الذي يعرف الحمرا، منذ أن كانت مزارع خسّ، على مزاولة مهنته في صيد السمك والقيام ببيعه في البيوت مع الفجر، حتى بعد أن أصبح مالك بناية غنيًّا. على قاعدة أنّ من يغيّر عادته تقلّ سعادته. وفي "إعاشة"، يرفض الوجيه أحمد أن يقف في الطابور للحصول على الإعاشة، بعد أن كان يقوم بتوزيعها على الفقراء، ويتظاهر بأنّه يراقب سير العمل، حتى إذا ما انفضّ الطابور، يقوم بالحصول عليها خفيةً عن الآخرين. غير أنّ تفاقم حاجته إلى إعالة أسرته، يُضطرّه إلى الوقوف في أوّل الطابور والمطالبة بحصّته من الإعاشة.  وهكذا، يتحكّم الاقتصاد بمنظومة القيم. وفي "يانصيب"، ما إن يبتسم الحظّ للمعلّم حنّا الذي يعمل في محلّ للخياطة، وينفّذ أوامر الزبائن على اختلافهم، ويحلم بتعليم أولاده لكي لا يعيشوا ما عاش، بربح ورقة اليانصيب التي بحوزته، حتى يعبس في وجهه، من جديد، حين تصدمه سيّارة، في طريقه إلى صرف الورقة، "فالمعثّر معثّر وان سعد بيموت"، وفق تعبير المثل الشعبي.

 

 الرجل والمرأة

إلى ذلك، تشكّل العلاقة بين الرجل والمرأة الحقل الأبرز في "ناس من راس بيروت"، فحوالي ثلث قصص المجموعة يتّخذ مادّته الأوّلية، من هذا الحقل، ويقوم القاصّ بتصنيعها وفق مقتضيات الفن القصصي. وفي هذا الثلث، يرصد مرارة الخيانة، عاقبة التردّد، عدم التكافؤ بين الرجل والمرأة، أهمّية الخبرة، وعبثية العلاقات العابرة. ففي "هو والضوء الخافت"، يتجرّع سائق التاكسي الذي يسيء الظنّ بالآخرين، كلّما رأى ضوءًا خافتًا، من الكأس نفسها، حين يرى الضوء الخافت ينبعث من شقّته في الطابق الرابع. وفي "هو لا يريد"، يؤدّي تردّد الرجل في التكلّم مع المرأة، التي يحاول لفت نظرها مداورة، إلى خروجها مع آخر يتوجّه إليها مباشرة، فالخط المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين. وفي "وسيلة للترفيه"، تنقلب الأدوار بين الزميل المرفِّه (بكسر الفاء) والزميل المرفَّه عنه (بفتحها)، حين يكتشف الأوّل أنّه هو من يتعرّض للخيانة لا زميله. وفي "بطاقة شكر"، يؤدّي عدم التكافؤ العمري بين طرفي العلاقة إلى عدم إتيانها ثمارها المرجوّة. وفي "هذه الليلة"، تتحوّل الصبيّة المرتبكة التي لا تحسن التصرّف في حفل رأس السنة من طالبة تحتاج إلى من يعلّمها الرقص والتقبيل إلى معلّمة محترفة في الرقص والقبيل في العيد التالي. وفي "الوطن كلمة واحدة"، تنتهي العلاقة العابرة بين مضيفة الطيران السويدية غونيللا والطالب اللبناني سام اللذين التقيا، ذات ليلة، في إيطاليا، وتكرّر لقاؤهما، بعد سنوات، مرّتين، في بيروت، دون أن يصرّح أحدهما بهوّيّتة الآخر، بأن يذهب كلٌّ منهما في طريق، في إشارة قصصية إلى أنّ العلاقات العابرة مآلها الفراق.

 

هذه القصص ليست وقفًا على راس بيروت، بل قد نراها في غير راس، لكن اجتماع الحقول المعرفية المختلفة التي امتيحت منها في مكان واحد قلّما يحصل في المكان نفسه. وهذا ما يبرّر نسبتها إلى راس بيروت. يصوغها صنبر بلغة مباشرة، تسمّي الأشياء بأسمائها، وتستخدم، في بعض الأحيان، مفردات محكية وتراكيب محلية، تمنحها واقعيتها، وتشي بالعالم المرجعي الذي تنطلق منه وتحيل إليه. غير أنّ الملاحظ أنّ الكاتب لم يقم بتحديث الطبعة الجديدة من مجموعته، وأبقى على نصوصها كما وردت في الطبعة الأولى، ما جعله يستخدم مصطلحات تجاوزها الزمن، فتتكرّر في المجموعة، على سبيل المثال، كلمة "مليونير" لوصف الرجل الغني، في زمن لم تعد فيه للمليون ليرة أية قيمة، فاقتضى التنويه. ومع هذا، "ناس راس بيروت" مجموعة قصصية رشيقة، تجاور بين الجدّية والسخرية، وتجمع الطرافة إلى الظرف، فتمتع قراءتها وقد تفيد. ولن يعود قارئها من الغنيمة بالإياب.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث