الدين والسياسة في اليهوديّة: علاقة عضويّة؟

أسعد قطّانالأحد 2026/03/29
Image-1774775400
نسخة من التوراة
حجم الخط
مشاركة عبر

ثمّة من يذهب إلى أنّ الدين اليهوديّ أكثر الأديان «الإبراهيميّة» ارتباطاً بالسياسة. ربّما ينسحب هذا الزعم على الفكر الصهيونيّ، الذي يجنح إلى أنّ الوطن اليهوديّ على أرض فلسطين التاريخيّة يتّصل، على نحو وثيق، بما نقرأه في بعض كتب التوراة أنّ إله إسرائيل أطلق وعداً لإبراهيم بأن تكون أرض كنعان له ولنسله من بعده. لكنّ الثابت أنّ اليهوديّة، قبل نشوء الفكر الصهيونيّ وفكرة الوطن القوميّ اليهوديّ، كانت متحرّرةً، إلى حدٍّ بعيد، من إضفاء أيّ بعد سياسيّ على العلاقة بما يسمّيه اليهود «أرض إسرائيل». لقد عاشت اليهوديّة التاريخيّة، منذ مطلع القرن الميلاديّ الثاني، أي بعد ثورة باركوخبا (132-135)، التي حدت الرومان على منع اليهود من دخول أورشليم خوفاً من تجدّد الثورات، نوعاً من العلاقة الروحيّة مع أرض فلسطين التاريخيّة لم تعبّر عن ذاتها عبر مشروع سياسيّ، وذلك حتّى بعدما عاد بعض اليهود إلى فلسطين إبّان الحكم الإسلاميّ. ففكرة «جمع» اليهود في فلسطين ظلّت وثيقة الصلة بمجيء المسيح الذي ينتظر اليهود قدومه في الأزمنة الأخيرة، إلى أن جاء الفكر الصهيونيّ وارتأى تحقيق هذا التجميع عبر مشروع سياسيّ يسعى إلى طرد السكّان الأصليّين مستنداً إلى العنف.

 

بمعزل عن تقلّبات التاريخ، يعنينا أنّ أيّ فهم للتوراة لا يأخذ الفكر النبويّ في الحسبان معرّض للوقوع في فخّ الانحراف التأويليّ. فهذا الفكر، من عاموس إلى حزقيّال، مروراً بهوشع وإشعياء وإرمياء، يفكّك المنظومة الدينيّة والسياسيّة التي كانت سائدةً في مملكتي الشمال (إسرائيل) والجنوب (يهوذا). الشقّ الدينيّ من هذه المنظومة هو محاكاة سائر الشعوب التي كانت تسكن أرض كنعان عبر اتّباع البعليم وسائر الآلهة الوثنيّة. أمّا الشقّ السياسيّ، فيتلخّص في الثقة المطلقة بالمؤسّسات الزمنيّة كالملكيّة والجيش بدلًا من الاتّكال على الله. ويصاحب هذا كلّه تقريع للملوك على إهمالهم وظيفتهم الأساسيّة، أي الاهتمام بالفقير والضعيف والغريب واليتيم والأرملة، وتشديد على أهمّيّة اللاعنف. النبيّ عاموس، مثلاً، ينزع صفة الإطلاق عن فكرة الشعب المختار مقوّضاً اعتداد مملكة إسرائيل بحدث إخراج الشعب من أرض مصر، وذلك عبر تأكيده أنّ الله، سيّد التاريخ، أخرج شعوباً أخرى من أمكنة أخرى. والنبيّ إرمياء يعلن أنّ الله نفسه سيرسل البابليّين كي يدمّروا هيكل أورشليم بغية تلقين شعبه العاصي درساً قوامه أنّ استمراريّة الله لا ترتبط بالمدينة ولا بالهيكل. ويصعّد حزقيّال هذه المقاربة إذ يصوّر الله تاركاً «مدينته» أورشليم وآتياً إلى المسبيّين في بابل.

 

الدرس المستمدّ من الفكر النبويّ فحواه أنّ إله بني إسرائيل إله الشعوب جميعها، يهتمّ بمصائرها ويسعى إلى خلاصها، حتّى إنّه يرسل إليها رسلاً وأنبياء. ولعلّ من أرفع ما يُفصح عن هذا الاقتناع سفر صغير من أسفار التوراة، كتاب يونان، إذ يروي كيف أنّ الله أصرّ على نبيّه يونان أن يذهب إلى نينوى، المدينة العظيمة والعدوّ التاريخيّ للممالك الإسرائيليّة في أرض كنعان، كي يحضّ أهلها على التوبة. هذه النظرة الشموليّة، التي تتخطّى التأويل الضيّق لحكاية الله مع إبراهيم، يعبّر عنها نصّ مرجعيّ نعثر عليه في كتابي إشعياء وميخا، إذ يؤكّد أنّ مقصد الله الأخير تحقيق المصالحة بين شعوب الأرض جميعها في حمى اللاعنف: «ويكون في آخر الأيّام أنّ جبل بيت الربّ يكون ثابتاً في رأس الجبال، ويرتفع فوق التلال، وتجري إليه كلّ الأمم، وتسير شعوب كثيرة، ويقولون: هلمّ نصعد إلى جبل الربّ، إلى بيت إله يعقوب، فيعلّمنا من طرقه، ونسلك في سبله. لأنّه من صهيون تخرج الشريعة، ومن أورشليم كلمة الربّ. فيقضي بين الأمم وينصف لشعوب كثيرين، فيطبعون سيوفهم سككاً ورماحهم مناجل. لا ترفع أمّة على أمّة سيفاً، ولا يتعلّمون الحرب في ما بعد».

 

والحقّ أنّ الذين صاغوا التوراة العبريّة صوغاً نهائيّاً، وجمعوا كتبها، ولعلّهم من الكهنة، كانوا متتلمذين على هذا الفكر النبويّ العظيم، إذ جعلوا كتب الأنبياء في قلب كتابهم المقدّس. وحين خطّ أحدهم الفصل الأوّل من كتاب التكوين، رأى أنّ الإنسان، أيّ إنسان، صورة الله لا بالارتكاز على صفاته، بل من حيث طبيعته البيولوجيّة الصرف (ذكراً وأنثى خلقهم). نحن هنا أمام نصٍّ غاية في الإيجاز ربّما ينطوي على أبلغ نقد للمؤسّسة السياسيّة في الشرق القديم. فمن المعروف أنّ صورة الله، بحسب المفاهيم السائدة آنذاك في مصر وبلاد الرافدين، لم تكن الإنسان الفرد، بل الملك، أو الفرعون.

 

حين أعلن يسوع الناصريّ، قبيل تسليمه إلى الصلب، أنّه يهرق دمه لا من أجل تلاميذه فقط، بل «من أجل كثيرين»، كان يؤكّد مرّةً أخرى مجيئه من رحم الفكر النبويّ الذي مهر بخاتمه الإصحاح الأوّل من كتاب التكوين. أمّا بولس، هذا اليهوديّ الفرّيسيّ، فأعاد تأويل مفهوم الوعد الذي أطلقه الله لخليله إبراهيم، عبر تثمين الفكرة التي نعثر عليها في كتاب التكوين أنّ قبائل الأرض جميعها، أي الشعوب كافّةً، تتبارك بنسل ابرهيم (وهذا بالنسبة إلى بولس لا يتحقّق إلّا بالمسيح). رهان الناصريّ وصفيّه بولس، إذاً، كان تأويل نصوص العهد القديم تأويلاً منفتحاً عبر الاستنجاد بالتراث النبويّ. فالمقاربة النبويّة الواسعة الأفق تعتق نصوص التوراة «المقفلة» من منظورها القوميّ الضيّق وتجعلها في خدمة مبدأ تعدّد الأصوات، وهو مبدأ نعثر عليه في النصوص الدينيّة التأسيسيّة جميعها. فكما أنّ النصّ المفرد حمّال أوجه، كذلك فإنّ النصّ الدينيّ يتّصف بأصواته المتعدّدة. أمّا مهمّة إبراز هذه الأصوات واللفت إلى أنّ بعضاً منها مركزيّ وبعضاً هامشيّ، مع التشديد على المركزّي وعدّه المعيار الذي عبره يتمّ تأويل سائر الأصوات الأخرى، فتقع على كاهل المفسّر واللاهوتيّ.

لا يسوغ، إذاً، أن يقع بعض الدارسين في التبسيط والاختزال عبر حسبان اليهوديّة أقرب الأديان «التوحيديّة» إلى السياسة. فقراءة نصوص التوراة العبريّة قراءةً متأنّية تبيّن أنّ هذا الرأي يجافي الحقيقة. أمّا اليهوديّة المعاصرة، إذا أرادت أن تكون نفسها، فلا يمكنها أن تتنكّر لكون الصوت النبويّ في التوراة يحرّر هذا النصّ من انغلاقه هنا وهناك، ويجعله كتاباً كونيّاً قادراً على مخاطبة الجميع.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث